الحاج المهدي بن مبارك وقصيدة "الحج"

الحاج المهدي بن مبارك وقصيدة "الحج"
الاثنين, 12. يونيو 2017 - 17:09
محمد الطالبي
قراءة : (318)

يعتبر الشعر الأمازيغي الديني أحد الأجناس الأدبية والفنية التي ميزت الإبداع الأمازيغي، فقد تفتقت قريحة الشعراء (إنْظّامْنْ) بقصائد (تِنْظّامِينْ) موزونة، وتغنى الروايس بألحان عذبة، وبكلمات إيمانية ربانية، مؤسسين لأدب مستقل بذاته، جعل الإيمان مركزه، والعقيدة جوهره.

pjd.ma  ومن خلال سلسلة حلقات رمضانية، سيسلط الضوء على  أحد أهم المؤلفات التي دونت وحفظت هذا النوع من الأشعار، سنفتح معكم دفات كتاب محمد مستاوي، ونطوي صفحاته ناقلين في كل حلقة قصيدة، وفي كل قصيدة معنى ودلالة،  مع شعراء دَوّنَ مستاوي قصائدهم بعناية ودقة في كتابه "الشعر الديني المغربي الأمازيغي في خدمة الإسلام".

الشاعر الرايس الحاج المهدي بن مبارك

اختار محمد مستاوي، الشاعر والرايس الكبير الحاج المهدي بن مبارك كأول شاعر يستهل به كتابه من خلال قصيدته المشهورة "الحج أيكا د الفرض"، لاعتبارات، أهمها، أن قصيدة "الحج أيك د الفرض" قصيدة وأغنية خالدة، مميزة في الأداء واللحن والإيقاع، وتعتبر بحق أكثر تفصيلا وأكثر عمقا.

ولد الحاج المهدي بن مبارك بمنطقة أيت واضيل بحاحا سنة 1936 وأصوله من أيت باعمران، سجل أول أغنية له سنة 1957 بعنوان "الدستور"، أما آخر أغانيه فهي "مانيك راد سكرغ أياماركي" و "وياجديك".

 توقف المهدي بن مبارك عن الغناء سنة 1980 بعد أن التقى في مدينة مراكش مع صديق أبيه "محمد إموراك" والذي نصحه بعدم الاستمرار في الغناء والبحث عن مصدر آخر للرزق، فتوقف بعد ذلك مباشرة وتفرغ للتجارة.

تحدث المهدي عن أسباب هذا التوقف في الكثير من تصريحاته الإعلامية، وأكد أن توقفه ووضع حد لمساره الفني "لم يأت في الحقيقة بسبب معين، بل الله أراد أن أنهي هذا المسار ففعلت، وأنا الآن مرتاح في عملي الجديد والحمد لله"، يقول المتحدث.

كتب المهدي بن مبارك قصيدته / أغنيته المشهورة "الحج أيكا د الفرض"، بعد عودته من أداء مناسك الحج لسنة 1970، وعرضها آنذاك على مجموعة من الفقهاء الذي أبدوا إعجابهم بها، قبل أن يقوم بتسجيلها بالدار البيضاء، وكان من بين الفنانين الكبار المشاركين في فرقة المهدي أثناء تسجيلها كل من الرايس أحمد أمنتاك، ومبارك بونصير، والحاج محمد الدمسيري، ثم عمر واهروش، وكلهم يعزفون على آلة الرباب، ويعتبرون من "عمالقة" فن "تيورسا" بسوس.

قصيدة "الحج أيكا د الفرض"

مطلع القصيدة .. الحج "لفرض أيكا"

الحج ءايكَا دْ لفْرضْ ءايمُسْلمْنْ فلاّغْ

ءابلحَاقيَاناسْئدركنءاساغئنّا شْرعْ

ئما لمْسكين ربّي ءاكيسْءُوكَانئحنّان

واخّا نيتْ كانْ لفرضْ ءور فلاّس ئكليفْ

لحيجْأوركينْءافُودْءُولاَئلاّسْلمَال

ءُورْئلّيءاكْمَاسْلبابورْءولاَ طيارَاتْ

وانّا ميتنْ ئكْتبْ ربّي ءوكانءاراتئروح

يَانَانغْئِنّانْءوهُو لْمَالْ ءاسَا تِيلِينْ

ئزريّانسرسئمّودانئمت غ – ءوغارَاسْ

ءُورَاسئكتيبئلا دارس لمال ئكافَانْ

وهذه هي ترجمة مضامين الأبيات إلى العربية حسب مستاوي :

الحج فرض علينا أيها المسلمون، لكن الشرع فرضه على من استطاع، المسكين شمله الله بعطفه وحنانه ولا يجب عليه ولو كان فرضا، الحج ليس بقوة البدن ولا بكثرة المال وليس يا أخي بالباخرة والطائرات، من كتبه الله له هو الذي سيصل إليه، من قال لا، الحج يكون بتوفير المال، عليه أن يشاهد الذي ذهب إليه ومات في الطريق، فلم يكتب الله له أن يصل إلى ذلك المقام.

حالة الحجاج قبل الرحيل:

ءادو ريغ س الحجاج ءافلان ءاتنفاصلغ

ءاسناغ ران أمودو مساكين ءار ألان

ءاسلهام ن لحباب نس ءولا وي وّاراو

وانا إران لحيج الفرح ءاتئخصان

ءاغراسءاك ءور ايهول مقار إيلا طول

طيارا تركيك زون كانكشم لوطيل

وهذه هي ترجمة مضامين الأبيات إلى العربية حسب مستاوي :

لأعد للحديث عن الحجاج يوم السفر إلى الحج، تجدهم يبكون وسبب ذلك هم الأحبة والأبناء، من أراد السفر إلى الحج يستوجب الفرح لا البكاء، عليك ألا تفكر في الطريق ولو كان طويلا، الطائرة مريحة كأننا دخلنا فندق.

الوصول وزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم:

ئلما نزور نابي ئموناغ أك لغرض

ئزوك ئضص ءاكيغ ءاكرن ءامر س لفرح

سيدي نبي لي مي زولغ ءاماس نطرف نس

ءاح الروضة د لمنبر شريف ءوركن توغ

(...)

سين لاصاحبا حادا نكين ءايا شافيع

ئلا سيدنا بوبكر نتان ئوا لاك

سيدنا عمر ئكا أمير المومنين

ءار ئتامر ءار اتنهو لمنكر ليغ إسول

وهذه هي ترجمة مضامين الأبيات إلى العربية حسب مستاوي :

بعدما تقدم قمنا بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وشعرنا بقضاء ما من أجله أتينا، غاب النوم وشهية الأكل فرحا بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتابعت قوافل الحجاج مسار الزيارات.

(...)  بجانبك يا سيدي يا شفيعنا صاحبك سيدنا أبو بكر

سيدنا عمر أمير المؤمنين يأمر وينهى عن المنكر في حياته.

في ذكر أركان فريضة الحج :

ءولا تالبيا لابد ءاستي تينين

ءاركيغ ئكشم لبلاد ئطوف غ الحرام

ئزور سيدنا إبراهيم والايا راونس

ءولا الحجر لاسواد ءان فلاسن سلمن

ئسوغ زمزم نغوبون فلاس ئرافان

صفا والمروة لابد كولمائفتان

ءاكيس ئسعو واخا دارس ءامريات تيقرت

(...)

ءاغار اكمل لفرض اغارسن عمرن

س لمزدلفا زادا كسي ئنس يان ئران

ءاونا ءور اريرين ئزال غين شين ئميك

ءاكرون ئزران ن ترجيم روحنك ءامينان

وهذه هي ترجمة مضامين الأبيات إلى العربية حسب مستاوي :

وكذا التلبية لابد من ترديدها الى أن يدخل مكة ليطوف في المسجد الحرام ثم ليزور مقام سيدنا إبراهيم ويقبل الحجر الأسود. ثم ليرتوي من ماء زمزم ليقض على الظمأ ولابد لكل حاج من السعي بين الصفا والمروة ولو كان ذا رجل واحدة.

(...) لما أدوا فريضة الوقوف بعرفة امتلأت الطرقات واتجه الكل وجهة المزدلفة لينام فيها من شاء، من فضل الصلاة وتناول الطعام فله ذلك يلتقطون حصاة الرجم ويتجهون وجهة منى يوم العيد كل واحد يهتم بمصالحه الخاصة.

الدلالات الفنية والجمالية واللغوية للقصيدة /الأغنية

تتميز قصيدة "الحج ايكا دالفرض" بدلالات فنية وجمالية خاصة، فرغم أن الكثير من الشعراء والروايس الأمازيغ بسوس قاموا بأداء أغاني مشابهة، وعلى رأسهم قصائد دينية أداها الحاج بلعيد عميد الروايس بسوس والمرجع المؤسس لهذا الفن، فإن هذه القصيدة التي أداها الحاج المهدي بن مبارك لها خصوصية فنية وجمالية نوعية جعلتها خالدة محافظة على عمقها ومكانتها إلى اليوم.

تتميز القصيدة بالأداء العميق، فالملاحظ أن القصيدة التي تمتد في أزيد من ثمانين بيتا، شملت جميع تفصيلات الحج وأركانه بل والحيثيات والمشاعر الإيمانية والربانية التي تنتاب الحاج قبل وبعد تواجده في ذلك المقام.

لكن الأهم من ذلك، هو اللحن الذي اختاره الحاج المهدي للقصيدة، حيث تميز بتناسقه وانسجامه مع مضامين القصيدة، لحن فيه نوع من الحنين والرجاء والتضرع، لحن متناغم مع الإيقاع الهادئ والبطيء والمؤثر الذي اختير للقصيدة.

هذا الانسجام بين الأداء واللحن والإيقاع، وازاه تفرد القصيدة بالتماسك في البنية، والانسيابية في السرد، وتوظيف لغة أمازيغية واضحة ومتداولة تنتقي كلماتها من المتداول من الكلام بين الناس، من خلال عبارات منتقاة بعناية ودقة تراعي المشترك الجمعي بين أهل سوس.

الملاحظ كذلك، أن القصيدة وغيرها من القصائد التي أداها الرايس المهدي بن مبارك، تتميز بالحكم وعمقها الدلالي، حكم موجهة ومؤطرة فيها خطاب وعظي يتماهى مع المضامين الإيمانية للقصيدة.

كل هذه العناصر في تفاعلها وتناغمها وانسجامها أضفت بصدق على هذه القصيدة جمالية فنية، وعمق إبداعي، وتفرد في الأداء، وتميز  في العطاء، لتجعل قصيدة/ أغنية "الحج أيكا د الفرض" للمهدي بن مبارك، أروع ما أداه الفنان الأمازيغي السوسي في الأغنية الدينية.

التعليقات

أضف تعليقك