الفايسبوك .. تعبير عن الواقع أم صناعة للوهم ؟

الفايسبوك .. تعبير عن الواقع أم صناعة للوهم ؟
الأربعاء, 6. ديسمبر 2017 - 18:19
محمد الطالبي
قراءة : (121)

الفضاءات الافتراضية وعلى رأسها صفحات التواصل الاجتماعيي "الفايسبوك"، تدخل في إطار التحولات والطفرات الرقمية وبروز الأدوار الجديدة للإعلام الجديد، وهي مساحات تتوفر فيها هوامش للحرية وفرص للحشد والتعبئة حول قضايا معينة تروم مبدئيا تعزيز وتوسعة مساحات الديمقراطية وهوامش الحريات.

فهل تساهم هذه الفضاءات بحق في تعزيز هذا التوجه ؟ هل يشكل الافتراض بديلا عن الواقع ؟ وما درجة تأثير هذه الفضاءات على الواقع وفي الواقع وعلى العمل المؤسساتي ؟ هل تنتج فعلا هذه الفضاءات معنى جماعيا أم هي حالات نفسية فردية ؟ ألم تتحول هذه الفضاءات مع مرور الوقت إلى فضاءات للفوضى تحتاج للعقلنة والضبط لتصير فضاء عموميا بالمعايير والشروط التقليدية التي وضعها المفكر "يورغن هابرماس" في تناوله لموضوع "للفضاء العمومي" ؟

Pjd.ma ولتقريب الصورة ومحاولة منه لتشريح إشكالات الموضوع، يسلط الضوء على الفضاءات الافتراضية وعلى رأس قائمتها "الفايسبوك"، بعيون أساتذة علم الإجتماع وعلم النفس الاجتماعي.

حالة نفسية

محسن بنزاكور، أستاذ علم الاجتماع النفسي، يرى أن صفحات التواصل الاجتماعية الافتراضية وعلى رأسها "الفايسبوك"، هي "تعبير عن حالة نفسية بالأساس، فهي هي المتنفس للشخص من أجل التعبير عن مكنوناته النفسية"، مضيفا أن الفرد يستطيع من خلال هذه الفضاءات "أن يحاكي واقعه ويتواصل مع العالم الخارجي ويعيد سرد قضاياه الشخصية ليشاركها مع الآخر".

 واستدرك بنزاكور، قائلا:"لكن خطورة هذه المسألة أنه هناك احتمال أن تستغل هذه التصريحات والحديث عن التفاصيل الشخصية والتعبير عن الحالات النفسية للفرد وخصوصياته من أجل الابتزاز والتحرش والمضايقات"، مشددا على أنها قد تصل بعض الأحيان إلى تسجيل "حالات الانتحار لدى المراهقين والمتزوجين".

وحذر أستاذ علم النفس الاجتماعي من هذه الحالات، قائلا:" يجب الانتباه ف "الفيسبوك" ليس طبيبا نفسيا، بل هو فضاء جماعي مشترك تتقاطع فيه التجارب والطموحات والأفكار والميولات"، وبالتالي، يقول بنزكور "فلابد من مراعاة هذا المعطى وحفظ الخصوصيات".

حشد "الفايسبوك"

يرى بنزاكور أن "الفايسبوك"، يكون له تأثير كبير على الواقع، لكن في حالة "مطابقة ما يقال وما يروج في صفحاته الواقع، بمعنى، حتى إن كانت الفكرة صادقة والدعوة صادقة، فلابد أن تتضافر  هذه الدعوة مع مراحل تاريخية معينة وسياق سياسي واقتصادي معين"، مؤكدا أن "الراهنية والمصداقية والواقعية شرط أساسي للحشد والتأثير والتوجيه".

"لا يجب أن نعطي للعالم الافتراضي وخاصة "الفايسبوك" كل هذه القوة الخارقة، فالذي يقوم بهذا الحشد مرتبط أيضا بعوامل خارجية"، يقول بنزاكور، مشددا على أن الإعلام مثلا "لعب دورا أساسيا في ثورات ما كان يسمي ب "الربيع العربي" وليس فقط هذه الفضاءات الافتراضية".

إلى ذلك، اعتبر أستاذ علم النفس الاجتماعي، في تصريح ل pjd.ma، أن هذه الفضاءات "آلية من الآليات التي يمكن أن يشتغل عليها الإنسان، ولا تنفي حضوره واشتغاله في الواقع"، مشيرا أن الاستجابة لكل عمليات الحشد الافتراضي "لا تخضع كل مرة لفكر القطيع أو كما قال "كوستاف لوبن" ل "نفسية الحشد" والانسياق وراء العاطفة، بل هناك مجتمعات تقف أمام الوضع برؤية نقدية  تمحيصية".

التنظيمات و"الفايسبوك"

أكد بنزاكور، أن الفضاءات الافتراضية، وعلى رأسها "الفايسبوك"، لا يمكن أن تعوض المؤسسات التنظيمية والقرارات التي تتخذ في إطارها قائلا:"المؤسسات تراعي شرط السرية في بعض القضايا، وهذا من صميم نجاحها فلا يمكن أن تعبر عن كل شيء، عكس هذه الفضاءات التي تطرح كل شيء للتداول وللنقاش".

وتابع المتحدث، قائلا:"عملية بناء قرار معين من داخل المؤسسات يتم مناقشته بكل ديمقراطية تصل بعض الأحيان إلى تجاذبات، وهذا طبيعي، ولكن حين يتم تسريب هذا النقاش مثلا "فايسبوكيا" فإنه يحدث اضطرابا، وتصير هذه الفضاءات ذات تأثير سلبي، وتبث البلبلة وتساهم في توقيف النقاش المؤسساتي".

وشدد المتحدث ذاته، على أن المفروض، هو "تجنب تسريب القضايا المرتبطة بنقاش مؤسساتي لأن ذلك يدخل من صميم سرية التنظيمات"، مردفا أن "حتى الشركات الاقتصادية الكبرى يعتبر تسريب وتداول بعض المنتوجات التي هي في طور الإنتاج جريمة يعاقب عليها القانون، وتحرص هذه الشركة على حفظ كل المعطيات التي ترتبط به".

الواقعية والعقلانية

من جهته، ولتجاوز أزمة اللامعنى التي يمكن أن تسقط فيها هذه الفضاءات، طرح علي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع، شروطا تقعيدية هي نفسها تقريبا تلك الشروط المرتبطة بالفضاء العمومي التي وضع أسسها عالم الاجتماع والمفكر يورغن هابرماس.

"في نظري لابد من توفر شرط العقلانية والواقعية في هذه الفضاءات التي تتجه إلى الفوضى العارمة فلم يعد يحكمها أي معيار لا أخلاقي ولا قانوني"، يقول الشعباني، مضيفا أن العقلانية "شرط أساسي للرفع من مكانة هذه الفضاءات لتصير فضاءات للنقاش العمومي الذي يساهم بنضج في تعزيز الديمقراطية ويساهم في تسطير السياسات العمومية".

وأبدى المتحدث تفاؤله بخصوص حدوث تحولات في المستقبل، قائلا:"لا ندري فمع التطور الحاصل والتحولات التي يمكن أن تقع، من الممكن أن تمر هذه الفضاءات من مرحلة الفوضى، وهي مرحلة تأسيسية، إلى مرحلة العقلانية وإنتاج المعنى"، مشيرا أن أي عملية تحول تفرض "الخروج من دائرة الاستبداد التي تفرض باسم الحرية المطلقة".

الشعباني، يرى ان هناك أيضا "استبداد الحرية المطلقة"، التي تتميز بها هذه الفضاءات، وهي حسب المتحدث "لا تقل خطورة عن الاستبداد الذي تفرضه الأنظمة السياسية الاستبدادية والمجتمعات الاستبدادية".

تقنين الافتراضي

عقلنة وانضباط هذه الفضاءات، إضافة إلى توفر شرط العقلانية رهين حسب المتحدث إلى ضروة التقنين والتقعيد، قائلا "الإنتاج الفكري في تطوره كان يجتهد من أجل قراءة التحولات الفكرية والإنتاج الفكري البشري، ويعمل على ضبطه وعقلنته، فيمكن أن نتحدث مثلا عن العقد الاجتماعي مع جون جاك روسو مثلا".

نتيجة لهذه القراءة، يرى الشعباني، أن هذه الفضاءات الافتراضية لا يجب أن تسقط في فخ أنها فضاءات "الحريات المطلقة، وقول ما أريده، وإلا فقدت معناها الأصيل وهو التنوير والتوعية والتأطير والتوجيه".

وشدد المتحدث ذاته على أن هذه الفضاءات "يجب أن يكون لها إطار وقواعد وضوابط وإلا أساءت إلى الفكرة الأساسية التي أسست من أجلها"، فهي أصلا جاءت كإجابة  "لقمع حرية التعبير وانسداد أفق النقاش الحر في في القوانين والدساتير والمؤسسات في الأنظمة المستبدة".

هذه الرؤية التي دافع عنها الشعباني في تصريحه ل pjd.ma، هي خلاصة ذات خلفية فكرية استحضرت تطور الإنتاج الفكري الذي يسير ويتجه دوما إلى الضبط والتقعيد والمعنى والعقلانية، لكن رغم ذلك، فإن هذا الطرح وإن بدا منطقيا ومعقولا من الناحية النظرية، فإنه يطرح إشكالات أخرى مرتبطة بالجهة التي ستقنن وتضبط، فهل هي نفسها تلك الجهة التي قامت بسد كل قنوات التواصل الديمقراطي المؤسساتي ؟ ثم هناك سؤال آخر، أليس التقنين والتقعيد الميكانيكي أصلا معاكسا لفكرة الفضاءات الافتراضية التي أسست صرح بنيانها على أسس الحرية بلا قيود ؟ إنها إشكالية جديدة تمخضت عن هذا النقاش والتي تسترعي البحث والمتابعة.

التعليقات

أضف تعليقك