"الفُو رُوجْ".. لقمة عيش بين الأحمر والأخضر

"الفُو رُوجْ".. لقمة عيش  بين الأحمر والأخضر
الاثنين, 16. أبريل 2018 - 12:28
عبد الإلاه حمدوشي
قراءة : (292)

لم تعد وظيفة إشارات المرور  عند المغاربة مقتصرة على تنظيم حركة سير العربات والراجلين، بل تجاوزتها لأداء وظائف أخرى، وصارت فضاء يختزل مجموعة من السلوكيات والمعاملات اليومية التي قد لا تلقي لها العين بالا، خاصة عند ملتقى الطرق، والتي يطلق عليه المغاربة اسم "الفو روج"، و هو مصطلح معناه "الضوء الأحمر" باللغة الفرنسية (feu rouge).

لنكتشف أسرار هذه الأماكن التي يعبرها آلاف الأشخاص يوميا، وقفنا عند أول ملتقى طرق، بشارع الحسن الثاني بمدينة الرباط، حيث يقف "عمي بوشعيب"، كما يحلو للناس تسميته، متكئا على دراجته الهوائية المحملة بنوعين من الفاكهة على الأكثر، والمعروضة للبيع على جانب حائط بناية عالية، حيث توجد إشارات مرور.

ورغم أن إشارات المرور الموجودة فوق رأسه تتغير بتغير أضوائها، ورغم أن الضوء الأحمر الموحي بالمنع وعدم الحركة، كان يتوارى أمام سماحة الضوء الأخضر منذ زمن، فقد ظل "عمي بوشعيب" بائع الفواكه متسمرا في مكانه المعتاد تحت عمود إشارات المرور، لسنوات طوال، غير آبه بالضوء الأخضر. إذ لم يكن يعتبر نفسه معنيّا في يوم من الأيام بتعاقب ألوان "الفو روج" تلك.

وعن سبب اختياره لملتقى طرق حيث توجد إشارات المرور لمزاولة تجارته، يقول بائع الخضر بابتسامة ممزوجة بخجل البدو تعلو محياه، وهو يقلّب دفاتر عمره ليطلعنا على جزء منها، مختزلا صورة جمالية معبّرة: "هذا المكان الذي أبيع فيه فواكهي، أستغله منذ 20 سنة، وهو مكان يضمن لي مرور عدد كبير من الناس القادمين من عملهم أو المتجولين أو الذاهبين لقضاء حوائجهم، مما يجعل إمكانية بيعي للسلعة أكثر  إتاحة".

بعدما فرغنا من محادثة بائع الفواكه، استوقفنا فتى يافع السن يحمل على ظهره محفظة صغيرة مملوءة  بمطويات وبعض المنشورات الصغيرة  التي لم تكن سوى مجموعة من الأدعية المطبوعة، والتي يعرضها على المارين من الراجلين الذين يقطعون الشارع عبر الممر المخصص، أو  يشهرها في وجه السائقين عندما يرغم  الضوء الأحمر السائقين على الضغط على المكابح.

"سي محمد" حالة من مئات الحالات والمشاهد المتكررة التي أصبحت مألوفة في ملتقيات الطرق وعند الإشارات الضوئية، هو فتى لم يكمل دراسته بسبب ظروفه المزرية، إذ هاجر  - كما أوضح- من ضواحي مدينة سطات ليكتري مع أمه غرفة صغيرة في العاصمة.

وعن الثمن المخصص لبيع المطبوعات، قال "سي محمد" إن "المميز في هذا العمل، هو أنني أترك للمشتري حرية تحديد ثمن المطبوع، فهناك من يعطيني القليل وهناك من يجود علي بمبلغ جيد يضمن لي عائد اليوم كاملا"، مردفا بالقول: "المهم، كل يوم ورزقه".

أما شرطي المرور  وباعتباره الخبير  بما يجري في تلك الإشارات وعند الممرات، فقد أبدى ترددا واضحا قبل أن يعبر عن  انتقاده لسلوك معظم المغاربة في التعامل مع ممرات الرجلين وعدم احترامهم للعلامات الضوئية، معترفا بوجود "السيبة"، على حد قوله، "المؤدية لوقوع الكثير من الحوادث المؤلمة، والتي يتسبب فيها المتسولون من أطفال الشوارع وباعة المناديل الذين يقفزون أمام المارة والسيارات غير آبهين بإشارات المرور ولا بالخطر الذي يتهددهم".

ضوضاء كثيرة، وصخب غير عادٍ تثيره منبهات السيارات وقد علت أصواتها الأفق، ذلك هو حال "الفو روج" عند ملتقى كل الطرق الرئيسية بمدينة الرباط، حيث يصرّ الجميع على ربح الوقت والمرور أولا في عملية هي أشبه بتدريب يومي على احترام القانون، يرسب فيه العديد من الأشخاص بكلّ تأكيد، دون اكتراث بأولئك الذين يختزلون ذلك الأحمر والأخضر في لقمة عيش على الهامش.

التعليقات

أضف تعليقك