روبرطاج: ماسحو الأحذية.. كسرة خبز منتشلة بين الأقدام (فيديو)

روبرطاج: ماسحو الأحذية.. كسرة خبز منتشلة بين الأقدام (فيديو)
الجمعة, 13. أبريل 2018 - 17:49
عبد الرزاق العسلاني
قراءة : (352)

تكاد حياة ماسحي الأحذية، المنتشرين في أغلب شوارع المدن، تحاكي قصة علاء الدين، ومصباحه السحري الذي حوّل واقعه رأسا على عقب بعملية تلميع واحدة. غير أن كل عمليات "المسح" التي يقوم بها هؤلاء "السيرورا" كل يوم، لم تقابلها كل تلك الأرجل الممدودة والأحذية المتسخة سوى بضمان لقمة عيش كُتب لها أن تنتزع من أسفل أقدام الناس.

في ذلك الجو الماطر من أيام أبريل بمدينة الرباط، حيث الكل يركد تفاديا للبلل الذي تخلفه زخات المطر المتهاطلة، كان بالإمكان العثور على أي شيء، ماعدا مصادفة أحد ماسحي الأحذية وهو يحمل صندوقه وفرشاته متجولا بين المقاهي عارضا خدماته على الزبناء كما يفعل في باقي الأيام العادية.

اضطر عبد العزيز، 50 سنة، ماسح أحذية بالرباط من نواحي مدينة تازة، الخروج للاشتغال وسط هذه الأجواء الغائمة والممطرة. بالنسبة إليه، وبحسب تصريح لـpjd.ma، فإن مواجهة زخات المطر وبرودة الطقس التي دعته إلى الانزواء في ركن دافئ قريب من أحد المقاهي منتظرا قدوم زبون، أهون عليه من عدم التفاعل مع مكالمة واحدة من زوجته وأبنائه وهم يستجدون إرسال قليل من النقود لشراء دواء أو اقتناء كتاب.

"ما كنت لأهاجر من نواحي مدينة تازة وأتواجد هنا بالرباط، لولا انحسار الخيارات وضيق الأفق وقلّة الحيلة وانعدام أي بوادر لتوفير لقمة عيش لي ولأسرتي بمسقط الرأس"، قالها بلهجته المحلية وهو يفرك كفّيه من شدّة البرد، منتظرا أحد الزبائن المفترضين لضمان وجبة إفطار ذلك اليوم رغم تأخّرها لساعات عن موعدها الطبيعي.

يحكي عبد العزيز، بحسرة تفضحها نظرات عينيه، عن حياته بالرباط، وعن المعاناة الصعبة التي يوفّر بها جزءا من مدخوله اليومي لإرساله إلى أسرته نواحي تازة المكونة من الزوجة والابنة التي تدرس في التاسعة إعدادي والابن الذي يتابع دراسته في الرابعة ابتدائي، مضيفا أن مكالمة هاتفية أسبوعية للاطمئنان على أحوالهم هناك هي وحدها ما يهوّن حجم شوقه إلى احتضان ولديه الذي لا يحدث في الغالب إلا بعد مرور ثلاثة أو أربعة أشهر.

 "ناقصة بالزاف أخويا منين يمدّ ليك واحد رجليه باش تمسحهم ليه.. ولكن ما عندنا ما نديرو.. ضروري الديباناج" هكذا اختزل عبد العزيز طبيعة العلاقة التي تجمع ممتهن هذه الحرفة والزبون، دون أن ينسى الاستدراك ببعض الملاحظات، منها اختلاف طبائع الزبناء في التعامل مع "السيرور"، بين من يكتفي بدرهمين أو ثلاثة يدفعها على مضض، وبين "اولاد الناس" بحسب توصيف حميد "الذين يختارون إكرام السيرور بعشرة دراهم أو أكثر مع تحية شكر".

لم يتردّد عبد العزيز للحظة واحدة في الكشف عن مدخوله اليومي الذي يتراوح بين 70 درهما و100 درهم، والذي من الممكن أن يصل أحيانا إلى 150 درهما أيام مواسم الاشتغال الجيدة والمرتبطة أساسا بالفترة الممتدة بين شهر نونبر وشهر أبريل، حيث سرعان ما تدخل هذه الحرفة في ركود قاس أيام الصيف لانشغال الناس بالعطلة، وكذا  لـ"اضطرار الكثيرين إلى ارتداء الصندالة بدل الصباط" يشرح عبد العزيز بطريقته الخاصة.

فباستثناء بعض ماسحي الأحذية "المحظوظين" بحسب عبد العزيز، الذين منحتهم سلطات الرباط في وقت سابق محلات بالقرب من "باب الأحد" ليستقروا وسط قلب المدينة النابض حيث يتركز الموظفون والطبقة الميسورة والزوار والسياح، فإن بقية "جيش" ماسحي الأحذية الذين وفدوا على "العاصمة" على فترات متتالية ومن كل البوادي المغربية، يضطرون للطواف على مقاهيها ومحلاتها التجارية، في أشبه إلى طقس راتب لا مجال للتوقف عن ممارسته بشكل يومي دون انقطاع.

يؤكّد عبد العزيز أن حرفة "سيرور" التي وجد نفسه مضطرّا إلى امتهانها في عمر الأربعين بسبب الحاجة، سيكون مكرها على مغادرتها في أقرب وقت، وبالضبط حين يبلغ الستين من العمر، لكون أغلب الزبناء لا يفضلون التعامل مع سيرور "شيخ" بحسبه، مضيفا أن المستقبل بالنسبة إليه "خايب بالزاف"، وأن أقصى ما يلتمسه من هذه الحياة ألا تضطرّ ابنَه الصغيرَ دوّامتُها إلى الاستعانة بصندوق وفرشاة أبيه من جديد.      

التعليقات

أضف تعليقك