كوكاس بعد "صحو(ه) المثير للضجر" يدعو الى "التواضع" قبل "اقتراف جريمة الكتابة"

قراءة : (49)
كوكاس بعد "صحو(ه) المثير للضجر" يدعو الى "التواضع" قبل "اقتراف جريمة الكتابة"
الاثنين, 27. أغسطس 2018 - 14:21

في تدوينة له بحسابه الفيسيوكي حول فكرة كتابه ''الصحو مثير للضجر''، ينقلنا مؤلِفه الصحفي عبد العزيز كوكاس بلغة جميلة إلى عوالمه الخاصة التي سبقت وتلت طباعة الكتاب، يتحدث فيها عن قيمة تواضع الكتّاب أمام حروفهم، عن صدفة المشترك في الأفكار والمشاعر بين أناس مختلفين عبر أزمنة مختلفة، ويتحدث أيضا عن رهبة الكتابة وعن الجميل فيها والممتع.

وهذا نص التدوينة كاملا:

في التقديم الذي فتحت به كتابي "الصحو مثير للضجر"، أجدني وأنا أقرأ اليوم سيوران للمرة العاشرة أو يزيد، نادما على ما خطته يدي.. علينا الكثير أن نتعلم ونقرأ قبل أن نقترف جريمة الكتابة، وأن نتواضع للإبداع حد الجلالة، وأن نتعلم السمو قبل أن نتجشأ حرفا على الورق.. يعلمنا الأدب والفن عامة فضيلة التواضع الجميل.

تعتيم لا بد منه

ما خططته هنا مجرد أثر للشذرة، حاشية صغرى على متن غامض في زوايا معتمة لم تُسعفني العبارة للقبض عليه، ليس فقط بسبب الأنانية المتأصلة في النفس التي تحث على الانحفاز في التأليف وتعجيل الإتمام به كما يقول أبو حازم القرطاجني، ولكن أيضا لأني أحس بالعجز التام عن استقصاء تفاصيل الشذرة المختفية في أغوار سحيقة لأناي بكل الاقتصاد اللغوي الممكن!

إنني حين أطالع ما خطَّهُ كبار مبدعي الكتابة الشذرية من نيتشه وكارل كراوس إلى موريس بلانشو وأنطونيو بورتشيا وبيسوا… أحس بتلك المرارة التي شعر بها أندريه جيد حين قال: "إن قراءة رامبو ونشيد مالدورور السادس تجعلني أخجل من مؤلفاتي".

أود فقط التأكيد على أن التقديم الذي افتتحت به هذا الكتاب مليء بالإدعاء النظري، لذا أنبه القارئ الكريم إلى أن ما رسمته هنا قد لا يفي بمكونات الكتابة الشذرية ولا يلامسها إلا جزئيا.. ورغم أن بعض النقاد الأصدقاء، ممن أطلعتهم على المادة الخام لهذا الكتاب، يصرون على أن ما كتبته هنا يبدو أقرب إلى "الهايكو" الياباني الذي ينحدر من نوع آخر من الشعر القديم ازدهر في القرن الثامن الميلادي وهو "الرنغا" الذي كان مرتبطا بديانة الزن.. فإنني أعتبره كتابة متشظية تقترب أحيانا من الخاطرة والحكمة، وأحيانا تبدو بلا رأس ولا ذيل.

أحاول هنا أن أقول أقصى ما يستطيع قولي قوله، أن أتكلم بدون كلمات عامة، أنفتح بذهن واسع على كل الآلام، بقلب مفتوح مثل سماء.. بلا دليل مثل سلالات الريح التي تعبر البرية كما البحار بكبرياء لا يضاهى.. أفتش عن النشوة العميقة لما يسكنني.. ما أسميه استثمار الألم إلى الحد الأقصى.

الإقامة في المنافي هو ما يعلمنا فضيلة العزلة والبحث عن صوتنا الخاص خارج الضجيج ''فكل فكرة جلية هي بلا غد" (سيوران )، أبحث عن لون ورائحة ألمي، بَصْمتي الخاصة التي لا تجعلني مطابقا لغير أناي.. أحس بذات الوجع الذي عبر عنه فان غوغ بعد أن أطلق على نفسه النار من فوهة مسدس: "كم أنا فاشل حتى في الموت".. لأن الكتابة وحدها تنجيني من إغراء الاختفاء عن العالم.

حتى بعد أن استوى هذا الكتاب، ظللت أؤجل نشره بنوع من الرهبة، وقد اضطررت إلى حذف بعض مما اعتقدت أنني نسجته على غير منوال سابق، فإذا بي حين اكتشفت سيوران ولاوتسو وبيسوا... بعمق أقوى، وجدت أن العديد مما كنت أعتبره منتوجا خالصا لي هو أشبه بتوارد المخاطر بين أزمنة وهويات متباعدة.. إن أكبر حزن يحسه كاتب صغير مثلي، هو حين يكون قد اقترب من إصدار منتوجه، واطلع في ذات الوقت على كاتب عظيم ووجد بمحض الصدفة أن بعضا مما نسجته يداه يوجد له شبه عند هذا الكاتب، أحيانا حد التماه خاصة في التماعات الشذرة..

صحيح أن بعض الفرح يغزوك كلما صادفت نتفا من صنع يراعك تلتمع بين جواهر كاتب عظيم، كدليل على النضج والدنو من ذروة الأحاسيس العميقة، لكن في السبق أيضا بعض من نشوة الانتصار.. وهنا كم تحزن في مواقف شبيهة بهذه.

يا للحسرة! التي تجعلك تشتهي لو كنت سبقت زمن هذا الكاتب أو استعجلت النشر في غير القرن الذي سقطت فيه.. في موقف مثل هذا وإذا لم تحذف مما لم تسرقه عن غيرك، كيف ستنفي عنك تهمة التقليد والانتحال والسرقة الأدبية؟ في أحسن الأحوال ستجد نفسك في وضع أستاذ اللاهوت الذي سردت عليه طالبة جميع الحجج التي تعرضها الكنيسة لإثبات وجود الله،

وقالت له: "مع الأسف أني لا أومن بأي حجة منها"، فأخذ الأستاذ يجهد نفسه لشرح كل حجة وما يعرضه اللاهوت المسيحي، لكن الطالبة مع ذلك ظلت تواجهه بأنها لم تقتنع، فلم يملك سوى أن يقول لها بحماس المؤمن: "أقسم لك بالله إن الله موجود"...

التعليقات

أضف تعليقك