آيت باحسين يكتب ل pjd.ma: كرنفالات ومهرجانات القناع عند الأمازيغ بيلماون / بوجلود (نموذجا)

الحسين أيت باحسين
قراءة : (22)
الخميس, أغسطس 30, 2018 - 15:00
آيت باحسين يكتب ل pjd.ma: كرنفالات ومهرجانات القناع عند الأمازيغ بيلماون / بوجلود (نموذجا)

عرفت الساحة الفنية بسوس بمناسبة عيد الأضحى المبارك نقاشا حول تنظيم كرنفال "بوجلود" أو "بيلماون"، وهي تظاهرة شعبية من الموروث الثقافي الفني الأمازيغي، نقاش، رافق احتفالية هذه السنة، بعد الاختلالات الأمنية التي شابت التظاهرة في السنوات الماضية، مما أدى إلى خروج بعض الأصوات تدعو  إلى الانتباه لها وتقويمها لكي تحافظ هذه التظاهرة على قيمتها الفرجوية ومكانتها الثقافية التراثية.

Pjd.ma  وفي إطار تسليط الضوء على الموضوع بمقاربات مختلفة ومن زوايا متعددة، ارتأى أن يأخذ آراء الفاعلين من مشارب مختلفة، بمقاربة تمزج بين رؤية الفاعل السياسي، ورؤية الفاعل في الحقل الثقافي الفني، بحيث ستنشر مقالا تحليليا في هذا الاتجاه لاحقا.

إضافة إلى ذلك، فستكون المقاربة أيضا، من زاوية علمية أكاديمية، وهي المساهمة القيمة التي شارك بها الأستاذ الحسين آيت باحسين، الباحث في الثقافة الأمازيغية والمتخصص في الفنون الشعبية، وخص بها موقع pjd.ma، وهي ورقة بحثية قيمة تُشَرّح ظاهرة "بيلماون" أو "بوجلود"، من أعماقها التاريخية مع الإشارة إلى امتداداتها الثقافية، وصولا إلى آفاقها التنموية المستقبلية ...

 وارتأينا أن ننشر الموضوع كما توصلنا به ..

التأصيل التاريخي للموروث الثقافي بيلماون / بوجلود

يعتبر بيلماون / بوجلود من الأشكال الفرجوية المتواجدة، منذ عصور قديمة، في مختلف مناطق شمال إفريقيا وجزر الكناري، بل ولدى كثير من شعوب البحر الأبيض المتوسط. وينتمي إلى كرنفالات ومهرجانات (Carnavals, Festivals et mascarades)القناع والتنكرلدى مختلف شعوب العالم وفي مختلف القارات والتي أصبحت؛ لدى بعض الشعوب والدول، اليوم، كرنفالات ومهرجات عالمية تتميز بشهرة واسعة وتساهم، بالنسبة لبلدانها، بتنمية السياحة الثقافية وتحافظ على تراث شعوبها وعلى ذاكرتها الجماعية. وتختلف عن الأعياد الدينية والوطنية لكونها مرتبطة بعادات وتقاليد وطقوس ومعتقدات شعبية عريقة لدى من يمارسها، كما يمكن اعتبارها احتفالات بيئية لكونها مرتبطة بالظواهر الطبيعية والفلكية وبأزمنة السنة، أي بفصول السنة، خاصة في بُعدها الفلاحي.

ففي شمال إفريقيا، ومنذ عصور قديمة وقبل اعتناق الديانات السماوية الثلاث، وقبل نشأة الاحتفالات الوطنية المرتبطة بأحداث اجتماعية وسياسية، ارتبطت ظاهرة الاحتفالات والأعياد؛ عند الأمازيغ؛ بفصول السنة الأربعة (الخريف والشتاء والربيع والصيف)؛ وما يتلازم معها من ظواهر طبيعية وبيئية تؤثر في حياة الإنسان، ويشعر بنوع من اختلال التوازن في عيشه؛ فيلجأ إلى عادات وتقاليد وطقوس ومعتقدات من أجل إعادة التوازن المفقود.

ففي فصل الخريف (أموان) الممتد من 21 شتنبر إلى 21 دجنبر، حين يقل المطر ويسود الجفاف تقام عادات وتقاليد وطقوس الاستمطار (طلب المطر) مثل احتفالات (تلغنجا) التي نجدها منتشرة في شمال إفريقيا متجسدة في إقامة حفلات "عروس المطر" (تاسليت ن ؤنزار) وتقديم قرابين ستتطور من قرابين مادية إلى قرابين رمزية تبعا لتطور المجتمع؛ وستصاحبها عادات صلاة الاستسقاء، بعد اعتناق الديانات السماوية.

وفي فصل الشتاء (تاكَرست) الممتد من 21 دجنبر إلى 21 مارس، حين تتسم حياة الإنسان / الفلاح بالنذرة والقلة في كل شيء، تقام عادات وتقاليد وطقوس التضامن كما يتجلى ذلك، على الخصوص، عبر شمال إفريقيا، في احتفالات رأس السنة الأمازيغية؛ ويتم اللجوء إلى تكريس قيم التضامن وقيم تدبير الندرة / القلة؛ هذه الندرة التي تسود في هذا فصل الشتاء.

وفي فصل الربيع (تافسوت / تالدرارت) الممتد من 21 مارس إلى 21 يونيو، حين يتم يعود الاعتدال الربيعي وتتساوى، شيئا فشيئا، فترات زمان النهار بفترات زمان الليل؛ وتعم بداية عملية الخصوبة كل شيء؛ تقام احتفالات مرتبطة بعادات وتقاليد وطقوس الخصوبة؛ مثل خرجات النزهة التي كانت تقام حتى في بعض المدن العتيقة مثل تارودانت ومراكش وفاس؛ أما في القرى وفي البوادي فبعض عاداتها وتقاليدها فتستمد طقوسها من عصور عريقة تحتاج إلى دراسات عميقة لصقل جوانبها الإيجابية مع توظيفها في حماية الذاكرة التراثية.

وفي فصل الصيف (أويلال / أنبدو) الممتد من 21 يونيو إلى 21 شتنبر، حين تشتد الحرارة ويفتقر الإنسان والحيوان ومعهما الطبيعة إلى الماء كعنصر أساسي للحياة؛ تقام عادات وتقاليد وطقوس ما يسمى عند المغاربة باحتفالات "العنصرة"، أي احتفالات مرتبطة بالماء تقام خاصة عند منابع مياه العيون، كما تقام معها مجموعة من الطقوس تشمل الإنسان والحيوان والطبيعة تفاؤلا باستمرار الحياة، كما هو الشأن باحتفالات الرش بالماء الذي سنجد له صدى في المعمدان المسيحي، فيما بعد.

إذن، فارتباطا بتحولات وتغيرات فصول السنة الأربع، تقام، في الأصل، الاحتفالات عند الأمازيغ؛ وذلك قبل اعتناق الديانات السماوية الثلاث؛ وكانت مرتبطة بمعتقدات قديمة؛ لكنها اليوم أصبحت مرتبطة بقضايا البيئة وبقيمها وأهدافها ولا تتعارض مع الأعياد الدينية ولا الوطنية؛ بل تتكامل معها، بشرط إيلائها ما تستحق من أبحاث ودراسات علمية وأكاديمية وتوظيفها ثقافيا وفنيا واستراتيجيا لما يخدم أهداف البيئة والتنمية المحلية والحفاظ على تراث ثقافي عريق؛ أثبتت دراسات قديمة وحديثة عراقته تلك في مختلف مناطق شمال إفريقيا وفي جزر كناريا.

فمنذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ترك لنا مجموعة من المستكشفين والإثنولوجيين الغربيين كثيرا من الدراسات الوصفية لمهرجانات بيلماون / بوجلود كما كانت تمارس خاصة في مدن طنجة وفاس ومكناس ومراكش وسلا التي عادت إلى الاحتفال بها مؤخرا في حي سيدي موسى.

كما أن الكتابات حول هذا التراث الثقافي الفني استرسلت منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى بداية الألفية الثالثة: إذ من أواخر القرن التاسع عشر إلى أواخر الثلاثينيات نجد دراسات الغربيين مع إشارات بعض الفقهاء والأدباء الشمال إفريقيين؛ ومن أواخر الثلاثينيات إلى أواخر الثمانينيات توجد دراسة جد مهمة للأستاذ الجامعي عبد الرحمان الخصاصي، وبعد ذلك تأتي مساهمة الأستاذ جامع بنيدير التي نشرت سنة 2004 من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بقية المرحلة التي تمتد إلى أزيد من قرن من الدراسات الوصفية والتحليلية.

أصل التسمية ؟

       بصدد التسمية تجدر الإشارة إلى أن بيلماون كاحتفال تنكري يختلف عن احتفال تنكري آخر وهو مهرجان إمعشار أو إصوابن الذي لا زال يحتفل به في كل إفران الأطلس الصغير وتيزنيت في الجنوب المغربي الغربي؛ وفي تيزي ن إكلميمن (كلميمة بالجنوب المغربي الشرقي باسم تاعشورت ن ؤداين). فبيلماون مرتبط بعيد الأضحى بينما إمعشار مرتبط بعاشوراء من حيث توقيت الاحتفال بهما.

كما تجدر الإشارة إلى أن تسمية بيلماون / بوجلود تعود إلى جلود الكبش أو الماعز التي يرتديها الشخص (أو الأشخاص) المتنكر(ون) وراءها للقيام بتمثيل شخوص مخيفة؛ وتعني لغويا صاحب الجلود أي المرتدي لجلود الكبش أو الماعز. لكن هناك تسميات أخرى كثيرة تختلف باختلاف لغات أو ثقافات المحتفلين أو بوظيفة هذه الشخوص حسب اعتقاد المحتفلين.

ففي شمال المغرب بالريف يدعى ثبّا الشيخ أو بورماون (بقلب اللام راءا كما هي القاعدة في تاريفيت)؛ وفي الأطلس الكبير الغربي يدعى "هرّما"؛ وفي بعض المناطق الناطقة بالدارجة المغربية يدعى "بولبطاين" أو "بوسبع بطاين" (نظرا لأن لباس الشخص الذي يقوم بهذا الدور يتكون من سبعة جلود: واحد في كل رجل وواحد في كل يد وواحد على الصدر وواحد على الظهر وواحد فوق الرأس والكتفين مربوطا برأس وقرون الكبش أو الماعز)؛ سّبع بولبطاين (ارتباط بأسطورة أسد قديمة معروفة في مختلف مناطق شمال إفريقا)؛ بودماون؛ بوجلود في بعض المدن المغربية المعربة: طنجة، فاس، مكناس، مراكش وسلا؛ بولحلايس؛ بوهو وشخشو (لدى اليهود المغاربة)؛ بوهيدورة؛ ميمون: الخ... 

لماذا يعتبر موروثا ثقافيا ؟

       ليس فقط موروثا ثقافيا، فذلك من البداهة التي لا يستطيع أحد أن ينكرها، ما دام يمرر قيما ثقافية عبر الأجيال ويخص ثقافة مجتمع دون غيره؛ بل هو أيضا موروث فني، نظرا لما يتم من إنجازات إبداعبة تستدعيها الظاهرة الاحتفالية من وسائل وأدوات وتعابير موسيقية وغنائية مصاحبة للاحتفال؛ وهو أيضا احتفال بيئي يذكر الجماعة بما عليها القيام به لإعادة التوازن بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والطبيعة، فهو إذن احتفال بيئي بامتياز، ومن شأنه أن يساهم في تثمين القيم البيئية التي أصبحت بمثابة جيل جديد من حقوق الإنسان.

كيف يتم الاحتفال بهذه الظاهرة ؟

       في اليوم الثاني من عيد الأضحى يجتمع مجموعة من شباب كل قرية أو حي من أحياء المدينة فيختارون الأشخاص الذين سيتقمصون الشخوص التي تم الاتفاق على تشخيصها في الكرنفال. ويعتبر التنكر (عدم إفشاء سر هوية الأشخاص المتنكرين وراء الأقنعة) بمثابة السر الكبير في نجاح البعد الفرجوي للمهرجان. بعد ذلك تنطلق الكوكبة التي يتزعمها شخص أو شخوص بيلماون / بوجلود لتقوم بزيارة كل بيت من بيوت المدشر أو القرية أو الحي، قائمة بأدوار مستمدة من معتقدات وعادات وتقاليد تعتبر بمثابة القاسم المشترك للجماعة، كما تلجأ أحيانا إلى انتقاد ما يخل بالتوازن الاجتماعي وإلى الدعوة لما يستلزمه تطور الجماعة؛ لكن مع التركيز على البعد الفرجوي الذي يعتبر ركيزة إعادة التوازن المفترض اختلاله داخل الجماعة.

كيف يمكن تطوير هذا الموروث ؟

       نظرا لكونه قابل لأن يصنف في ما يمكن تسميته ب "تدبير الوساطة الثقافية"، فمن بين شروط تطويره:

-       تكوين إطار من المجتمع المدني، حيث تتواجد الظاهرة الاحتفالية، يتكون من ذوي الاختصاصات العلمية والثقافية والفنية والتنموية التي تستلزمها الظاهرة الاحتفالية؛

-       إيجاد مقر خاص بكل ما يتعلق بالظاهرة الاحتفالية من دراسات وأبحاث وأطر ذات كفاءة مناسبة لتطوير هذا الموروث مع تجديد أساليبه وآلياته، وقد يشمل نوعا من المتحفية لكل ما يرتبط بالظاهرة محليا ووطنيا، ولما لا دوليا؛

-       تشجيع التنوعات المحلية والجهوية من أجل تكريس مبدئي التعدد والتنوع؛

-       التنسيق مع المؤسسات الرسمية ذات الصلة بالجوانب الثقافية والفنية والبيئية في تدبير هذا التطوير؛

-       الانفتاح على المهرجانات الوطنية والدولية المماثلة.

كيف يمكن أن يساهم في التنمية ؟

هذا السؤال يعود بي إلى سؤالين آخرين، وهما:

-       لماذا تم "منع" تنظيم "مهرجان إمعشار" في مدينة تيزنيت، في الستينيات ؟

-       عن أية تنمية نتحدث ؟

بالنسبة لقصة منع مهرجان إمعشار بمدينة تيزنيت، يبدو الأمر، في نفس الوقت متجاوزا وملتبسا: متجاوزا لأن دواعي المنع واهية. لأن اتهام تقمص شخصيات غير إسلامية بالكفر وبالتالي بضرورة الإعلان عن الإسلام (الإدلاء بالشهادة أمام عدلين) بعد الفرجة لا تشكك اِولئك الشخوص على أن ما يقومون به، أثناء الاحتفال الفرجوي، ليس سوى دور فرجوي ولا يزعزع إيمانه الإسلامي. لكن الأمر، حسب الشائعات، أن جماعة من الشباب يضايقون فرقة من الطرقية التي تستفيد من محاصيل عاشوراء؛ وملتبسا: لأن اتجاها في السلطات العمومية تضايقها الانتقادات التي يقوم بها الشباب المتنكر وراء أقنعة المهرجان الفرجوي: فتحالف الفرقة مع الاتجاه، فانبجست قصة المنع. لكن اليوم، مع كل المستجدات السياسية والثقافية والفنية، لم يبق إلا التفكير في أساليب تطوير هذا المهرجان الفرجوي الثقافي والفني.

أما بالنسبة للتنمية، فإضافة إلى كل خطابات الدولة، مؤخرا، لا تفتأ تنتقد النماذج التنموية المعتمدة سابقا، وتدعو إلى التفكير في نماذج ومشاريع جديدة للتنمية؛ فينبغي أن يدمج هذا الموروث الثقافي والفني والبيئي في المشاريع التنموية الجهوية والوطنية التي يؤمل تحقيقها تجاوزا لكل الاختلالات التي عرفتها النماذج التنموية السابقة. وباختصار شديد إيلاء الأهمية للإنسان وللثقافة والفن كدعامة أبرزت الدول المتقدمة مدى جدوائيتها في مجالات التنمية الشاملة والمستدامة.

التعليقات

أضف تعليقك