أي دور للجامعة ومؤسسات البحث العلمي بالمغرب في نشر ثقافة الحوكمة الرشيدة؟

عادل الخصاصي
قراءة : (57)
الثلاثاء, مارس 27, 2018 - 12:00
أي دور للجامعة ومؤسسات البحث العلمي بالمغرب في نشر ثقافة الحوكمة الرشيدة؟

 أتشرف بالمشاركة ضمن المنتدى الدولي الثاني حول الأدوار الثقافية الجديدة للمجتمع المدني في تعزيز ونشر ثقافة الحوكمة الرشيدة، والذي جاء في سياق دولي وجهوي أهم ما يميزه اليوم هو رصد النتائج والآثار وقياس المخرجات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لما بات ينعت بالربيع العربي في الأدبيات العلمية والكتابات المختص.
مداخلتي خلال هذه الندوة العلمية ستنصب على دور الجامعة ومؤسسات البحث العلمي في نشر ثقافة الحوكمة الرشيدة، باعتبارها تشكل فرصة سانحة لمناقشة الطرق الناجعة للتقييم واستشراف المستقبل، إيمانا منا بأن المدخل الحقيقي لمناهضة الفساد وتحقيق التنمية المستدامة للشعوب التواقة للتقدم والنهضة لا يستقيم إلا بفكر متنور وسياسة واضحة في مجال البحث العلمي، لا تجعل من هذا  البحث العلمي  مجرد ترف أو معطى موجه للاستهلاك الخارجي، وإنما تعتبره عنصرا أصيلا في بلورة المخططات التنموية وصناعة القرار السياسي. ففي اعتقادي الشخصي أن تحقيق التنمية المستدامة سلسلة حلقات مترابطة جذورها الديموقراطية و أساسها الحوكمة الرشيدة وذروة سنامها المحاسبة وعدم الافلات من العقاب.  
فتطور المجتمعات يقاس بمدى إنتاج المعرفة في شتى المجالات، ومن هنا تبرز أهمية البحث العلمي كمحرك أساسي ووسيلة فاعلة وأساسية في تحقيق التنمية المستدامة، وكذا مقاومة الفساد ونشر ثقافة الحوكمة الرشيدة.
والملاحظ في هذا الصدد أن مختلف الدراسات والتقارير قد أجمعت على الدور المحوري الذي تلعبه الجامعة ومؤسسات البحث العلمي في نشر ثقافة الحوكمة الرشيدة، على اعتبار أنها المراكز الحقيقية لتكوين وتدريب الأجيال التي ستتعاقب على دفة الحكم، وكذا بلورة السياسات العمومية والمخططات البنيوية التي سترهن واقع أجيال متعاقبة.

الاطار المرجعي

 إن الحديث عن دور الجامعة ومؤسسات البحث العلمي في المغرب يقتضي بالأساس الرجوع الى الاصلاحات التي شهدتها منظومة التعليم والتي انطلقت مع صدور القانون المتعلق بالتعليم العالي بتاريخ 25 ماي 2000 ، والذي نص على اليات تروم ارساء الحوكمة الجامعية وأيضا على آليات لضمان الحوكمة في التدبير العمومي .
وقبل هذا الإطار القانوني اسمحوا لي بالتذكير بأن المغرب قد اِعْتبر من خلال الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز 2011 الديموقراطية التشاركية خيارا لارجعة فيه فيما يخص النموذج السياسي المتبع، كما جعل من إقرار الديموقراطية المواطنة والتشاركية منهجا أصيلا يطبع اليوم طبيعة وأسلوب العمل السياسي.
كما جعل المشرع الدستوري من ربط المسؤولية بالمحاسبة المدخل الحقيقي لكل اصلاح  يسعى لمناهضة الفساد، كما أقر بالحوكمة الرشيدة فلسفة في التدبير العمومي ومنطقا في التقييم والتتبع للمشاريع والبرامج العمومية، وأفرد لها بابا خاصا وعين لها أجهزة لها استقلاليتها و أدوارها الرئيسية في هذا المجال.
وعليه فتفعيل هذا النموذج الدستوري للديموقراطية المواطنة والتشاركية يتطلب قيادة ومواكبة هذا التحول العميق لمحددات الممارسة السياسية، كما أن الجامعة ومؤسسات البحث العلمي توجد في صلب أجرأة الأحكام الدستورية الجديدة حول المشاركة المدنية والعمل التشاركي.
وحري بالبيان أن العديد من الخطب الملكية ركزت على أهمية دور الاستثمار في الرأسمال البشري، واعتبرته القيمة الأساسية لثروة المغرب اللامادية والرهان التنافسي الذي يمكن أن نعول عليه لولوج نادي الدول الصاعدة وتبويء المغرب المكانة اللائقة به بين الأمم، كما حظيت فئة الشباب بأهمية خاصة في الخطب الملكية الأخيرة باعتبارها الثروة الحقيقية للبلد.
كما حدد البرنامجين الحكوميين للولايتين التاليتين على إقرار دستور فاتح يوليوز 2011 ، المساءلة والمحاسبة والنهوض بدولة الحق والقانون وتخليق الحياة العامة جوهر الفعل العمومي، كما جعلا من الأدوار الرئيسية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني إشاعة ثقافة الحكامة في الجامعة المغربية ونشر قيم النزاهة والشفافية والتربية على ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولا يمكن الحديث هنا عن الإطار المرجعي للأدوار الجديدة التي يمكن أن تضطلع بها الجامعة المغربية في نشر ثقافة الحوكمة الرشيدة دون الإشارة إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين بوصفه لايزال يمثل الإطار المرجعي للاصلاح الجامعي، مع ما يقتضيه من ملاءمات وتطوير، تهم بالاساس: النموذج البيداغوجي، الحوكمة الرشيدة، الريادة الناجعة للتغيير، والتعلم مدى الحياة.
ناهيك عن مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والذي يهدف إلى تحديد المبادئ والأهداف الأساسية لسياسة الدولة واختياراتها الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وذلك على أساس تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع، وضمان استدامة الإصلاح، ووضع قواعد لإطار تعاقدي وطني ملزم للدولة ولباقي الفاعلين والشركاء المعنيين.

تشخيص واقع الجامعة والبحث العلمي

 تشكل هذه الندوة العلمية مناسبة أيضا لتشخيص واقع الجامعة و مستوى البحث العلمي بالمغرب،  حيث أجمعت معظم الدراسات والتقارير على محدودية الدور الذي تلعبه الجامعة المغربية في هذا السياق، ولعل أحدثها الدراسة التي انجزها البنك الافريقي للتنمية سنة 2015 بطلب من الحكومة المغربية وبتعاون مع هيئة تحدي الالفية الامريكية، والتي كشفت أن ضعف الرأسمال البشري وعدم ملاءمته لاحتياجات المقاولات، يشكل إحدى الاكراهات الرئيسية التي يتعين معالجتها لتحقيق نمو شامل والحد من الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية.
 وأظهر أيضا تقرير اليونيسكو للعلوم الصادر سنة 2010 عددا من المعطيات المهمة والدالة في هذا الباب. فالمغرب يتصدر مجموعة من الدول العربية والافريقية فيما يخص المجهود الانفاقي على قطاع التعليم دون جني ثمار هذا المجهود على مستوى التصنيف الدولي للجامعات الدولية المعروف بمؤشر"ويبوميتركس" إذ كشفت نتائج تقييم هذا المؤشر عدم وجود أي جامعة مغربية ضمن المراتب الألف الأولى على الصعيد العالمي، كما ظل التواجد العربي محدوداً، إذ بالكاد استطاعت جامعة سعودية واحدة الحلول في المرتبة 425 عالمياً.
   كما خلص تقرير الهيئة الوطنية للتقييم لسنة 2014 حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبحث العلمي أثناء إبراز المكتسبات والمعيقات والتحديات الى تأكيد ضعف المردودية الكمية والكيفية للبحث العلمي، وأيضا صعوبات الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي للخريجين.
 وتبعا لذلك فان تشخيص الوضع الجامعي باعتباره جزءا من القوة الاقتراحية في المجتمع ينم عن ضعف و قصور الجامعة في مواكبة التطور المجتمعي.
 ومن خلال هذه التقارير فهناك مؤشرات أخرى أظهرت أسباب هذا الضعف والتي مردها بالأساس الى :
    •    هزالة البحث العلمي وضعف ميزانيات الجامعات ضمن حصة الاعتمادات المالية المرصودة بالميزانية العامة للدولة والتي لا تتجاوز سقف 0,8% حسب معطيات قانون المالية السنوي لسنة 2018، وذلك مقارنة بالدول المتقدمة التي تخصص ما بين 2 و3%  من ميزانياتها كحد أدنى للبحث العلمي، وتحدد للبحث العلمي بنيات ومنصات لوجستية متنوعة، فمثلا بالولايات المتحدة الأمريكية تشكل تقارير هيئات البحث العلمي المعين الذي لا ينضب لمتخذ القرار، ويقدر عدد هذه المراكز بالآلاف في تخصصات متعددة وتشتغل على أساس مختبرات تهم تحليل ليس فقط ظواهر من عمق المجتمع الأمريكي، وإنما تغطي بحوثها الامبريقية الرصينة مجموعة من المناطق الجغرافية بالعالم.
    •    غلبة البحوث النظرية، اذ لا تمثل التطبيقية و الميدانية منها سوى نسبا ضئيلة من مجموع البحوث المنجزة؛
    •    عدم وجود التقدير اللازم والوعي الكافي من نسيج المجتمع المدني بأهمية البحث العلمي.

المجتمع المدني والجامعة أي تكامل؟

 بالنظر الى واقع ومستوى الجامعة ومؤسسات البحث العلمي تبقى جل الملاحظات الموجهة الى المؤسسات الجامعية بعدم احترام متطلبات النزاهة والحوكمة الرشيدة في التدبير والتسيير قائمة وممكنة الاسقاط حتى على نسيج المنظمات غير الحكومية.
  فالعديد من الجمعيات تشهد غيابا  إشكالية الديموقراطية الداخلية وغياب نظام الشفافية في التدبير الاداري والمالي، وضعف الاحتكام لقواعد المراقبة والمحاسبة، في ظل عدم تأهيل البيئة القانونية وملاءمتها مع المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية في مجال حقوق الجمعيات وحرياتها وعدم الاستثمار في دعم قدرات الفاعل المدني وتأهيله.
 علاوة على ما تقدم، نسجل ضعف مقومات تطوير البحث العلمي حول قضايا العمل الجمعوي وأوضاعه، وهو ما ينعكس على طريقة العمل التي تركز على الانشطة عوض  المشاريع، ويساهم في غياب رؤية استراتيجية قائمة على وضوح المخططات ومتناغمة مع طبيعة الأهداف المحددة من قبل الجمعيات.
 بالإضافة إلى غياب تقويم أداء النسيج الجمعوي وانعدام اخضاعه لآليات الافتحاص والتدقيق في ظل وجود اختراقات لرواسب الممارسات غير الديموقراطية التي تمثلها أبدية الزعامة وضعف الشفافية في اتخاذ القرارات وضعف الصلة المباشرة بالمواطنين، مما يعني وجود حاجة ماسة لتقوية أسس الثقافة الديموقراطية في ممارسات المجتمع المدني وتطوير خطابه وتحسين أدائه و مراجعة استراتيجياته.
  تشكل إذن أهمية الأدوار الجديدة للمجتمع المدني والجامعة في نشر ثقافة الحوكمة الرشيدة فرصة تاريخية وتمرينا ديمقراطيا ذو راهنية لتقوية الشراكة بين الدولة وبين النسيج الجمعوي و ذلك من خلال :
    •    إيلاء أهمية خاصة لمهن جديدة ستقتحم الإدارة العمومية منها تقديم الخبرة المجتمعية وتنمية الكفاءات المؤسساتية للمصالح الإدارية المعنية والتأهيل التشاركي؛
    •    التركيز على تطوير آليات الرصد والمتابعة والتقييم والملاحظة المبنية على مؤشرات علمية قادرة على ضمان الصرامة والموضوعية اللازمتين في استباق إكراهات تفعيل الأهداف الاستراتيجية التي تراهن عليها الديموقراطية التشاركية؛
    •    الحاجة إلى المواكبة الجادة للجامعة ومؤسسات البحث والتكوين، و هو ما يقتضي بدرجة أساسية تأهيل الجامعة وإعادة النظر في وظائفها أخذا بعين الاعتبار هذه الأدوار الجديدة المنوطة بالمجتمع المدني ودوره في بلورة السياسات العمومية و المشاركة في اتخاذ القرار.
وفي ظل عدم الاختلاف بخصوص التشخيص، يفرض منطق التحليل الانتقال من رصد ماهو كائن و اقتراح ماينبغي أن يكون ضمن المحور الموالي.
 

التوصيات والاقتراحات

  ختاما لهذه المداخلة التي تسعى رصد الأدوار التي تضطلع بها الجامعة في نشر ثقافة الحوكمة الرشيدة،  يمكن تقديم التوصيات والاقتراحات التالية:

    •    استثمار المجهود البحثي و وضع خريطة جامعية متسقة مع أدوار المجتمع المدني الجديدة؛
    •    استحداث برامج للبحث العلمي الموجه للحكامة التشاركية وتثمين الخبرات الميدانية في مجالات الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والجماعات الترابية؛
    •    تقييم نتائج اتفاقيات الشراكة الموقعة بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والوزارات الأخرى بشأن استحداث مسالك للتكوين الجامعي في مجالات مهن  الوساطة الاجتماعية والعمل الاجتماعي وكذا رصد الجرائم المالية والتربية على قيم المحاسبة وعدم الافلات من العقاب؛
    •    تطوير نظام للتتبع عبر مؤشرات مردودية الآليات القانونية و الادارية والتدبيرية المتعلقة بتفعيل المقتضيات الدستورية حول المشاركة المدنية؛
    •    تطوير برامج للتكوين وتقوية قدرات الفاعلين المدنيين، والعمل على استحداث تكوينات قصيرة ومتوسطة المدى ملاءمة لطبيعة حاجيات تأهيل جمعيات المجتمع المدني؛
    •    تشجيع العاملين في مجالات التطوع الجمعوي على استكمال التكوين عبر منح وتحفيزات لصقل الخبرة العلمية بالتجربة الميدانية؛
    •    تعميم التكوين حول حقوق الانسان والثقافة الميدانية في جميع الاسلاك الجامعية؛
    •    تحفيز الطلبة في المراحل النهائية لتكويناتهم الجامعية على القيام بالتدريب الميداني، خاصة المتعلقة بالرعاية الاجتماعية والاعمال المدنية الأخرى ذات الارتباط  بثقافة المواطنة والتضامن الاجتماعي والتبليغ عن حالات الرشوة والترافع في قضايا التبليغ عن حالات الفساد.

  وخير ما أختم به مداخلتي حول دور الجامعة المغربية في تكريس ثقافة الحوكمة الرشيدة هو الإشارة إلى أن لنا شرف الانتماء إلى الأمة التي نزل عليها الوحي بأمر إلاهي فيه دعوة إلى واجب القراءة  والتعلم، فأول آية نزلت على خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم هي كلمة اقرأ، فدورنا جميعا أن نرفع التحدي لصالح الأجيال المقبلة، فما لا يجرؤ على تكريسه القانون يملك الوازع الديني والأخلاقي غرسه في نفوس وممارسات الشباب والأجيال المقبلة.

 و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

 

التعليقات

أضف تعليقك