إفريقيا والمغرب.. مصالح وهواجس

عبد الصمد بن شريف
قراءة : (62)
الاثنين, فبراير 19, 2018 - 14:45
إفريقيا والمغرب.. مصالح وهواجس

يبدو أن القارة الأفريقية لم تعد مرتبطةً بتلك الصور النمطية التي كانت، عقودا، تحيل على الفقر والمجاعة والحروب الأهلية والانقلابات العسكرية، ونزوح جماعي للسكان ليجدوا أنفسهم لاجئين في شروط صعبة وقاسية، فقد تمكنت مجموعة من الدول من الانتصار على عدد لا يستهان به من المشكلات والتحديات ونفض غبار التخلف، واستطاعت، في زمن قياسي، تحقيق نسبة نمو كبيرة، انعكست بصورةٍ إيجابية على المجالين، الاجتماعي والاقتصادي، وفتحت شهية رؤوس أموال عابرة للقارات لتستقر في شكل استثماراتٍ ضخمةٍ في عدد من الدول الصاعدة.

مؤكّدٌ أن المسافة التي تفصل بين أفريقيا وأوروبا لا تتعدى 14 كيلومترا، وهي المسافة الفاصلة بين المغرب وإسبانيا. وكما باقي الجيران، فإن ما يقع في هذه القارة لا بد أن تكون له انعكاسات على القارة الأخرى، وهذا ما يجعل التفكير في التشغيل والتغيرات المناخية وتدبير مضبوط للهجرة ومحاربة الإرهاب والتطرّف، قضايا في صلب انشغالات الحكومات والدول، وأيضا مفتاح النجاح يبدأ من الشراكة المتكافئة القائمة بين القارّتين، المستندة إلى منطق رابح ـ رابح، أي الخروج من المقاربة التقليدية للعلاقات بين الجانبين، التي كانت تقوم على نظام المساعدات "مساعد في مقابل مستفيد".

وهناك مسلّمةٌ مفادها بأن لا أحد يفهم جيدا مشكلات أفريقيا أكثر من الأفارقة، والوسيلة الوحيدة والفعالة للعمل من أجل أفريقيا هي العمل والاشتغال معها، الأمر الذي يحتاج إلى أن تتحمل كل قارة مسؤولياتها، وأن تكون واعيةً بالمصالح المشتركة. وكان الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي قد قرّرا، في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2017، إقامة تنسيق دائم وثابت بينهما ومع الأمم المتحدة، للإسهام بشكل أفضل في تحديد الأجندة الدولية. وهنا، يمكن تسجيل أن الاتحاد الأوروبي كان المساهم الأول في مجال محاربة الإرهاب في دول الساحل وجنوب الصحراء، من خلال تخصيص مساعدات مالية، قصد إنشاء قوة عسكرية مشتركة بين دول المنطقة، للتصدّي لظاهرة الإرهاب والجريمة، خصوصا في ظل تناسل التنظيمات الإرهابية، وتشظّي تنظيم الدولة الإسلامية، وانتشاره في الأرض، بما في ذلك الدول الأفريقية. وكان الرهان قويا على قمة أبيدجان لبلورة أجوبة ملموسة وعملية في ميادين الاستثمار والتربية والتكوين والتكنولوجيا والحكامة والسلم والأمن، لضمان تنمية عادلة محفزة ومستدامة.

على خلفية هذه التطورات التي مسّت الاقتصاديات الأفريقية، ووجود أسواق ذات جاذبية عالية، وإمكانات استثمار كبيرة، اختار المغرب، منذ سنوات، الوجهة الأفريقية، لأسباب متنوعة، فقد بات مقتنعا بأن القارة الأفريقية أصبحت تشكل بديلا استراتيجيا للأسواق التقليدية، خصوصا الأوروبية منها، وإطارا ملائما للعمل والتنسيق السياسي، في ظل شلل المنظمات العربية الإقليمية وفشلها، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية واتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون الخليجي. وهكذا، بعد عودتها إلى الاتحاد الأفريقي، السنة الماضية، لم تتردد الرباط في التعبير عن رغبتها في الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (سيدياو)، فبعد جهود دبلوماسية مكثفة، قادها الملك محمد السادس شخصيا في عشرات الزيارات، حصل المغرب على الموافقة المبدئية في القمة 51 للمجموعة التي انعقدت في العاصمة الليبيرية منروفيا، في يونيو/حزيران الماضي، لكن طلبه لم يحظ بالإجماع، لأن هناك من توجّس من اختراق اقتصادي وتجاري مغربي، حتى وإن كان هناك من يؤمنون بأن وجود المغرب في المجموعة يمكن أن يشكّل مصدر قوة لها، وقيمة مضافة ستقوّي وزنها الاقتصادي، فتجربة المغرب في المجال الأمني ومحاربة الإرهاب والتعليم والصناعة مشهود لها من الحلفاء والشركاء، كما أن العلاقات الثنائية التي تربطه بعدد من الدول منذ سنوات مكّنته من الوجود في عدد من القطاعات الحيوية (البنوك والتأمين والاتصالات وصناعة الأدوية مثلا)، علما أن دول هذه المجموعة تعد الشريك الأول للمغرب في أفريقيا، فصادرات المغرب تضاعفت ثلاث مرات منذ 2008، وانتقلت من حوالي 290 مليون يورو إلى 900 مليون يورو سنة 2015.

وبين 2011 و2015، تضاعف حجم الاستثمارات المباشرة المغربية في عدد من دول أفريقيا الغربية أربع مرات، مع تسجيل تقدم قوي في ساحل العاج ومالي، وهي استثماراتٌ أنجزتها مؤسسات عمومية، خصوصا اتصالات المغرب والخطوط الملكية المغربية ومصرف التجاري وفا بنك والبنك المغربي للتجارة الخارجية وقطاع الصناعات الزراعية. وبحكم أن المغرب حقق طفرة نوعية في مجال الفوسفات، عبر عصرنة هذا القطاع وعقلنته، فقد أصبح يراهن عليه في إطار ما تسمى دبلوماسية الفوسفات، لارتباطه بإطلاق عدة مشاريع في أفريقيا. ولكن هناك حساسية كبيرة تجاه المغرب من بعض دوائر أعمال ومؤسسات أفريقية وفاعلين اقتصاديين، فهؤلاء يدعون إلى التريث وعدم التسرع في التعاطي إيجابيا مع طلب المغرب، وإنه ليس في مصلحة المجموعة إضافة أعضاء جدد والتوسع جغرافيا، اليوم المغرب، وغدا تونس والجزائر.

في أبيدجان وداكار ولاغوس، تعددت علامات الاستفهام في أوساط رجال الأعمال، على اعتبار أن المؤسسات والمشاريع المغربية سيكون لها ولوج في منطقة تبادل حر واسعة وممتدة، بصرف النظر عن الرسوم الجمركية الموضوعة أمامها، يضاف إلى هذا تنقل الأشخاص، فهل ستتمتع مؤسسات دول غرب أفريقيا بالامتيازات نفسها؟ وهناك توجس من المغرب، من منطلق ما إذا كانت دول أفريقيا الغربية ستربح من المغرب، وهل ستدخل مشروعاتها السوق المغربية، خصوصا في غياب استراتيجية استباقية مشتركة بين مكونات المجموعة؟

أمام المشروعات والمؤسسات المغربية سوق من 350 مليون مستهلك، مغرية بكل المقاييس. ولذلك صعّدت النقابات النيجيرية من نبرتها ولهجة معارضتها المغرب، لأنها ترى في المنتجات المغربية منافسةً ضاريةً وحادة. وتبعا لذلك، طلبت من رئيسها معارضة انضمام المغرب، كما طالب رئيس جمعية المقاولات الصناعية في نيجيريا، حكومة بلاده الفيدرالية، بمعارضة طلب الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، لأن هذا الانضمام سيكون كارثة على القطاع الإنتاجي والاقتصاد النيجيري برمته. واعتبر المسؤول أن المغرب تربطه اتفاقات تجارية بالاتحاد الأوروبي. ولذلك، ستغزو المنتجات الأوروبية التي تدخل إلى الأسواق المغربية السوق النيجيرية، أكبر سوق في أفريقيا. ومن هنا، هي تعارض، بكل شراسة وقوة، طلب المغرب. علما أن حكماء ومتعاطفين مع المغرب حاولوا تليين المواقف، وإيجاد أجواء توافقية، عبر الحديث عن أن عملية الانضمام تخضع لمسلسلٍ يتم عبر مراحل، فبعد الشق السياسي، يأتي الشق القانوني، حيث ينبغي على المغرب ملاءمة نصوصه القانونية ذات الصلة مع قوانين المجموعة، وستكون هناك مفاوضات ونقاش، وهذا طبيعي.

واعتبر مراقبون عدم إقناع دول المجموعة الاقتصادية لدول أفريقيا الغربية من مظاهر فشل الدبلوماسية المغربية، غير أن المغرب تمكن من تحقيق إنجاز مهم، بعد فوزه بعضوية مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الأفريقي، وكان هذا الهدف أساسيا للدبلوماسية المغربية في القمة الأفريقية الثلاثين في أديس أبابا أخيرا، وسيحتل المغرب هذا المقعد سنتين، بعد أن تراجعت الجزائر عن الترشح لهذا المنصب المهم لولاية جديدة، ويتولى المجلس العمل على احتواء الأزمات، والحيلولة دون اشتعالها وتمددها.

التعليقات

أضف تعليقك