ابن كيران: "المشكلة"؟!

محمد عصام
قراءة : (4729)
الجمعة, ديسمبر 16, 2016 - 21:30
ابن كيران: "المشكلة"؟!

لن تكون لحظة تشكيل حكومة ما بعد انتخابات السابع من أكتوبر لحظة عابرة في التاريخ السياسي المغربي المعاصر، بل هي لحظة تاريخية ذات عمق دلالي وارف من حيث مضامينها السياسية، ومؤشراتها على التحولات العميقة التي تتفاعل في المشهد السياسي، وأي محاولة لاختزالها في مجرد موقف، او شخص، او هما معا، أو قراءتها ضمن جزئيات مفصولة عن السياق العام التي تعيشه بلادنا في مراكمة عُدَّة مسيرتها نحو الديمقراطية، ودون استحضار المآلات التي ستخلفها في تقاسيم المشهد السياسي في صورته اللاحقة، لن يكتب لها التوفيق بتاتا في إنجاز قراءة موضوعية لهذه اللحظة، وسنكون أمام محاولات ذات بُعد انطباعي تختزل كَمًّا هائلا من ردود الأفعال المحكومة بحسابات ضيقة لا تتعدى في سقفها محاولة تصفية الحساب مع نتائج نزال السابع من أكتوبر، وهي بالتالي إما تنفيس عن غصة الهزيمة، أو محاولة للالتفاف عليها والانقلاب على بيناتها ومحو أثرها من جهة المنهزمين، و في الجهة المقابلة هي انتشاء مبالغ فيه يُفقد أصحابه بلاغةَ وعمقَ النظر الى الخلفيات والمآلات، وفي كلتا الحالتين تُفرغ اللحظة من عمقها، وتجتزئ دلالتها إلى درجة تجعلها عديمة الجدوى والأثر في حياتنا السياسية وما سيتأسس عليها من معالم لمشهد سياسي مقبل.

في زخم هذه اللجة انبجست قراءات مفتقرة للعمق تربط بين حالة الانحباس التي تعيشها مشاورات تشكيل الحكومة وشخص رئيس الحكومة المكلف الاستاذ عبد الإله ابن كيران، تارة بدعوى أن منهجية اشتغاله عقيمة، وتارة أخرى بالقول إن إصراره على مشاركة طرف معين سواء تعلق الامر بحزب الاستقلال او التجمع الوطني للاحرار، فيه كثير من التحكم وفرض اشتراطات غير مقبولة، لكن آخر صيحات هذه القراءة المرتكزة على شخصنة اللحظة، تمثلت في ادعاء أن هناك اطرافا داخل العدالة والتنمية تضغط في اتجاه استدامة الازمة، أو أنها تستفيد من هذا الوضع " الواقف او الجامد"، بل طفح الخيال بالبعض الى اعادة انتاج اسطوانة وجود صقور وحمائم داخل الحزب، وأن ابن كيران أصبح رهينة لمن وصفوهم صقورا، ودون الدخول في تفاصيل تهافت هذه القراءة التجزيئية والمشخصنة لواقع أكبر من أن يتم حصره في طموحات شخص ما او حسابات طرف واحد مهما كان وضعه في الحزب ، فإن هذه القراءة لا يمكن أن تخفي وجهها الكيدي الطافح بالاستهداف لوحدة الحزب، والسعي في خلق تناقضات لا توجد إلا في المخيال المريض لمنتجي هكذا قراءات، فقد اثبتت الوقائع في أكثر من مناسبة أن حزب العدالة والتنمية قد آوى باصرار ومن غير تردد  وبشكل نهائي غير قابل للتراجع، الى " ركن المأسسة الشديد"، وأن التجربة قد اثبتت أن الحزب ليس حزب اشخاص أو امزجة أو طموحات شخصية لطرف معين كيفما ما كان موقعه، بالقدر الذي هو حزب مؤسسات تشتغل وفق منطق تشاركي تؤطره مساطر وقوانين واضحة، يتم عبرها ادارة إنتاج المواقف وحسم التموقعات، ولعل أكبر تَجَلٍ في هذا الاطار تفرد الحزب بمسطرة للاستوزار غير مسبوقة في تاريخ العمل السياسي بالمغرب، ثم إن هذه القراءة ومنتجيها تكشف مدى التخبط الذي يتلبس تحليلاتهم التي لا تكاد تنتهي، والتي تسقطهم في القول ونقيضه من باب " من كثر لغطه كثر غلطه"، فأي الروايات  سنصدق يا ترى؟! تلك التي تقول إن " قصوحية الراس" عند ابن كيران هي سبب أزمة تشكيل الحكومة؟! أم أن " رخاوة" ابن كيران التي جعلته طَيِّعا في أياد خفية تشكله كيف شاءت، وأنه رهينة طموحات صقور حزبه؟!

دعونا من هذه التخيلات والاستيهامات، ولندلف إلى عمق الاشياء كما أومأنا الى ذلك في مقدمة هذا المقال، فاللحظة السياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة مرهونة بإرادات حقيقية، يتم تصريف مفاعيلها، عبر الفاعل السياسي، والذي لا يشكل في الحقيقة إلا الجزء الظاهر من جبل الثلج العميق في محيط السياسة لهذا الوطن، ولمزيد من التوضيح وبالعودة الى المسارات التاريخية التي قطعها المغرب خصوصا ما بعد مرحلة الاستعمار، نجد أنفسنا أمام نسق سياسي مسكون بلعبة الحفاظ على التوازن، مهووس بتقنية الضبط، فطيلة العقود السابقة كانت الدولة في تعاطيها مع الفرقاء غير مستعدة للتعامل مع المفاجآت، ومسكونة بحسابات ضبط المشهد وفق سقْف محدد لا يمكن التسامح مع اي محاولة لتجاوزه، واليوم لم يعد مطروحا بالمطلق نقاش هذا السقف في ظل وجود إجماع ثابت ودائم من طرف الجميع على احترام السقف السياسي، وانتقال الصراع من مستوى مناقشة المشروعية والشرعية، الى مستوى قياس النجاعة  في ظل الاستمرارية، تلك الاستمرارية التي تعني بعد صيانة المشترك ممثلا في الثوابت، استشراف أفق الديمقراطية أسلوبا ومؤسسات، وتدوير فائضهما تنميةً وعدالةً اجتماعيةً ومشاركةً سياسيةً.

في ظل وضع كهذا فإن آليات الضبط التي استخدمت في المراحل السابقة سواء تعلق الأمر بالآليات القبلية او اللاحقة لم تعد ذات جدوى، وهذا ما قالته بوضوح وبيان فاقع نتائج صناديق الاقتراع، حين أفرغت كل محاولات الضبط القبلية من مفعولها، ولنا في مسيرة البيضاء سيئة الذكر مثالا واضحا على ما نقول، وبشكل أوضح تدخل آلة أعوان السلطة وبعض رجالاتها ترغيبا أو ترهيبا للتأثير في مسار الاستشارة الشعبية المعبر عنها عبر صناديق الاقتراع،  بينما يتم اليوم القفز الى آليات الضبط البعدي او اللاحق عبر خلق مشهد هجين لم تعد معه بينات الصناديق ذات قيمة، بل تحول المنهزمون في نزال الديمقراطية أكثرا تملكا لمدخلات ومخرجات الأزمة، او هكذا يريدون لنا ان نرى عليه الوضع، بما يفيد أن الحسم النهائي ليس بيد الصناديق ولا بيد الشعب بقدر ما يوجد في جهة متوارية خلف حجاب، مما يطرح على الطبقة السياسية وتحديدا الصف الديمقراطي ضرورة حماية الاختيار الشعبي وصيانته من أن تتلاعب به الايادي العابثة، فكل عبث بالارادة الشعبية في هذه اللحظة سيعيدنا الى الوراء، وسيجر على بلادنا أمورا هي في غنى عنها، لما سيكرسه من إحباط شامل لدى عموم المواطنين من العملية الديمقراطية برمتها، إذ لا معنى للتصويت أو المشاركة أصلا إذا لم ينعكس أثرهما على الخريطة السياسية، وهو ما يعاكس بالمطلق الاتجاه العام الذي ارتضته بلادنا لنفسها من خلال توقيعها على لحظة الربيع بصيغة توافقية، شكل الدستور الجديد أهم أسسها،  من حيث انبناؤه على ركن ركين يتمثل في ربط القرار العمومي بارادة الشعب، وجعل الانتخابات مدخلا أساسيا لهذا الربط، فالارادة الشعبية لا يُعلى عليها، وما عداها فمرهون بمدى انسجامه مع تلك الارادة وانخراطها في نفس المنطق.

فالذي يجري اليوم ليس مرتبطا بشخص أو حزب أو موقف معين، ولكن حقيقته تكمن في حجم ولاء هذا الطرف أو ذاك للارادة الشعبية وتحمل تكاليف الديمقراطية والقطع مع أساليب الضبط والتحكم التي تفرغ الحياة السياسية من مضمونها وتكرس منطق العزوف عنها، فالخريطة السياسية التي يراد لها أن تستحوذ على المشهد بعد بطلان مفعول ضبطها القبلي، يتم اليوم التمكين لها عبر أدوات أخرى من الضبط للتحكم في مخرجات هذه الازمة وامتلاك مفاتيح مغلقاتها، وبهذا الصدد يبدو ابن كيران واعيا بشدة بحجم هذا المأزق، من خلال حرصه على استنفاذ الزمن التفاوضي المتاح له دستوريا في تدبير التفاوض، وكذلك بحرصه على الارادة الشعبية واعتبارها اطارا مرجعيا لكل عملية تفاوضية للإبقاء على الجوهر الديمقراطي للعملية الانتخابية.

وحري بنا ونحن نقارب دلالة هذه اللحظة أن نفتح قوسا، لنقول إن من أهم النتائج التي وجب على الصف الديمقراطي السعي الى مباشرة تحصيلها بعد الانتهاء من تدبير اللحظة، لأن هذه الاخيرة ستنتهي على كل حال في اطار توافقي لأن النسق لا يتحمل بتاتا الصدمات، تماهيا مع طبيعته التاريخية وكسبه في التاريخ، هو أن يتوجه الجميع الى تحرير العملية الانتخابية من  إصر آليات الضبط القبلي التي أدمنت الادارة على التحكم عبرها في نتائجها، سواء تعلق الامر باللوائح الانتخابية أو تقطيع الدوائر أو العتبة، او المرتبطة بالعملية التقنية للانتخابات من خلال اعتماد القاسم الانتخابي واكبر البقايا، فجدير بالذكر أن الذي يسكن كل هذه التفاصيل هو ضبط العملية الانتخابية وتجنب ان تتحول هذه العملية لآلية وحيدة للفرز داخل الخريطة السياسية، فمنطق تجنب الصدمات وعدم التحكم في المخرجات سيبقى هاجسا لدى الادارة ما لم تتحفز القوى الديمقراطية باستثمار الوعي المتصاعد والدور الحاسم للمواطن في العملية السياسية، من أجل ضخ جرعات إضافية وأكثر قوة في الحياة السياسية وايقاع التغييرات القمينة بحفظ ماء وجه الديمقراطية باعتبارها الأداة الوحيدة لضمان التمثيلية وتأسيس حق المواطنة على أساس التشاركية في القرار والمصير.

التعليقات

أضف تعليقك