الأوراش الاقتصادية الكبرى للحكومة الجديدة

عبد النبي أبوالعرب
قراءة : (624)
الأربعاء, أبريل 19, 2017 - 11:00
الأوراش الاقتصادية الكبرى للحكومة الجديدة

تم أخيرا تشكيل الحكومة بعد تأخر قارب الستة أشهر، وهو ما ترتبت عنه ولا تزال تبعات عدة. ولعل من المستويات الأكثر تأثرا بهذا التأخر، الجانبين الاقتصادي والمالي، سواء تعلق الأمر بالدولة والمؤسسات العمومية خاصة، أو بالاقتصاد الوطني والشركات والفاعلين الاقتصاديين عامة. وهو ما يجعل المسألة الاقتصادية والمالية تأخذ أبعادا مهمة في سلم أولويات الحكومة الجديدة لتدارك النتائج السلبية التي ترتبت عن هذا التأخر في تشكيل الحكومة.

إلا أنه على الرغم من تشكيل الحكومة الجديدة، فالمسار لا يزال طويلا حتى تعود الأمور إلىمجاريها الطبيعية، إذ لا بد أولا أن يتم تنصيب الحكومة بناء على تصريح رئيس الحكومة ببرنامجه الحكومي أمام البرلمان، يعقبه تصويت تنصيبي من طرف الأغلبية البرلمانية. تم بعد ذلك، يتم تقديم مشروع قانون المالية الذي ظل ينتظر منذ شهور، والذي يعتبر الترجمة الحقيقية لرؤية الحكومة ومشاريعها في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

في هذا السياق، نحاول فهم ورصد الأولويات والبرامج ذات الطبيعة الاقتصادية التي تفرض نفسها على هذه الحكومة الجديدة، والتي تتطلب إجابات سريعة وفعالة. وحسب تقديرنا، هناكخمسة أولويات كبرى لا بد أن تكون رهاناتها هي المحددة لهيكلة وأهداف البرامج الاقتصادية للحكومة المقبلة، وهي كالتالي:

1)- الاستمرار في الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية :

لقد ورثت هذه الحكومة تركة جيدة على مستوى المؤشرات الماكرواقتصادية الكبرى للبلد بشكل عام، حيث نجحت الحكومة السابقة بقيادة عبد الإله بنكيران بخفض عجز الميزانية إلى حوالي 3,5 بالمائة بنهاية ولايتها، مع ضبط مستوى التضخم في مستويات متدنية بشكل ملحوظومستقر، وتحقيق معدل نسبة نمو في حدود 3,5 خلال الخمس سنوات الأخيرة، وهو رقم إيجابي خاصة بالمقارنة مع إنجازات دول الجوار في الحوض المتوسط وشمال إفريقيا.

ومن المؤشرات الماكروقتصادية التي وجب الاهتمام بها أيضا ميزانية الاستثمار، والتي يجب أن تستثمر في الارتفاع، خاصة بالنظر إلى الحاجيات الهيكلية المتزايدة للاقتصاد الوطني إلى الاستثمار في كل مجالات البنيات التحتية والخدمات والمرافق الاجتماعية..

ولعل من أهم أسباب نجاح الحكومة السابقة في المحافظة على التوازنات الكبرى للاقتصادالوطني إصلاحها الجريء لصندوق المقاصة، والذي مكن من تخليص ميزانية الدولة من عبئ ثقيل كاد أن يخنقها، مما يفرض على الحكومة الحالية الاستمرار في تصفية تركة هذا الصندوق، وإيجاد حلول أكثر نجاعة للدعم الاجتماعي للفئات الهشة.

-إنجاح عملية تحرير الدرهم

سيدخل المغرب رسميا في المنتصف الثاني لسنة 2017 في مرحلة تحرير عملته. وبقدر ما يعبر هذا القرار عن شجاعة وثقة المغرب في قوته الاقتصادية بين الدول، بقدر ما يفتح الباب أمام مجازفة قد تنقلب إلى سيناريو جد سلبيٍ للاقتصاد الوطني عامة، والقدرة الشرائية للأسر والمواطنين خاصة.

حيث إذا كان المغرب يقدم على هذه الخطوة ليس تحت ضغط الأزمة كما وقع لمصر، بل كترجمة لرؤية استراتيجية، وبناء على توفر كل المؤشرات الإيجابية لهذه العملية، بما يجعل منها أداة لتشجيع الصادرات في سياق تنامي انفتاح الاقتصاد الوطني وتطور صادراته، فإنه على هذه الحكومة أن تستعد لكل السيناريوهات، خاصة المتشائمة منها، والتي قد تؤول بنا إلىتراجع لقيمة العملة الوطنية، مما سيترجم إلى ارتفاع للأسعار وانهيار للقدرة الشرائيةالداخلية، خاصة وأن الاقتصاد الوطني مرتبط ارتباطا عضويا بالواردات.

- تجويد مناخ الأعمال والاستمرار في جذب الاستثمار الخارجي

حقق المغرب خلال الخمس سنوات الأخيرة قفزات كبيرة في سلم مناخ الأعمال على المستوى الدولي، حيث قفز من رتبة 98 سنة 2010 إلى رتبة 68 سنة 2016، محققا نتائج استثنائية على المستوى العربي والأفريقي، وذلك بفضل المجهودات التي قامت بها الحكومة السابقة في هذاالورش الحيوي.

ومن البديهي أن تستمر الحكومة الجديدة في نفس هذا المنحى، وأن تبذل قصارى جهدهاللاستمرار في هذا الأداء الجيد، بالنظر إلى الدور الأساسي الذي يلعبه مناخ الأعمال في إنجاح الأهداف الكبرى للديبلوماسية الاقتصادية الوطنية في شق جلب الاستثمار الأجنبي، والذي يعرف تنافسية دولية قوية بين مختلف البلدان، خاصة على مستوى أفريقيا والشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، فمن التحديات الكبرى التي يجب على هذه الحكومة أن تستمر في رفعها بنجاح هو تعميق جاذبية المغرب الاستثمارية وترجمتها إلى شراكات أكبر وأوسع في نوعيتها وحجمها مع المستثمرين الأجانب، خاصة في القطاعات الإنتاجية ذات الأولوية بالنسبة للمغرب، كقطاعات الطاقات المتجددة والسيارات والطائرات خاصة.

- السياسات القطاعية والإقلاع الاقتصادي

على الرغم من التنامي المضطرد للاقتصاد الوطني بصفة عامة، خاصة على مستوى بعض القطاعات الصناعية، نذكر منها قطاع السيارات الذي أصبح أول قطاع مصدر أمام الفوسفاط، والذي من المنتظر أن يبلغ سنة 2020 حوالي 100 مليار درهم، (كما نذكر أيضا قطاع الطائرات)، فإن باقي القطاعات الإنتاجية لازالت تعاني إشكالات عديدة، مما يفوت علىالاقتصاد الوطني فرصا ثمينة لتنويع قدراته الإنتاجية وتثمينها على مستوى فرص الشغل الداخلية والتصدير نحو الأسواق الدولية

إن الحكومة الجديدة لا بد لها من بذل المزيد من المجهودات لتأهيل مختلف القطاعات الإنتاجية الوطنية وتنويعها، من خلال وضع برامج فعالة، تعيد رسم الأهداف بشكل طموح، بما يناسب إمكانات المغرب وقدراته المحترمة، ونذكر هنا على سبيل المثال القطاع السياحي الذي لازال يراوح مكانه ولم يتمكن من تجاوز عتبة العشرة ملايين سائح، الذين يشكل المغاربة المقيمين بالخارج أكثر من نصفهم.

كما يجب على هذه الحكومة أيضا أن تعمل على استدراك نقاط ضعف هذه القطاعات الإنتاجية، كضعف الهيكلة والعصرنة، وضعف الاستثمار، وغياب إطار قانوني محفر، وضعف القدرة التصديرية، وندرة الموارد البشرية المؤهلة وغيرها من التحديات التي يجب على الدولة رفعها حتى تمكن من تنويع القطاعات الإنتاجية وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود، الذي سيمكن البلاد من التخلص من الارتباط العضوي للمؤشرات الاقتصادية بجودة الأمطار والمحصول الزراعي.

- تفعيل عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي وانضمامه إلى السيدياو وتفعيل باقي شراكاتهالدولية

لقد حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة نجاحات ديبلوماسية استثنائية في جميع الاتجاهات، انتهت بانتصاره التاريخي بالعودة إلى الاتحاد الأفريقي، واستعادة مقعده الذي حاول خصومه الحفاظ عليه فارغا. هذه العودة الناجحة هي ترجمة واضحة للمقاربة القوية التي تبناها المغرب في علاقاته الخارجية، والتي دفعته إلى الانفتاح على كل القوى الدولية، وتوطيد شراكات استراتيجية معها، من منطلق كل عناصر القوة التي تجعل المغرب اليوم قوة إقليمية وقارية لا يمكن تجاوزها.

وها نحن نلحظ تباعا آثار هذه الشراكات، نكتفي في هذا السياق بذكر نموذجين ناجحين منها. الأول يتعلق بمشروع تشييد الشركة الصينية هيتي HAITE لمدينة جديدة، طنجة-تيك، باستثمار يبلغ 10 مليار دولار، والتي أعطى محمد السادس انطلاقتها مؤخرا. هذا المشروع الذي يأتي ترجمة للزيارة الملكية في شهر ماي 2016 للصين الشعبية، وللثقة التي يحظى بها المغرب والفرص التي يوفرها للاستثمار، خاصة من منطلق مكانته الاستثنائية كبوابة للقارةالأفريقية.

أما النموذج الثاني، فهو طلب المغرب الانضمام كعضو كامل العضوية للمنطقة الاقتصاديةالسيدياو، هذا الطلب الذي يجسد أيضا، بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، رؤية المغرب الاستشرافية لدوره داخل القارة السمراء، وللمجالات الجيواستراتيجية والجيواقتصادية التي يريد إنعاش علاقاته الديبلوماسية والاقتصادية داخلها، ومن داخلها في اتجاه جميع بلدان العالم.

وعليه، فعلى هذه الحكومة الجديدة أن تكون في مستوى تطلعات الديبلوماسية المغربية، التي يقودها ويسهر عليها الملك شخصيا، والذي طبعها برؤية جديدة وفاعلية قوية، وان تعمل على ترجمة كل الشراكات والاتفاقيات التي وقعها المغرب مع مختلف شركائه الدوليين، والتي أضحت توفر إطارا قويا ومحفزا للعلاقات الدولية للمغرب، إلى مكتسبات حقيقية للاقتصاد الوطني ولديبلوماسيته ومكانته بين الدول.

في الختام، لابد من التنبيه أن المغرب اليوم في مفترق الطرق، فإما أن يستطيع تحويلالإنجازات التي حققها إلى مكتسبات لا يمكن التراجع عنها، وإما أن تنهار طموحاته ويعود إلى الوراء. وهو ما يضع على هذه الحكومة مسؤولية جسيمة من منطلق حساسية المرحلة التي تقود فيها البلاد، حيث يؤول إليها واجب ترجمة كل هذه التراكمات الإيجابية الذي حققتهابلادنا في شتى المجالات، سواء في اتجاه الداخل أو في اتجاه الخارج، إلى قوة اقتصادية متينة وصاعدة، وحكامة اجتماعية عادلة وشاملة، بما سيضع المغرب بشكل لا رجعة فيه على قاطرة التقدم الاقتصادي والرفاه والاجتماعي.

التعليقات

أضف تعليقك