الاتحاد المغاربي، هل انطفأت شمعته؟

أحمد نورالدين
قراءة : (91)
الأربعاء, فبراير 14, 2018 - 20:45
الاتحاد المغاربي، هل انطفأت شمعته؟

مع رياح الربيع الديمقراطي التي هبّت من تونس، عاد الأمل في إخراج الاتحاد المغاربي من غيبوبته التي استمرت حوالي ثلاثة عقود. وما لبثت هذه الروح الجديدة أن سرَت في أرجاء "جزيرة المغرب" كما كان يسميها ابن خلدون، لتلقى صداها في خطابات جلّ القيادات السياسية المغاربية. وفي هذا السياق يمكن أن نقرأ في خطاب العاهل المغربي بمناسبة المسيرة الخضراء سنة 2011 تطلعه إلى "انبثاق نظام مغاربي جديد، يتجاوز الانغلاق والخلافات العقيمة". وقد تُرجمت هذه التصريحات في أسمى قوانين المملكة، حيث كرّس دستور 2011 الاتحاد المغاربي خياراً استراتيجياً. ونفس الشيء بالنسبة لتونس التي أكدت في دستورها للعام 2014 الانتماء للاتحاد المغاربي وانخراطها من أجل تحقيق وحدته. 

وعلى صعيد الإجراءات التنفيذية تنازل المغرب سنة 2012 عن دوره في استضافة القمة المغاربية المؤجلة لأزيد من 20 سنة، نزولاً عند رغبة الرئيس المنصف المرزوقي، في محاولة منه لِبث الرّوح في الجسد المُترهّل. وفي العام الموالي 2013 احتضنت الرباط المجلس المغاربي لوزراء الشؤون الخارجية في خطوة لتذْليل العقبات، انسجاماً مع التغيرات التي تعرفها المنطقة، ولكن دار لقمان أبت إلاّ أن تبقى على حالها. ولم يشُدّ عن هذه الحصيلة السّالبة للاتحاد سوى المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية الذي خرج إلى حيّز الوجود في ديسمبر 2015.

ولكن سرعان ما تدهورت الأمور من جديد إلى الحدّ الذي دفع ملك المغرب للإعلان في يناير 2017 أنّ " الاتحاد المغاربي قد انطفأت شمعته". فما الذي جعل الكَيل يطفح وعقاربَ السّاعة تعود القهقرى بعد الأشواط التي قطعها البناء المغاربي منذ ولادته بمراكش في 17 فبراير 1989؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد من العودة إلى ذات الخطاب الذي أكد أنّ "الحلم المغاربي .. يتعرض اليوم للخيانة". وهل هناك خيانة أكبر من انتهاك ميثاق الاتحاد المغاربي الذي يُنصّص بشكل واضح في مادته 15 على امتناع كل دولة عن احتضان "أي نشاط أو تنظيم يمَسّ أمنَ أو حرمةَ تراب دولة أخرى في الاتحاد أو نظامَها السيّاسي" !

أليس من العبث الحديث عن الوحدة في الوقت الذي تُجنِّد فيه دولة مغاربية كلّ إمكانياتها العسكرية والدبلوماسية والإعلامية لهدم وحدة دولة مغاربية أخرى؟ وكيف نفسّر إصرارها المَرَضيّ على تسميم الأجواء بتصريحات عدائية تَكيل التّهم للمغرب على لسان وزير خارجيتها تارة، وعلى لسان وزيرها الأول تارة أخرى؟ وكيف نتعامل مع دولة تهاجمنا في كلّ المحافل القارية والأممية وأمام المحاكم الأوربية والإفريقية؟ بل وترفع الدعاوى وتحيك الدسائس لحجز ناقلات الفوسفاط المغربي في موانئ بريتوريا وبانما. وفوق هذا وذاك تَجرّ المنطقةَ إلى سباق جنوني نحو التسلح، ثمّ يأتي بعد ذلك رئيس دبلوماسيتها، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفرنسي مارك آيرو في مارس 2016، ليُعلن أنّ سبب الخلاف الرئيس بين فرنسا والجزائر هو تَبايُن مواقفهما حول قضية الصحراء!

وحُقّ له أن يقول ذلك، فلقد حلّت الجزائر كل مشاكلها مع الدولة التي استعمرتها 132 سنة، ولم يبْق من خلاف بين فرنسا والجزائر سوى الصحراء المغربية! لقد انتقمت لشهدائها واستعادت جًماجِمهم التي كانت معروضة في متاحف فرنسا، وسمحت لِشركتي "طوطال"و"فيرتاس"بالتنقيب عن البترول والغاز رغم أنف التأميم المُفترى عليه، وفتحت أبوابها أمام الشركات والبنوك الفرنسية للعودة إلى مستعمرتها القديمة، مقابل تعويضات مالية سخية عن أرواح المليون شهيد وشهيدة، أمّا قضية "الأرجل السّوْداء" والحرْكِيّين فما عادت تهمّ الذاكرة الجزائرية.. كلّ ما يهمّ هو هدم وحدة المغرب وفصله عن صحرائه الغربية حتى لا يُطالب بصحرائه الشرقية.

أمام هذه الوقائع وطوفان الكراهية، ماذا تبقى من فكرة الوحدة المغاربية؟ أين نحن من مؤسسي "نجم شمال إفريقيا"في العشرينيات من القرن الماضي و"المكتب المغاربي" في الأربعينيات منه؟ أين توصيات مؤتمر طنجة في الخمسينيات؟ هل كان كلّ ذلك مجرد أضغاث أحلام راودت الأجداد والأحفاد قرابةَ قرْن بأكمله؟ يبدو مع الأسف أن الأمر كذلك، وإلاّ كيف نُفسّر هرولة أربع دول مغاربية للانضمام إلى تجمعات إقليمية. فبعد قبول عضوية المغرب مبدئياً في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "سيداو"، اقتفت موريتانيا أثره وطلبت العودة إلى نفس المجموعة التي غادرتها سنة 2000؛ ثمّ سارعت تونس إلى إحياء طلب الانضمام لمجموعة شرق إفريقيا "كوميسا"، وسارت على خطاها الجزائر في نفس المجموعة. ولو كان للعقلانية صوت مسموع فينا، لاستكملنا بناء الاتحاد المغاربي عوض الهروب آلاف الأميال بحثاً عن الوحدة المفقودة والجنة الموعودة!

التعليقات

أضف تعليقك