الكلفة الأخلاقية للفساد: من تجريف الفعل الى تحريف الوعي

ابراهيم أمهال
قراءة : (56)
الاثنين, يونيو 4, 2018 - 23:45
الكلفة الأخلاقية للفساد: من تجريف الفعل الى تحريف الوعي

اهتمت الأدبيات الاقتصادية بالكلفة المادية للفساد ومعضلة اقتران السلطة بالثروة ، ونشرت تقارير تصنف الدول في ترتيب على أساس مفاهيم ذات حمولة أخلاقية ، مثل " الشفافية " أو " الحكامة الجيدة " ولكنها تحسب واقعيا بمؤشرات مادية تتعلق بالعائد الاقتصادي أو بالخسارة المالية و الاستثمارية المفترضة .

وإذا كان من الممكن نظريا تعويض الخسائر الاقتصادية المتوقعة ، فإن الخسارة العميقة التي لا تعوض تكمن في المستوى الاخلاقي و القيم العامة الناظمة للعلاقات بين المجتمع و السلطة وبين الاطراف الاجتماعية نفسها ، وليست هناك الى حدود الساعة دراسات علمية تستطيع تتبع الحجم المفقود بشكل مستمر من رصيد الشعور بالانتماء، و بجدوى المشاركة في بناء الوطن ،و بقيمة التضحية من أجل بناء فضاء العيش المشترك ، ومعنى تحمل الالتزامات الضرورية لذلك ، وتجنب السلوك الانتهازي المضر بالمصلحة العامة .....

قد يضمن الفساد و اقتصاد الريع صناعة أحزمة أمان من الولاء المؤقت ، وقد يمتد مفعوله الى مدى متوسط خصوصا في البلدان التي تمتلك مخزونا من الثروات الطبيعية ، بحيث تستطيع تحقيق التوازن بين استفراد الفئة الحاكمة و دوائرها المقربة  بالنصيب الاكبر من الثروة  وبين إمكانية توزيع الفوائض المتبقية لإشباع الحاجات الضرورية للساكنة . وهذا حال بعض الدول النفطية التي يتجاوز فيها الدخل الوطني حدودا تسمح بتعايش الفساد مع الحد الضروري من شروط العيش ، وذلك مشروط أيضا بقلة عدد السكان ، وببقاء اسعار النفط في مستويات مرتفعة.

في بلد مثل المغرب ، يقوم إقتصاده أساسا على الكفاءة الإنتاجية للمقاولة سواء كانت عمومية أو خاصة . ومجمل ثرواته الطبيعية لا تسمح بتحقيق فوائض مالية كبيرة ، بل تحتاج الى إعادة تثمينها بعمليات انتاجية تشترط إمكانات علمية وتقنية غير متوفرة . في هذه الحالة لا تنشأ دوائر المصالح الريعية بطريقة  الاستحواذ على الموارد الثمينة الخام مثل النفط ، بل تتجه الى الهيمنة على سوق الانتاج ، أي انها تزاحم النشاط اليومي للمواطنين أفرادا ومقاولات ، وتتوسل بوسائل الامتياز والسلطة والنفوذ . وترسم حدودا لحرية الفعل الاقتصادي على أساس القرب و البعد من مركز السلطة ، وبذلك تفقد المبادرة الانتاجية  وحرية الاستثمار و تنافسية السوق أي معنى . 

وإذا كان المفعول الاقتصادي السريع والمباشر لهذه المنظومة ، هو انكماش الاقتصاد ، وضعف المبادرة ، ورداءة الانتاج ,وتركز رأس المال، وتوجه الاستثمار الى قطاعات معينة ،وانحصار المقاولة ،والارتهان للسوق الخارجي تصديرا واستيرادا ، وكان مفعولها الاجتماعي هو ارتفاع حجم التفاوت في الدخل ، وضيق مجال التشغيل ، وهدر الموارد البشرية ، وتهميش الفئات و المناطق التي لا تفيد المنظومة ، فإن مفعولها الاخلاقي و القيمي أعمق و اخطر من كل ذلك .

كان الباحث السوسيولوجي المرحوم محمد جسوس  يتحدث عن مصطلح مغربي خاص في الثقافة والاقتصاد يسمى " الهمزة " ،أي إمكانية الحصول على ثروة سريعة ومضمونة بأقل جهد ممكن باستغلال فرصة استثنائية ، تتمثل إما في الحصول على صفقة عمومية بالطرق المعلومة ، أو مضاربة عقارية بمساعدة النفوذ ، أو احتكار سلعة ، أو استغلال أزمة . وقد تشكلت قيم راسخة في عالم المقاولة منذ عقود تحتقر الجهد الذاتي  و تعتبر التهرب الضريبي شطارة ، و التقرب من السلطة كفاءة تواصلية ، وعدم أداء الالتزامات فرصة للإدخار ، و رداءة الإنتاج شرطا للبقاء والاستمرار.

لقد تحولت قيم الانانية والانتهازية الى ثقافة راسخة ومخترقة لمجمل البناء الاجتماعي أفرادا ومؤسسات ، وأصبحت الممتلكات العامة هدفا للنهب والتخريب ، والحديث عن الواجبات والمصالح المشتركة سذاجة ومثالية . وتم تحريف الوعي الجماعي بالانتماء والمصير والمصلحة المشتركة الى مجرد لازمة دعائية تردد للإستهلاك في المناسبات .

ولم يقتصر انحراف الوعي على مستوى الجمهور ، بل تعداه الى بعض النخب السياسية والاعلامية التي أحيت بعض الشعارات الحالمة لمرحلة طفولتها السياسية ، وصارت تردد مطالب الكشف عن الثروات و إعادة توزيعها كحل سحري يدغدغ  مشاعر الناس ولكنه لايحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة والمعقدة ، وكأنه يريد تعويض الريع الخاص بريع عام . وقد كان الاحرى  بها ان تخرج من دائرة الوعي الزائف الذي يتراوح بين حدين متماثلين : خطاب ينفي المشكلات و يحاول تلميع صورة الواقع البئيس ، وخطاب حالم يتصور أن كل المشاكل تحل بجرة قلم ، وكلاهما  يفتقد للمسؤولية الاخلاقية والتاريخية المنتجة للفعل الحقيقي .

النضال ضد الفساد ينبغي أن يهدف الى استئصال ثقافته في كل المستويات ، بدأ بالسلطة المنتجة لشروط الفساد الى دوائر التلقي الاجتماعي لتأثيراته ، وهذا يعني أن كشف المفسدين و محاسبتهم ، هو مجرد بداية لتوفير شروط الانتاج الاقتصادي الحقيقي الذي يسمح للجميع بالمساهمة في انتاج الثروة العامة  بثقة وفاعلية  وتضحية . وليس فرصة سحرية لرخاء وهمي ولا "همزة" أخرى ، ولا تعلة لتبرير امتدادات الفساد في المستويات الاجتماعية المختلفة .

التعليقات

أضف تعليقك