بلال التليدي: اتجاهات السياسة الدولية في سنة 2017

بلال التليدي
قراءة : (66)
الثلاثاء, يناير 2, 2018 - 10:00
بلال التليدي: اتجاهات السياسة الدولية في سنة 2017

ودعنا سنة 2017 على إيقاع قصف إعلامي مكثف؛ يعيد أهم الأحداث التي حصلت خلال هذه السنة، لكن من غير أن يسمح لنا هذا القصف بالسؤال: أين يتجه العالم؟ وما موقعنا في مسرح التحولات الكبرى الجارية؟

لن نساير وسائل الإعلام في تعداد أحداث السنة، وأهم التطورات التي حصلت فيها، فذلك لا يستدعي أكثر من رصف الأحداث وتحريك الأرشيف السابق، وتقديم الأولى فالأولى، بحسب الحدث ونوعيته، وآثاره في صناعة السياسات الداخلية أو الخارجية مع جهد في الاختيار والعنونة.

طبعا، هذا عمل ليس بالأمر الهين، لكن، نفضل أن نمضي إلى ما هو أهم بالنسبة إلى بناء الوعي العربي الإسلامي، وأيضا بالنسبة إلى استعادة الذاكرة الجماعية، وذلك بقراءة هذه الأحداث في ضوء الاستراتيجية، وطرح سؤال التقدم والتراجع في موازين القوى السائدة، وسؤال تحولات النظام العالمي، وأثر ذلك على القضايا العربية والإسلامية، وعلى قضية التحول الديمقراطي.

باستقراء أحداث السنة، يمكن أن نسجل عددا من التحولات في اتجاهات السياسة الدولية نذكر منها:

- تراجع الدور الأمريكي في صناعة الأحداث الكبرى، خاصة في منطقة الشرق الأوسط ومستقبل عملية السلام.

- فشل خيارات ما بعد الربيع العربي، في كل من مصر واليمن وليبيا.

- حصول تقدم كبير للدور الروسي في المنطقة، سواء على مستوى عدد الشراكات الاستراتيجية التي عقدتها مع الدول العربية، أو على مستوى تقدم محورها في الملف السوري.

- بروز الدور التركي والإيراني من جديد، وحصول تقارب استراتيجي بين إيران وتركيا في العديد من القضايا المشتركة.

- تراجع الدور السعودي في المنطقة، وحصول اختراقات خطيرة في منظومة أمنها القومي؛ برزت من خلال تنامي الدور الحوثي في اليمن، واستعصاء عملية تطويعه رغم الدور العسكري الذي قامت به دول التحالف.

- فشل السعودية والإمارات في تطويع قطر، ونجاح سياسة قطر في دفع دول الخليج إلى تحصين مكتسباتها الحيوية، خاصة منها المؤسسية الممثلة في مجلس التعاون الخليجي.

- فشل أمريكي ذريع في تمرير قرارها بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.

- بروز استهداف دولي جديد لإيران لزعزعة استقرارها السياسي، على شاكلة ما عرفته تركيا في أحداث تقسيم وما تبعها.

هذه باختصار أهم العناوين التي رسمت صورة اتجاهات السياسة الدولية في السنة الماضية، وهي في جوهرها واتجاهها العام تذكي السمات العامة للنظام الدولي الجديد، التي ارتسمت منذ مدة غير يسيرة، والمحكومة بطابع الفوضى واللانظام وفقدان القيادة، وبروز عدة توترات في بعض المناطق الحيوية، وغياب آليات لتسوية صراع المصالح، وعدم الاحتكام لآليات دولية فعالة لحل النزاعات، لكنها من جهة أخرى، تكشف استمرار سمة تراجع في الدور الأمريكي في قيادة النظام الدولي وتوجيه دفته، واتساع هوامش المناورة بسبب اختلال موازين القوى السائد، وبروز قوى إقليمية استطاعت بذكاء أن تستفيد من اتجاهات السياسة الدولية، وتراكم ذلك لمصلحتها، ولفائدة تقوية دورها الإقليمي، كما هو الشأن بالنسبة لإيران وتركيا على السواء.

فإيران استمرت في مراكمة مكتسباتها الاستراتيجية على حساب الأمن القومي السعودي، ولم تنجح السعودية في الاستفادة من نفوذها في لبنان، بل ضيعت، ببعض سياساتها غير المفهومة، مكتسباتها القوية في بيروت، بسلوكها السياسي مع رئيس الوزراء اللبناني، ولم تستطع أن تستثمر مظلوميتها - بسبب الاستهداف الحوثي لأراضيها بالصواريخ - في إضعاف الموقف الإيراني ووضعه في دائرة الحرج الدولي.

أما تركيا، فقد نتج عن مراجعتها الكلية لسياساتها الخارجية، عقب بروز مؤشرات خريف الديمقراطية في العالم العربي، وعقب الدور الأمريكي المراوغ في سوريا، تحقيقها لمكاسب استراتيجية غير مسبوقة، بعد أن زاوجت في سياستها الخارجية الفعالة في الاتفاقات الاستراتيجية التي أبرمتها مع عدد من الدول؛ بين الاتفاقات ذات الطبيعة الاقتصادية والتجارية، والاتفاقات ذات الطبيعة الأمنية والدفاعية، معززة بذلك حضورها الوازن في دول الخليج، وشمال إفريقيا، وفي السودان (بوابة إفريقيا)، كما في العراق وسوريا؛ من خلال الدور العسكري الذي تقوم به، والتنسيق الاستراتيجي الذي تجريه مع إيران في هذا الصدد لإضعاف حزب العمال الكردستاني، كما نجحت في عرقلة "الحلم" الكردي في العراق بالاستقلال وإقامة دولة كردية في المنطقة.

هذه هي صورة التحولات الكبرى التي حدثت في المنطقة السنة الماضية، وهي للأسف تحولات لا تعني الكثير بالنسبة للعالم العربي، التي تؤشر العناصر المستقرأة التي أشرنا إليها، إلى حصول ثلاثة اتجاهات كبرى فيه:

- استمرار ظاهرة عدم الاستقرار السياسي والأمني في عدد من البلدان، ومنها على الخصوص ليبيا واليمن، مع بروز تحديات أمنية متسارعة في مصر.. لا شك أن أثرها على الحكم سيكون ملحوظا في المدى القصير والمتوسط، ثم بروز سمة أخرى تتعلق بعدم القدرة على الانتقال السلس في الحكم في كل من السعودية والجزائر، وكلفة ذلك على الأمن والاستقرار والوضعية الاقتصادية في الدولتين.

- حصول مزيد من تراجع الإطار المؤسساتي الجامع للتكتلات العربية، سواء منها المركزية، كالجامعة العربية، أو الإقليمية كمجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي، بسبب تعمق الخلافات داخل الصف العربي، مما يعني تعقد مهمة بناء عمل عربي مشترك لتحصين المكتسبات، والدفاع عن المصالح العربية المشتركة.

- انتعاش إيقاع المقاومة الفلسطينية، بسبب السياسات الأمريكية المتخبطة، وبسبب الاختراقات والثغرات المفتوحة في جدار النظام الدولي الجديد، وانفتاح هوامش المناورة بالنسبة لفصائل المقاومة الفلسطينية التي عاشت عزلة مقيتة؛ منذ اندلاع الربيع العربي إلى قرار ترامب الأخير.

تركيب هذه التحولات الدولية، ثم التحولات التي حصلت على مستوى العالم العربي، يفيد بأن المرحلة الجديدة لن تكون محكومة بمنطق تحقيق التحول الديمقراطي أو تسجيل التراجع فيه، ولكنها ستكون محكومة بمنطقين اثنين، الأول هو مدى تحقيق تقدم استراتيجي يدعم موقع الدولة الإقليمية في النظام الدولي الذي يوجد قيد التشكل، والثاني؛ مدى النجاح في الحفاظ على الاستقرار السياسي، والإبقاء على حد متوسط من الوضعية الاقتصادية؛ يسمح بتجنب الصدمات والتعبيرات المجتمعية ذات البعد الاحتجاجي.

معنى ذلك، أن اتجاهات السياسة الدولية ستكون محكومة بسمة التوتر أكثر، وستتنامى اتجاهات الخلخلة من الداخل لمنع بعض الدول من الاستمرار في منحناها التصاعدي، كما ستتجه نحو مزيد من التحللات في بنية النظام العربي لمنع قيام نواة أي عمل عربي مشترك، وفي الآن ذاته، مواجهة أي تطلع لبعض الدول الإقليمية الناهضة نحو توسيع تحالفاتها في العالم العربي.

التعليقات

أضف تعليقك