بلال التليدي: التطبيع مع إسرائيل باستثمار الورقة الأمازيغية

بلال التليدي
قراءة : (78)
الثلاثاء, أبريل 3, 2018 - 16:30
بلال التليدي: التطبيع مع إسرائيل باستثمار الورقة الأمازيغية

نشطت بالمغرب في الآونة الأخيرة، محاولات إحياء التطبيع الثقافي والأكاديمي مع إسرائيل، وثار جدل واسع حول موقف الحركة الأمازيغية من التنسيق الذي يجري بين الكيان الصهيوني، وبين بعض مكونات هذه الحركة التي لا ترى أي حرج في تبادل الزيارات، وتعتبر أن الأمازيغ غير معنيين بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وأن هذا الأمر يخص العرب، ولا يخصهم، وأن المغرب يجب أن ينأى بنفسه عن "التورط" في الصراع مع الدولة العبرية، لأن هويته أمازيغية، وليست عربية!

بدأت القصة سنة 2009، لما قام وفد يضم حوالي عشرين أستاذا من مستويات وتخصصات متعددة، بزيادة الدولة العبرية للمشاركة في حلقة دراسية نظمها معهد ''ياد فاشيم الإسرائيلي'' حول ''المحرقة اليهودية''، وذلك بتنسيق مع "جمعية الصداقة الأمازيغية اليهودية"، التي تم الإعلان عنها في ماي 2007، ثم، عرفت هذه السنة، أي 2018، في أواخر شهر فبراير، زيارة وفد مغربي يضم خمسة إعلاميين إلى إسرائيل، تلبية لدعوة من وزارة خارجية الدولة العبرية، إلى جانب أربعة إعلاميين من لبنان واليمن وسوريا، في تخليد ذكرى "الهولوكوست" وسط حضور كبار المسؤولين الإسرائيليين.

وتشترك الحلقتين الدراسيتين- حلقة 2009 وحلقة 2018- في سعي الدولة العبرية إلى إحياء الذاكرة الإسرائيلية حول الهولوكست والتحسيس بأهمية إثارتها في مناهج التدريس عربيا، والتحسيس بها إعلاميا في المنابر الإعلامية المؤثرة عربيا.

والحقيقة أن هذا الجهد التطبيعي، وإن بدا متقطعا في الزمن، إلا أن حلقاته الاستراتيجية تبدو محكمة ومتصلة، وتستمد عناصرها من جهد أكاديمي بحثي متواصل، يقوم عليه أحد المتخصصين الإسرائيلييين بالشأن المغاربي، وبالقضية الأمازيغية، ويتعلق الأمر، بـ"بريس مادي وايزمان"، صاحب كتاب "الهوية البربرية"، وعشرات المقالات المتخصصة حول الهوية الاثنية للمغرب، والحركة الأمازيغية، والعلاقات الإسرائيلية المغربية وفرص النهوض بها وتطويرها، فضلا عن اهتمامه بكل الإشكالات السياسية والتوترات الاجتماعية والاثنينة والسياسية التي تجري بدول المغرب العربي عامة، والمغرب بوجه خاص.

يجتهد هذا الباحث للتأصيل العلاقات المغربية الإسرائيلية من خلال طرح اثني يعتبر أن المغرب، لما كانت هويته أمازيغية، لم يكن له أي مشكل مع إسرائيل، وأن منشأ الصراع، نتج بسبب الهوية العربية الإسلامية، وأن السعي لاستعادة هذه العلاقة لن يكون إلا بإحياء الهوية الأمازيغية للمغرب، تلك الهوية التي لا تحتفظ بأي حساسية كيفما كان نوعها من الدولة العبرية.

يحصر هذا الباحث في كتاباته عوائق التطبيع بين إسرائيل والدول المغاربية في الحركات الإسلامية والحركات القومية، لأنها- حسب وجهة نظره - هي تعبئ الجمهور العربي، ليمارس الضغط على السلطة ويمنعها من أن تتقدم في مسار التطبيع، ويرى أن رهان أي مخطط استراتيجي إسرائيلي على كسب رهان تطوير العلاقات مع المغرب، يتطلب وجود حليف داخلي يقوم بدور إزالة العائق النفسي والفكري أمام التطبيع الإسرائيلي المغربي، وأن الفاعل الأمازيغي- باعتباره غير عربي الهوية- يستطيع القيام بهذه المهمة، ويستطيع أن يقوم بدور بث خطاب منافس ومقاوم لخطاب الحركة الإسلامية والحركات القومية بشأن قضية الصراع العربي الإسرائيلي.

باستقراء أدبيات هذا الباحث الذي يضطلع بمهمة تجسير العلاقة بين الدولة العبرية وبين الدول المغاربية من بوابة التطبيع الثقافي والتربوي والإعلامي والرياضي، يبرر بريس مادي ويازمان دواعي الرهان على الحركة الأمازيغية الحليفة لإسرائيل في أربع أسباب:

لأنها تحمل خطابا يقطع مع الرصيد الحضاري التاريخي العربي الإسلامي.

لأنها تتبنى خطابا يرتهن إلى النموذج الحضاري الغربي ويتبنى مفاهيمه الكونية، ويعتبر أن السمو للمواثيق الدولية على التشريعات الوطنية.

لأن اهتمامها وأولوياتها للمشاكل الحقيقية للمنطقة، وليس من اهتمامها أولوياتها قضية الصراع العربي الإسرائيلي لأنها لا تدخل ضمن خانة المشاكل الحقيقية الداخلية.

لأنها تتبنى خطابا لا يعادي إسرائيل ولا يناهضها، بل تبحث عن الجذور الثقافية التاريخية للحوار الأمازيغي الإسرائيلي، وما ينتج عن ذلك من مبادرات للاتصال والتطبيع مع إسرائيل.

في دراسته:" إسرائيل والعلاقات مع الدول المغاربية حقائق وإمكانات" (2009)، والتي قدمت كورقة في مؤتمر "إسرائيل والدول العربية: المصالح المتوازية، العلاقات، والاستراتيجيات"، نظمه، في يونيو 2009، كل من مركز البحث العام في الشؤون الخارجية ومركز كونراد إدنهاور بالقدس المحتلة، تحدث الباحث عن الخيارات المطروحة أمام إسرائيل للتقدم في مسار التطبيع مع دول المنطقة سواء على مستوى السياسات الإقليمية، أو على مستوى التعاون الأمني أو على مستوى التعاون في المجال الاقتصادي، أو على مستوى المجتمع المدني.

وضمن هذا المستوى، أي المجتمع المدني، اعتبرت الدراسة أن أمام إسرائيل مساحات معتبرة لتوسيع الاتصالات مع مكونات المجتمع المدني بدول المغرب العربي سواء بشكل مباشر أو عبر وساطة مكونات ثالثة، وأشار إلى وجود انفتاح أكاديمي على إسرائيل، سواء بالنسبة للباحثين الذين يتواجدون داخل هذه الدول المغاربية، أو الذين يستقرون في أوربا وشمال أمريكا، وبهذا الخصوص عددت الدراسة أكثر من سبع خيارات، من ضمنها الرهان على الحركة الأمازيغية، منطلقة من جملة من المقومات التي تعتبرها تفتح الإمكانية للتعاون الإسرائيلي مع هذه الحركة واستثمارها ضد الإسلاميين والقوميين، ذكرت منها كون الحركة الأمازيغية حركة مناهضة للقومية العربية ومعادية لحماس، وكذا قيام ناشطين أمازيغ بزيارة إسرائيل، وإعلان بعضهم عقد جمعية للصداقة مع إسرائيل.

وحتى يتم تفادي الاستعمال غير الأكيد لهذه الخيارات، ومنها على وجه الخصوص استثمار الورقة الأمازيغية، اقترح بريس مادي وايتزمان، أن تتحلى إسرائيل بقدر كبير من الحكمة في التعامل مع الحركة الأمازيغية، حتى لا يتم اتهامها بالتدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، ويوصيها أن تتعامل مع هذا الملف بشكل حذر حتى لا تصبح هدفا لاتهامات الأنظمة السياسية.

وتوصي الورقة إسرائيل بضرورة أن تكون مطلعة على ازدهار الثقافة الأمازيغية الحديثة في فرنسا، وأن تطور علاقاتها الثقافية مع الحركة الأمازيغية على جميع المستويات.

هذه الخلفية البحثية، والتي انطلقت من سنة 1992، وهذه التوصيات الحذرة، تفسر الأسباب التي جعلت الزيارات المعلنة للوفود المغربية أو المغاربية للدولة العبرية محدودة، ومتباعدة من حيث الزمن، كما جعلت الكثير من اللقاءات التي تجري في عدد من بلدان أوربا، محاطة بالسرية.

لكن، في المقابل، ما يفسر إحياء دينامية التطبيع من هذه البوابة- بوابة الحركة الأمازيغية الحليفة لإسرائيل- هو الوضع الدولي والإقليمي والمحلي، فالعالم العربي يعرف اليوم مستوى غير مسبوق من التمزق والانهيار، ومشاريع تهويد القدس واختطافها، تسير على قدم وساق، وربما بدعم عدد من بعض الدول العربية.

أما على المستوى السياسي الداخلي، فيبدو أن انعكاسات الزلزال السياسي على جسم الحركة الإسلامية في المغرب، وانشغالها اليوم بإعادة لحمتها الداخلية، فضلا عن تراجع أداء القوى السياسية المحسوبة على مواقف الحركة القومية، خلق بعض الثقوب في جدار الممانعة، وسمح لمخططات التطبيع أن تحقق بعض أهدافها، سواء من خلال زيارات معلنة إلى الكيان الصهيوني أو من خلال التمكن من إجراء منافسات رياضية حضر فيها رياضيون مثلوا الدولة العبرية كما هو الشأن في منافسات البطولة العالمية للجيدو التي نظمت بأكادير (جنوب المغرب) في الأسبوع الثاني من شهر مارس الماضي، والتي شاركت فيها سبع بطلات من دولة الاحتلال الإسرائيلي.

التعليقات

أضف تعليقك