بن كيران الزعيم .. ولكن بن كيران المعلم المستبصر !!

محمد يتيم
قراءة : (780)
الأحد, مارس 26, 2017 - 17:30
بن كيران الزعيم .. ولكن بن كيران المعلم المستبصر !!

الذين لم يستسيغوا الإعلان عن الأغلبية الحكومية بالتركيبة التي أعلن عنها الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المكلف بتشكيلها أمس السبت وانتقدوه وانتقدوا الحزب أيضا، رأيهم محترم ومقدر ومتفهم.

ومن تألموا لإنهاء مهمة بن كيران كرئيس حكومة معين وتعاطفوا معه من حقهم ذلك لكن هناك معطيات مهمة وجب أن يعلموها وعلى رأسها أن لمؤسسات حزب العدالة والتنمية تقديرها كما لهم تقديرهم وفي نهاية المطاف هي التي تقرر بعد أن تستعرض كافة المعطيات والاحتمالات.

يتعين على الجميع أن يستحضر المعطيات التالية :

إبن كيران كان على وعي منذ البداية بصعوبة المهمة ، كما أصبح على اقتناع تام قبل إعفائه بأسابيع بأن تشكيله للحكومة قد أصبح متعذرا وكان عازما على أن يرفع الأمر إلى الملك وكان ينصح من قبل عدد من مستشاريه بتأجيل ذلك

اختلف بن كيران وانتقد بعض التصريحات والتقديرات التي كانت تغلق خيار تعيين شخص ثاني من حزب العدالة والتنمية، وكان يعتبر أنه أحد المخارج الممكنة لتجاوز حالة الانسداد، وهو الخيار الذي انتهى إليه جلالة الملك بين خيارات متعددة، وهو أيضا الخيار المتوافق مع الدستور، ولذلك كان بن كيران الأكثر استعدادا لهذا السيناريو بل والداعي لعدم إغلاق بابه وفي ذلك غلب بن كيران منطق المعلم المستبصر لا منطق الزعيم المنتصر !!

كان بن كيران أول المرحبين ببلاغ الديوان الملكي وبتعيين الدكتور سعد الدين حتى قبل أن تجتمع الأمانة العامة أو المجلس الوطني، وغلب في ذلك منطق المعلم المستبصر مما يسر على الأمانة العامة والمجلس الوطني اتخاذ المواقف التي جعلت التسريع بتشكيل الأغلبية الحكومية أمرا ممكنا.

كان هناك ما يشبه الإجماع في المجلس الوطني على استبعاد خروج الحزب للمعارضة وتقدير عالي لكلفته على البلاد والمجتمع و انتظارات المواطنين الذين أرادوا لتصويتهم المكثف على الحزب أن يواصل مسيرة الإصلاح التي بدأها في الولاية السابقة، المواطنين الذين لا يفهمون تعقيدات السياسة ودهاليزها و لا حكايات البلوكاج  وأخنوش ولشكر والتحالف الرباعي.

عشرات من تدخلات أعضاء المجلس الوطني، أكدت على ضرورة رد التحية الطيبة التي وجهها الملك إلى أعضاء الحزب حين علموا من الدكتور سعد الدين العثماني، أن الملك أبلغه أنه يريد أن يواصل الاشتغال مع الحزب ، و أكدت أنه من الحمق السياسي أن يهدر الحزب فرصة ثانية أتيحت له لتشكيل الحكومة مما سيعطي الفرصة للمتربصين به ليقولوا أنه حزب متعنت يسعى للهيمنة ،، ويفسح الفرصة لكافة النعوت و الأوصاف الجاهزة.

لم تكن المشكلة بالمناسبة في يوم من الأيام هي مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة فما فتيء بن كيران يعرض على هذا الحزب المشاركة منذ سنة 2011 وظل " يغازله " خلال جلسات الأسئلة العامة كما كان وجوده مرحبا به في الحكومة في بدء المشاورات لولا تغير المعطيات، وحين تحول الاتحاد إلى "شرط واقف " من قبل أحزاب أخرى لا بد أن يدخل الحكومة عنوة عبر نافذتها وليس عبر بوابة رئيس الحكومةً ، والشكل في السياسة مهم أيضا بل هو جزء لا يتجزأ من المضمون ، وفي المفاوضات الأخيرة تغير الشكل، وتغيرت معطيات أخرى أخذها رئيس الحكومة ومعه حزبه بعين الاعتبار.

ينبغي إزالة لَبْس قد يقع فيه البعض : أن نجاح العثماني في تشكيل الحكومة لا يعني فشل بن كيران في ذلك، و"صمود" هذا الأخير لا يعني تخاذل الأول ، فكلاهما كان مصيبا بحسب المعطيات التي كانت متوفرة ، وكلاهما اجتهد من خلال تلك المعطيات ، والاهم من ذلك أنه كما تلقى بن كيران مساندة تامة من قبل هيئات حزبه أي من المجلس الوطني ومن الأمانة العامة تلقى سعد الدين العثماني نفس المساندة وتلقى نفس المساندة على الأخص من الأخ الأمين العام للحزب .

هذا الكلام ليس موجها لبعض الشامتين الذين يقولون في مثل هذه المناسبات : ألم نقل لكم أن طريق الإصلاح من داخل المؤسسات طريق مسدود، وأنه لا أمل في الإصلاح في ظل نظام " مخزني " بتعبيرهم، وأن الحل هو قوامة شاملة أو ثورة جذرية أو إعلان عن قيام ملكية برلمانية، فتلك رؤيتهم ولنا رؤيتنا وذلك منهجهم ولنا منهجنا في الإصلاح لا يتغير بمجرد إقدام أو إحجام، ولا بخسارة أو كسب مواقع، ويكفي أن تطورات الواقع السياسي تبين بالملموس أن القبول بمبدأ المشاركة والعمل بمنطقها ليس هو الطريق الأيسر والأسهل، أو أنه طريق مفروش بالورود !!! وأنه طريق الانبطاح كما يزعمون،

 إذ يكفي أن نقول أنه لولا الإصرار على المشاركة السياسية المؤسساتية لما انكشفت عدة معطيات، ولما كان هناك هذا الحجم من الوعي والتتبع لمسار البلوكاج، وتلك المواقف المساندة أو المعارضة لتشكيل الأغلبية الحكومية بالشكل الذي تمت به، ولا تلك المواقف المتحسرة على المنهجية الديمقراطية، وباختصار لما كان هذا التنامي الملموس في الوعي السياسي والاهتمام بالشأن العام.

هو ليس موجها أيضا إلى أولئك الذين اكتشفوا اليوم في بن كيران زعيما وطنيا وشهيدا في معركة مواجهة التحكم.

كما أنه ليس موجها إلى بعض غرف التحرير التي مهما كان تقديرنا لاستقلاليتها،  ومهنيتها ولـ"رؤيتها السياسية " للأمور، فإنها تبقى سلطة خامسة في أحسن تقدير، ولا يمكن أن تنوب عن مؤسسات حزبية أو تزايد عليها،  و لا أن تكون "كيرانية" أكثر من بن كيران نفسه ، ناهيك أن يكون موجها للمنابر التي تتكلم بـ"أصوات أسيادها " مع حفظ الصفات والألقاب !

هو كلام موجه للمناضلين والمتعاطفين والمراقبين الموضوعيين الذين يعرفون ويعترفون بتعقيد الواقع السياسي المغربي وتعقد عملية الإصلاح عامة.

لن. نستشهد بنصوص تراثية مثل ما قاله ابن عقيل في السياسة الشرعية ومثل ما قاله ابن القيم وابن تيمية في قواعد الترجيح بين المفاسد والمفاسد والمصالح و المصالح والمفاسد، وهي بالمناسبة قواعد عقلانية في تدبير السياسة، نجدها عند مفكرين وسياسيين غير مسلمين، حتى لا يقول البعض أنكم تشبهوننا بقريش وأبي سفيان وتضعون أنفسكم في مقام الصحابة.

ومن ذلك على سبيل المثال الطبيعة اللولبية لعملية التغيير والتطور الاجتماعي أي أن هذه العملية لا تسير في خط تصاعدي كما أشار إلى ذلك كارل ماركس ولينين وغيرهم الذين اخترعوا مفاهيم عملية من قبيل التناقضات الأساسية والتناقضات الثانوية ، و" خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الإمام" ونظرية تصفير التناقضات الخارجية من اجل التفرغ للإصلاح الداخلي عند دَاوُدَ أوغلو وزير الخارجية التركي الأسبق ونظرية الكتلة التاريخية لكرامتي وعابد الجابري المغربي وهلم جرا ..

لكن بعيدا عن هذه المفاهيم النظرية وهي ضرورية لبناء الوعي السياسي وتحريره من العواطف والضغوط الإعلامية، وضغوط الشامتين وحقد المتربصين الفاشلين ومن باب الاعتبار بـ" الأشباه والنظائر " دعونا نستحضر تجربة قريبة هي التجربة التونسبة حيث قررت حركة النهضة بإرادة حرة وواعية ومستبصرة مغادرة الحكومة والتحالف مع نداء تونس .

طبقت النهضة عمليا الشعار الوارد في النشيد الوطني التونسي : نموت نموت ويحيا الوطن، والتشبيه مع فارق كبير في الحالتين والسياقين.

اختارت النهضة كما حكى لنا الأستاذ راشد الغنوشي على مائدة عشاء في بيته  السنة الماضية بمناسبة انعقاد المؤتمر الوطني للنهضة قائلا : لقد قررنا أن نلقي بأنفسنا خارج السفينة كي لا تغرق السفينة ونغرق جميعا"

فعلوا ذلك رغم المرارة التي كانت سائدة لدى قواعد النهضة ورغم شماتة وفرح الخصوم وقرروا في المؤتمر قرارا استراتجيا التخلي عن البعد الدعوي لحركة النهضة باعتبارها حزبا سياسيا.

لكن كما حكى لي أحد الإخوة الذي مثل الحزب في احد المؤتمرات بتونس : تونس بدأت تستعيد عافيتها الاقتصادية، النهضة أصبحت اليوم رقما صعبا في الإصلاح وتتعاون مع قوى أخرى القيام بهذه المهمة التاريخية.

النهضة خرجت موحدة و أصبحت أول كتلة سياسية في البرلمان وأكبر حزب منظم ونشيط وبناء في تونس في الوقت الذي تتمزق فيه منظومات حزبية أخرى ويتراجع فيها خطاب الاستئصال.

تونس كما المغرب هي بلاد العلامة بن خلدون الذي كتب كتابا اسمه " ديوان العبر " وجعل من التاريخ مختبرا لعلم السياسة.

ديوان العبر الذي لا غنى عنه في تخريج سياسيين زعماء نعم ولكن زعماء سياسيين معلمين مستبصرين على غرار بن كيران الذي غير الموقع لكن لن يتخلى عن النضال .. والذين يحبون الرجل ينبغي أن يسمعوا لكلامه ويتعلموا من استبصاره لا أن يأسوا لحاله وماله ..!!.

 

التعليقات

أضف تعليقك