تناوب المثقفين المغاربة

حسن طارق
قراءة : (75)
الجمعة, مارس 16, 2018 - 19:30
تناوب المثقفين المغاربة

تحل قريبا الذكرى العشرين لتأسيس حكومة التناوب في المغرب، بعد دعوة الملك الراحل الحسن الثاني الزعيم الاشتراكي، عبد الرحمن اليوسفي، لقيادة الحكومة في العام 1998. ولذلك ربما يكون من الملائم القيام بتقييم سريع للأثر الذي تركته تجربة التناوب باعتبارها موضوعا للكتابة السياسية، وحدثا كبيرا في اليوميات الرتيبة للحياة العامة ببلادنا، ومرحلة تميزت بكثير من الكثافة والتحولات والقطائع والديناميات.
علاقة بالموضوع، شهدت الساحة السياسية، في الأسبوع الماضي ـ تقديم شذرات من مذكرات اليوسفي بمناسبة ذكرى ميلاده الرابع والتسعين، يوم 8 مارس. وعلى الرغم من أن هذه المذكرات لم تشف غليل المتتبعين، لأنها تركت ظلالا كثيرة في مساحات واسعة من التاريخ السياسي لهذا القائد الوطني، فإنها عموما قد تشكل، إلى جانب مذكرات أخرى صدرت خلال السنوات الأخيرة، بداية تأسيس تقاليد جديدة داخل مجال عمومي، تطغى فيها الثقافة الشفهية و"إستراتيجيات الكتمان والسرية" التي تدمن عليها النخب السياسية المغربية.
على الرغم من التقدم الذي أنتجه دخول الصحافة المستقلة إلى الحقل السياسي، وبثها نفسا جديدا من الشفافية ودمقرطة المعلومة، وهي تقوم بوظيفة "تأريخ اليومي". وعموما يبدو أن ثمة أربعة أنماط أساسية، تتوزع حولها الكتابة السياسية التي اتخذت من مرحلة التناوب (1998-2002) أفقا لها. يتعلق الأول بما يمكن تسميتها كتابات المثقفين. ويرتبط الثاني بالنصوص التي أنتجتها الأحزاب السياسية، في قراءتها أبعاد هذه المرحلة. فيما يتعلق الثالث بالأبحاث الأكاديمية التي اشتغلت على موضوعية التناوب. أما النمط الأخير فينتمي إلى ما يمكن تسميتها كتابات الفاعلين.
ولأن حجم هذه المساحة لا يسمح بجرد كل ما كتب داخل هذه الأبواب الأربعة، يمكن الوقوف بشكل عابر داخل هذا النمط الأول، حيث يبقى هنا نص الراحل محمد عابد الجابري عن "مستقبل التجربة الديمقراطية في المغرب" من أكثر الكتابات التي أثارت متابعات ونقاشا كثيرين. والدراسة أصلا محاضرة ألقيت في بيروت في 30 نونبر 1998. ولعل أكثر ما وقف عليه المتتبعون لهذه الدراسة الخلاصة التي قدمها صاحب "نقد العقل العربي" بشأن أن مشكلة المغرب، في تاريخه السياسي الحديث، هي الصراع حول من سيكون إلى جانب الملك ويكون الملك إلى جانبه، هل الحركة الوطنية وامتداداتها أم "القوة الثالثة" التي أراد الاستعمار أن يرهن بواسطتها الملك. الدراسة الأخرى، والتي استطاعت أن تعيد كاتبا كبيرا إلى قضايا الشأن العام والحياة السياسية، تمثلت في كتاب المفكر الراحل عبد الكبير الخطيبي، "التناوب والأحزاب السياسية"، حيث قدم الأكاديمي والروائي تأملاته بشأن المرحلة منطلقا من "الصورة العائلية" التي جمعت بين الملك الراحل، الحسن الثاني، ووزراء حكومة عبد الرحمان اليوسفي. وهي صورة لا تخلو من دلالات ورموز ثقافية بالنسبة لجيل عبد الكبير الخطيبي. وإذا كان مثقف وفيلسوف من حجم محمد سبيلا قد ظل حاضرا داخل المجال العمومي متتبعا ومتدخلا في النقاش السياسي الوطني، من موقفه الفكري طبعا، فليس من الغريب مصادفة كثير من تأملاته العميقة بشأن تجربة التناوب، خصوصا في مؤلفه "السياسة بالسياسة في التشريح السياسي" أو داخل المؤلف الذي ضمنه العديد من حواراته السياسية والفكرية "أمشاج ...حوارات في الثقافة والسياسة".
ليس من المستقيم إطلاقا إنهاء الحديث عن تفاعل المثقفين المغاربة مع حدث حكومة التناوب، من دون طرح التساؤل حول حالة كاتب استثنائي هو عبد الله العروي. ولنلاحظ أن صاحب "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" تحاشى دائما أن يكتب بشكل مباشر حول الوضع السياسي المغربي، عدا الأجزاء الصادرة من مذكراته "خواطر الصباح"، أو شهادته عن "مغرب الحسن الثاني"، والتي رفض ترجمتها إلى العربية.
ولأنه اختار ذلك، فقد كان دائما ضحية الانتشار الواسع والتأويلات السياسوية لبعض المقالات التي طُلب منه أن يدبجها في سياقات خاصة، مثل التي نقرأها في "سلسلة تشييد دولة حديثة"، و كان يشرف عليها وزير الداخلية الراحل، إدريس البصري. في هذا السياق، وأمام غياب أي نص مكتوب يتناول فترة التناوب، فقد كان للمرور التلفزي لهذا المفكر، على شاشة القناة المغربية الثانية، في برنامج "في الواجهة"، في صيف 2000، أثر مهم لقياس تفاعل مثقف كبير مع حدث سياسي وازن. ولعل الذين قدّر لهم متابعة البرنامج، أو قراءة الحوار مكتوبا، في عدد من الصحف، منها مثلا "دفاتر سياسية" في غشت 2000، قد احتفظوا بقراءته حدث التناوب باعتباره تأويلا برلمانيا للنظام السياسي المغربي.

التعليقات

أضف تعليقك