حوار..الخصاصي يبرز إستراتيجية المغرب في الحفاظ على سيادته المالية

التاريخ: 
السبت, سبتمبر 16, 2017 - 12:30
حوار..الخصاصي يبرز إستراتيجية المغرب في الحفاظ على سيادته المالية
حاوره: المحجوب لال
قراءة : (343)

يحتضن مقر الخزينة العامة للمملكة بالرباط يومي 15 و16 شتنبر الجاري أشغال الدورة الـ 11 للندوة الدولية للمالية العمومية تحت شعار "المالية العمومية وسيادة الدول"، وفي هذا الإطار، أجرى pjd.ma حوارا مع عادل الخصاصي، أستاذ التشريع المالي بجامعة محمد الخامس- الرباط، وذلك لمقاربة موضوع "السيادة المالية في ظل إكراهات العولمة"، وكذا "مخاطر تدبير النفقات العمومية في الظرفية الراهنة"، وصولا لمسألة "الإستراتيجية الممكن اعتمادها من قبل المغرب للحفاظ على سيادته المالية".

وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

1- ما الذي تَبَقى من مفهوم السيادة في ظل الإكراهات التي طالتها جراء العولمة؟

مما لاشك فيه أن مفهوم السيادة، كمنطلق مؤسس للنظام القانوني الدولي، قد شهد مجموعة من التحولات فرضتها ظاهرة العولمة، فهو لم يعد يقتصر على تلك التمظهرات التقليدية التي دونها أساتذة القانون الدولي في أدبياتهم المختلفة، بل تقع اليوم عملية دمج الأمة والدولة ضمن عالم جديد عناوينه البارزة التحديات الاقتصادية والمالية والبيئية التي تطرحها تحديات العصر.

إن العالم اليوم شاهد على تصدع حقيقي لمفهوم السيادة في معناه المطلق الذي نادى به جون بودان، ومرد ذلك إلى تداخل الفضاءات وتصاعد وتيرة المعاملات المالية والتجارية والمصرفية، وتلاشي الحدود الجغرافية، حيث يتم البحث عن محددات أخرى للسيادة تعكس الدينامية الجديدة لعالم فقدت فيه الدول قدرتها على الحفاظ على استقلالية قرارها السيادي في عدد من المجالات بما فيها المجال الاقتصادي والمالي.

فبعيدا عن التنازل الإرادي عن جزء من السيادة من لدن مجموعة من الدول ضمن سلوكها الإرادي الرامي إلى الاندماج الإقليمي، كما حصل مثلا في المجموعة الأوربية، فإن البحث ضمن هذا السياق يروم تحليل التأثيرات المحتملة للعولمة على السيادة المالية للدول، والتي تراجعت معالمها في العديد من النماذج الدولية، ذلك ما شكل موضوع الندوة الدولية الحادية عشر حول المالية العمومية وسيادة الدول والتي نظمتها وزارة الاقتصاد والمالية يومي 15 و16 شتنبر الجاري برحاب الخزينة العامة للمملكة، بتعاون مع المؤسسة الدولية للمالية العامة، لتشكل فرصة للتفكير وتبادل التجارب بخصوص مآل السيادة المالية للدول.

2- هل هناك من خصوصية ظرفية أو سياق خاص لتنظيم ندوة دولية بخصوص المالية العمومية و السيادة؟

إن تنظيم هذه الندوة الدولية يأتي في سياق يرتبط أولا بالموضوع الذي كان عنوانا للنسخة السابقة، وهو صناعة القرار المالي بالمغرب، والإشكالية المطروحة اليوم للنقاش تعكس منحى تطوريا في التعامل مع القضايا المالية الراهنة.

فمعظم الأدبيات المالية الصادرة تؤكد هذه الخصوصية التي أضحت تميز التحديات المطروحة على المالية العامة في الوقت الراهن، والتي تجد أساسها في إكراهات العولمة، انطلاقا من المفارقة القوية التي تواجهها العديد من الدول والمتمثلة في وجوب توفير مساحات ميزانياتية جديدة مع الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، بالإضافة إلى ضرورة ضخ موارد مالية ما فتئت تُضَيق العولمة دائرتها نظرا لإنتهاج سياسات التحرير الإقتصادي وإطلاق روح المبادرة الفردية وإقرار فلسفة التبادل الحر كخيار إستراتيجي لا محيد عنه من أجل ركوب قاطرة التنمية.

ويزيد من أهمية موضوع هذه الندوة واقع التحولات التي يشهدها الحقل المالي، وكذا مستجدات المرحلة الحالية التي تتميز بتزايد حدة المطالب الاجتماعية في العديد من الدول والمناطق مع ما يرافق روح الاحتجاج الجماعي هذا من رفع لسقف الحاجة إلى الإنفاق في الميادين الاجتماعية.

كما يأتي تنظيم هذه الندوة الدولية ضمن سياق وطني متميز من أهم تجلياته الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش المجيد والذي سجل ضعف أداء التدبير العمومي في عدد من القطاعات. فعقد هذه الندوة يعكس المقاربة الإستباقية لدى الإدارة المالية في تجسيد مضامين الخطاب الملكي، ويبرز الحرص القائم لدى متخذ القرار المالي أيضا لاستثمار الفرص الممكنة، والتي من شأنها أن ترفع تصنيف المملكة إلى مصاف الدول الصاعدة، على اعتبار أن المال العام يشكل عماد وعصب تدبير المرافق العمومية والحياة العامة.

3- هل هناك من مخاطر تتصل بتدبير مالية الدولة خلال المرحلة الراهنة؟

إن المرحلة المالية الحالية مرحلة عصيبة، وهي تحتاج إلى عقلنة للنفقات العمومية كإرث خلفته تراكمات عهود من التدبير المالي استحضرت بالأساس معطيات التوازنات الماكرو-إقتصادية، وفاء منها لوصفات مؤسسات بروتن وودز دون اكتراث بسياسات التنمية البشرية المندمجة، كما تطرح أيضا هذه المرحلة إكراهات البحث عن مصادر تمويلية جديدة دون المساس بالسيادة المالية للدولة، والتي قد ترهن مصير أجيال مقبلة بديون تثقل كاهلهم في المستقبل.

وعليه فصياغة نموذج مغربي أصيل في تدبير شؤون المالية العامة يتطلب جرأة وشجاعة على تحمل تبعات المصاعب وأخطاء التدابير المتخذة والإجراءات المزمع طرحها لرفع المشاكل البنيوية عن الاقتصاد المغربي.

فلا يكفي الجهر بالولاء الدائم للنموذج الليبرالي دون تقدير احتمالات أزماته، حيث يقتضي مثلا تدبير العجز في الميزانية تصورا يستحضر البعد الدولي للأزمات المالية، ويقر بصعوبة الانسلاخ عن ظاهرة الإعتمادات المتبادلة بين الاقتصادات الوطنية، مما يدفع إلى البحث الجدي عن الموارد المالية في ظل إكراهات إقامة مناطق للتبادل الحر مع الشركاء التجاريين، وفي غياب شروط التأهيل الأمثل للنسيج الاقتصادي وللثروة البشرية.

4- ما هي في نظركم الإستراتيجية التي يمكن اعتمادها للحفاظ على السيادة المالية للمغرب؟

لاشك أن خصوصية المرحلة التاريخية من حيث حجم التمفصلات، قد حولت معالم الدولة والمجتمع، وأنه بات من الضروري إعادة النظر في نماذج المؤسسات والمرجعيات القائمة نتيجة لظاهرة العولمة والثورة الرقمية.

ومما هو مؤكد أيضا أن التدبير المالي العام، كلما كان واضحا أكثر كلما كانت المشاريع العمومية ممكنة التحقق على أرض الواقع، بحيث يزيد هذا الأمر من قدرة الدولة على الحفاظ على سيادتها المالية، وبالتالي عدم اللجوء إلى الاقتراض من الخارج، مع ما يستتبع هذا الأمر من التحكم في مصير الأجيال القادمة وعدم رهن صنع السياسات العمومية الوطنية لإملاءات المنظمات الدولية.

وعليه فالإستراتيجية الممكن تتبعها للحفاظ على السيادة المالية للدولة تتمثل أولا في إتاحة الفرصة لإعادة التساؤل بخصوص وظيفة الدولة في ما يخص التعاقد الإجتماعي الذي ينبغي أن يؤسس للعلاقات بين هذه الأخيرة من جهة والمواطنين من جهة أخرى. كما تكمن في معالم هذه الإستراتيجية أيضا في الوظائف الجديدة التي يمكن أن تضطلع بها المالية العمومية في علاقتها بالأدوار الجديدة التي يمكن أن تضطلع بها الدولة مستقبلا.

هذا وإن السياسات الموازناتية والضريبية والنقدية قد أصبحت متداخلة اليوم أكثر من أي وقت مضى وهي مترابطة في عالم الاعتمادات المتبادلة، ذلك أنه إذا كانت السلطات العمومية قد سجلت بإيجابية الطفرة التي عرفها الاقتصاد المغربي وقدرته النسبية على امتصاص الصدمات سواء منها الناتجة عن عوامل داخلية كالجفاف أو المترتبة عن عوامل خارجية كالأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الأولية، فإن بعض أوجه الضعف والقصور لازالت حاضرة في ما يخص طبيعة النموذج التنموي المغربي والتي تتجلى بشكل جلي في ضعف تنافسية الاقتصاد الوطني ووضوح الفوارق الاجتماعية.

لذا فالسمات الجديدة لهذا النموذج البديل ينبغي أن تشرك الفضاءات الدولية في إنتاج النموذج التنموي الأصيل للدولة، حيث لا يمكن الاستمرار في تركيز الدور المحوري للميزانية العامة للدولة على مستوى قيادة المالية العمومية، بل ينبغي الاعتراف اليوم بتضاعف أهمية السلطة المالية خارج حدود الفضاء العام، ذلك أنه بين الفضاء الدولي والوطني ثمة شبكات ممتدة على المستوى الأفقي داخل المنظمات الدولية والشركات العابرة للحدود الوطنية.

كما أن السيادة النقدية إذا كانت أكثر ارتباطا اليوم بالخارج بفعل المتغيرات التي تتحكم في محدداتها، على اعتبار أن تصنيف العملة الوطنية يحسم فيه بالإضافة إلى الرصيد من احتياطي العملة الصعبة عناصر أخرى مرتبطة بتقدير المؤسسات الدولية للنشاط التجاري للدولة ووضعية الميزان التجاري ومستوى التنافسية الاقتصادية، فالسيادة الضريبية تخضع للمساهمة المهمة للمنظمات الدولية في وضع قواعد التشريع الضريبي للدول، مثلا من خلال الدور الذي تلعبه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في ما يخص وضع القواعد والمعايير الخاصة بالتشريع الضريبي لعدد من الدول.

علاوة على ما تقدم، نسجل أن السياسة الموازناتية اليوم بفعل التأثيرات التي تباشرها العولمة قد جعلتها خاضعة لمجموعة من الضوابط التي تمليها بعض المنظمات الدولية. وفي هذا الإطار يمكن التأكيد على أن مجلس القواعد المحاسبية الدولية للقطاع العام (IPSAS)، وهو منظمة دولية تهتم أساسا بالقضايا المحاسبية والمالية، أصبح هو من يشرع في المجال المحاسبي للقطاع العام، والمغرب يعد أول دولة عربية وثالث دولة إفريقية تنضوي تحت لواء هذه المنظمة الدولية، وهو في مسعاه هذا يروم تطوير منظومته المحاسبية والارتقاء بها إلى مستوى المعايير المحاسبية الدولية، وكذا تثبيت سيادته المالية من خلاله دوره الفاعل ضمن هذه المنظمة.

ويمكن الإشارة في هذا الصدد، إلى أن المغرب أصبح يجني ثمار انضمامه لهذه المنظمة الدولية، فبفضل اعتماد المغرب المعايير المحاسبية الدولية تزداد ثقة الأسواق الدولية في المغرب كلما رغب في المصادر التمويلية، وهذا تعكسه بدرجة أساسية مستويات التصنيف الدولية التي يحصل عليها المغرب من وكالات التنقيط الدولية في السنوات الأخيرة.

فهذه التحديات تترجم الوعي الحقيقي بكون المغرب يعيش ضمن مجتمع عالمي تتفكك فيه القيود، وأن المنعطف التاريخي الذي يرسم اليوم، يتأسس على نسبية معطى السيادة ويبنى على روح المسؤولية الذي ينبغي أن يظل هو الوثاق الذي يتجدد على عهده العقد الاجتماعي  القائم بين الدولة والمجتمع.

ومما يزيد من أهمية هذا الوعي المتنامي لدى متخذ القرار المالي ما أشار إليه الدكتور نور الدين بن سودة الخازن العام للمملكة في تقريره التقديمي خلال هذه الندوة، أنه إذا كانت محدودية سيادة الدول في الوقت الراهن مصدرها الأصلي هو ظاهرة الاعتماد المتبادل والعولمة والاقتصاد الرقمي، فالدولة تبقى الضامن الأول ومسؤوليتها كذلك منعقدة تجاه الأجيال الحاضرة والقادمة. كما أن مبدأ المسؤولية يفرض على الدولة أن تكون عند وضع اختياراتها أقل ضررا في علاقتها بالمجتمع.

فتهيؤ المغرب لحماية سيادته المالية يقتضي أن يمر عبر التفعيل الحقيقي لمبدأ المسؤولية، والذي يتطلب من الدولة ألا تعول سوى على مواردها الذاتية بالدرجة الأولى، وأن من مسؤولياتها إعادة ترتيب أولوياتها بالشكل الذي يجعل كل أنشطتها المتدخلة في خدمة مصالح المواطنين.

وتزداد في هذه السنة حساسية هذا الموضوع  في أكثر من موضع لأنه يصعب اليوم في عالم العولمة الحفاظ على السيادة المالية والميزانياتية، مع العلم أن أوضاع الشؤون المالية  لبعض الدول قد أصبحت مرتهنة للخارج ولنا في كل من اليونان والأرجنتين خير نماذج لتأكيد هذا الطرح.

وتبين هذه الأمثلة وغيرها كثير على كون السيادة المالية للدولة لم تعد قادرة على مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والضغوطات في الميزانية، وهذا ما شهدته غالبية بلدان العالم بفعل أزمة سنة 2008 وما رافقها من هزات اقتصادية ومالية كانت نتيجة منطقية لترابطها الاقتصادي والنقدي.

ومن هنا تأتي أهمية وضع تدابير أصيلة من أجل استيعاب الصدمات المالية الدولية على نحو أفضل، حيث لم يتوقف المغرب منذ أزمة سنة  2008 عن استعادة عافية المالية العامة، فضلا عن آليات البرمجة الميزانياتية والحكامة الضريبية، واعتماد قانون تنظيمي جديد لقانون المالية، والذي يمثل دستورا حقيقيا لمالية الدولة لكونه يهدف التحول من التدبير الميزانياتي القائم على الوسائل إلى التدبير المرتكز على تحقيق النتائج ونجاعة الأداء التدبير العمومي، وهو ما يؤسس لقواعد تحسين استقلالية السيادة الميزانياتية وإقرار ضوابط جديدة للرقابة الفعالة على المال العام قوامها تقديم الحساب و ربط المسؤولية بالمحاسبة.

5- ما هو تقييمكم لهذه الندوة؟

يمكن القول، إن هذه الندوة الدولية نموذج حي للندوات الذكية التي تحول الإدارات المغربية إلى جسر للتواصل وشريك حقيقي يساهم في النقاش العمومي بخصوص القضايا الراهنة للبلد، حيث يتم استقطاب خبراء دوليين وفاعلين للمساهمة في تقديم توصيات واقتراحات تجعل من هذه الندوات فضاء ليس فقط للنقاش، وإنما للتكوين المؤسسي وتبادل الخبرات أيضا لفائدة مسؤولي الإدارة المغربية عموما.

تقديم: 
حوار

التعليقات

أضف تعليقك