حوار..اليونسي يقارب حصيلة الولاية التشريعية التاسعة في ضوء دستور 2011

التاريخ: 
الأحد, أغسطس 14, 2016 - 23:45
حوار..اليونسي يقارب حصيلة الولاية التشريعية التاسعة في ضوء دستور 2011
حاوره: أحمد الزاهي
قراءة : (4228)

اختتم البرلمان مؤخرا ولايته التشريعية التاسعة التي جاءت بعد إقرار دستور 2011 الذي عزز مكانة المؤسسة التشريعية من خلال تقوية سلطاتها الدستورية، والوظائف المنوطة بها إسوة بالديمقراطيات الرائدة على الصعيد الدولي.

هذه المكانة الجديدة التي خولها المشرع الدستوري للمؤسسة التشريعية، تطرح سؤالا محوريا عن مدى قدرة البرلمان على تفعيل الصلاحيات الجديدة التي أتى بها دستور 2011، وهو ما يوضحه عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الأول بسطات، من خلال الوقوف عند حصيلة أول ولاية تشريعية بعد دستور جديد، حيث أكد أن "السلطة التشريعية لها دور مهم في إنجاح وحماية الانتقال الديمقراطي، ففي كل التجارب المقارنة كان لهذه السلطة دور مساعد لباقي السلط، في الشق المتعلق بتوفير الشرعية والمشروعية لكل الإصلاحات البنيوية على مستوى الدولة والمجتمع".

وكشف اليونسي، في حوار مع pjd.ma، عن أربع خصوصيات تميز هذه الولاية التشريعية التاسعة، على مستوى التطور السياسي ومسار البناء الديمقراطي. وأوضح أهم الصعوبات والعراقيل التي تؤثر على الحكامة البرلمانية، مشيرا في الوقت ذاته، إلى بعض  السلوكيات التي تسيء إلى هذه المؤسسة الدستورية، وتعيق بالتالي التراكم في اتجاه انجاز انتقال ديمقراطي حقيقي.

وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

ما تقييمكم الأولي لحصيلة الولاية التشريعية التاسعة التي اختتمت أشغالها مؤخرا؟

سؤال تقييم الحصيلة التشريعية يفترض المقارنة بين وضع وأخر، والحاصل أننا أمام مؤسسة دستورية راكمت تاريخيا تجربة مقدرة على مستوى التشريع والرقابة لكن بإطار دستوري وعلاقات مؤسساتية مؤطرة بدستور 1996 الذي شكل المرجعية المستند إليها من قبل مختلف الفاعلين، وذلك وفق تحولات المرحلة داخليا وخارجيا، وعليه،  أظن أن الإطار العام لهذا التقييم مرتبط أساسا بالسياق الدستوري والسياسي لهذه المرحلة.

فدستوريا هناك اختصاصات جديدة أكثر وضوحا، يمكن الاقتصار هنا على الاختصاص التشريعي الذي هو الأصل، حيث تم التوسع فيه والتدقيق في المجالات الحصرية الموكولة للسلطة التشريعية، وهناك أيضا الاختصاص الرقابي والتقييمي، وبطبيعة الحال فالتنصيص على هذه الآليات يستمد أهميته وقوته من الدستور نفسه لبعد السمو الذي يتميز به، دون إغفال التمكين المؤسساتي للمعارضة من داخل هذه المؤسسة.

 أما من الناحية السياسية فهنا الحديث عن سياق تنزيل المقتضيات الدستورية أعلاه، والذي ارتبط بشكل واضح ببعدين: الأول له علاقة بمآلات الربيع الديمقراطي وعودة السلطوية في بعض الدول من خلال ما يسمى بالثورة المضادة، وبطبيعة الحال فالمغرب يتأثر بالوضع الإقليمي ويجعل مختلف الفاعلين يحسبون مواقفهم وقراراتهم واصطفافاتهم.

 البعد الثاني مرتبط بموازين القوى داخل الدولة والمجتمع، فالمؤسسة التشريعية مهمة جدا في إنتاج النصوص القانونية المنظمة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فهناك رهان عليها للتحكم أو التأثير في  مدخلات وتفاعلات ومخرجات العملية التشريعية.

عموما يمكن القول إنه في ظل هذه الظروف والرهانات المتباينة، هناك عمل كبير ينتظر هذه المؤسسة للقيام بأدوارها الدستورية والتعبير الحقيقي عن مفهوم النيابة عن الأمة.

في نظركم، ما هي الخصوصية التي تميز هذه الولاية التشريعية، على مستوى التطور السياسي ومسار البناء الديمقراطي؟

المؤكد أن السلطة التشريعية لها دور مهم في إنجاح وحماية الانتقال الديمقراطي، ففي كل التجارب المقارنة كان لهذه السلطة دور مساعد لباقي السلط، في الشق المتعلق بتوفير الشرعية والمشروعية لكل الإصلاحات البنيوية على مستوى الدولة والمجتمع.

فيما يتعلق بهذه الولاية التشريعية من وجهة نظري لها أربع خصوصيات:

الأولى وهي تفعيل الآليات الرقابية الواردة في دستور 2011، خصوصا الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة الخاصة بالسياسات العمومية، إذ تحولت هذه المحطة الدستورية الى منبر أعاد للسياسة موقعها في العلاقة بالمواطن، ربما يعود ذلك الى شخص رئيس الحكومة، لكن المؤكد أن المغاربة تابعوا هذه الجلسات المنصوص عليها في الدستور الجديد، مما مكن لهذه الآلية من الحضور المؤسساتي والشعبي أيضا، بغض النظر عن التقييمات المختلفة التي تنظر في مضمونها وشكلها.

الثانية وهي مرتبطة بالمصادقة على القوانين التنظيمية والقوانين العادية الأخرى، والتي حدد الدستور سقفا زمنيا خلال هذه الولاية لاعتمادها، وهي قوانين مهمة، خصوصا القوانين التنظيمية بالنظر لسموها وموقعها التراتبي، وقد كان واضحا أن العلاقة بين السلط محكوم أيضا بما يسمى بالدستور الضمني المستند إلى ثقافة سياسية تعلي من شأن السلطة التنفيذية في التشريع، وأقصد هنا النقاش الذي حسم مسألة عرض القوانين التنظيمية كمشاريع وليس كمقترحات، وذلك بمناسبة إعداد مقترح القانون التنظيمي الخاص بلجان تقصي الحقائق.

الثالث هو ضعف أداء المعارضة بمجلس النواب من حيث الترافع والاقتراح والمراقبة، وبات واضحا أن ضعف الأحزاب السياسية الناتج عن سنوات من الإنهاك والتحكم، أنتج معارضة مفتقدة الى التجانس والرؤية والبرنامج، لمواجهة حكومة تستند الى شرعية شعبية مهمة، ويمكن القول أن المعارضة في هذه الولاية مارست معارضة منبرية تفتقد الى حامل مجتمعي يمكن ان يواجه برامج ومشاريع الحكومة.

الرابعة وفي اعتقادي تبقى جد مهمة من الناحية الإستراتيجية، وهي أن المغرب نجح في نقل مواضيع الصراع أو التدافع  المجتمعي إلى التداول السلمي في الفضاء العام، والذي يأخذ في نهاية المطاف مساره التشريعي تجسيدا لمفهوم النيابة عن الأمة، مع الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبه الملك من خلال سلطته التحكيمية في مثل هذه المواضيع، أقصد هنا النقاش الذي اثير بخصوص موضوع الإجهاض. ويمكن الحديث أيضا عن بعض مقتضيات القانون والمسطرة الجنائيين.

ما هو تقييمكم لعلاقة الحكومة بالمؤسسة التشريعية، في ظل هيمنة الحكومة على الفعل التشريعي؟

الأصل في هذه العلاقة أنها مؤطرة بما يسمى بمبدأ العقلنة البرلمانية المعتمد في بلادنا منذ أول دستور سنة 1962، فكما هو معلوم فالدستور حدد في الفصل 71 الاختصاص على سبيل الحصر فيما يتعلق بمجالات التشريع، لكن المؤكد أن التشريع ليس بالضرورة هو الحضور في كل مستويات مسطرة التشريع بدءا من الاقتراح مرورا بالمناقشة وانتهاء بالمصادقة والاعتماد، فهذا المبدأ يسمح للسلطة التنفيذية بممارسة الحق في التشريع، وللإشارة فقط فهذا ليس عيبا، ففي أعرق الديمقراطيات نجد حضور قوي للسلطة التنفيذية في التشريع، وذلك لسبب بسيط هو توفر الخبرة والمعلومة لدى السلطة التنفيذية، والأرقام هنا تسعف ما ذهبنا اليه، فقد صادق مجلس النواب  في هذه الولاية التاسعة على  362 مشروع قانون، من بينها 18 قانون تنظيمي، ووافق على 21 مقترح قانون، وبالتالي يتضح الفرق الشاسع بين السلطتين على مستوى إعداد القوانين.

ينبغي أيضا الإشارة هنا إلى النخبة البرلمانية عموما وبمجلس النواب خصوصا، فالتشريع حرفة قبل أن يكون شيئا أخر، أي يحتاج إلى دراية بالقانون كعلوم وكلغة أيضا، وبالتالي فالكثير من مقترحات القوانين والتعديلات المقترحة على مشاريع القوانين، تفتقر إلى الجودة الكافية لتصبح قوانين عامة ومجردة تحكم البلاد والعباد. ومن هنا يطرح السؤال حول هذه النخبة ومساراتها وطرق إفرازها، لأنه مع الأسف في الغالب يتم البحث عن البروفايل القادر على ضمان الفوز بالمقعد النيابي أكثر من أي شيء أخر.

كيف تنظرون لأداء المعارضة خلال هذه الولاية التشريعية التأسيسية؟ الملاحظ أن هناك قصورا في تفعيل مختلف آليات الرقابة على الحكومة، مثلا ما يتعلق بلجن تقصي الحقائق؟

كما سبق وأشرت أظن أن المعارضة النيابية افتقدت إلى المشروع المعارض للحكومة، فاللحظة السياسية كانت لحظة ديمقراطية بامتياز لحظة ما بعد الحراك الفبرايري، والأسئلة الكبيرة التي طرحت على مستوى السلطة والثروة والنفوذ، كانت هناك مزايدات فيما يتعلق بالتنزيل الديمقراطي للدستور، لأن هذه المعارضة في خطابها وسلوكها تستبطن نفسا سلطويا في تفسير مقتضيات الدستور، فبالأحرى تنزيله ديمقراطيا.

المؤكد أنه لا ديمقراطية بدون معارضة تعدل وتصوب وتواجه، لكن يبقى السؤال هو أي معارضة وبأي مضمون. مع الأسف حضرت المزايدات الإعلامية، في حين أن أشغال اللجان عرفت حضورا جد ضعيف في قوانين مفصلية ومهمة، بل إن القوانين التي تمت معارضتها إعلاميا تمت المصادقة عليها وبالإجماع، خذ مثلا القوانين ذات العلاقة بمنظومة الإعلام.

كيف يمكن تفسير محاولات عرقلة بعض القوانين، سواء بالغياب أو طلب التأجيل، مما يؤدي بالتالي لهدر الزمن التشريعي؟

لا يمكن عزل السلوك النيابي عن السياق السياسي، فعرقلة بعض القوانين مرتبط بالحسابات ذات العلاقة  بالعائد الانتخابي، أي أن هناك فرقا نيابية رأت في  بعض القوانين مصلحة لفئات معينة، وأن هذه الفئات ستترجم الى أصوات انتخابية، وبالتالي كان لابد من عرقلتها أو تأجيلها، أو ربط تنزيلها بنصوص تنظيمية من اختصاص مؤسسات أخرى مثلا  بعض المقتضيات المتعلقة بالبنوك التشاركية.

وهناك قوانين أخرى لها علاقة بمنجز استراتيجي للدولة، لا يراد احتسابه للحكومة الحالية التي اتضح أنها فكرت بمنطق الدولة وليس بالمنطق الحزبي الضيق، أقصد هنا بالضبط القوانين المرتبطة بإصلاح نظام التقاعد.

واعتقد أن  استحضار الرهان الانتخابي وإن كان مشروعا في لحظة ما، لكنه في بعض المجالات الإستراتيجية والخطيرة على استقرار الدولة والمجتمع  تتحول هذه العرقلة إلى ما يشبه حالة اعتقال احتياطي  للمؤسسات الدستورية، وللمصالح العليا للبلاد وكذا انتظارات المواطنين، بطبيعة الحال هذا يسيء إلى هذه المؤسسة الدستورية، ومع الأسف يعيق التراكم في اتجاه انجاز انتقال ديمقراطي حقيقي.

 

 

 

 

تقديم: 
اختتم البرلمان مؤخرا ولايته التشريعية التاسعة التي جاءت بعد إقرار دستور 2011 الذي عزز مكانة المؤسسة التشريعية من خلال تقوية سلطاتها الدستورية، والوظائف المنوطة بها إسوة بالديمقراطيات الرائدة على الصعيد الدولي.

التعليقات

أضف تعليقك