حوار.. رحموني يكشف خلفيات ومآل خطابات النكوص وعرقلة البناء الديموقراطي بالمغرب

التاريخ: 
الجمعة, ديسمبر 2, 2016 - 15:45
حوار.. رحموني يكشف خلفيات ومآل خطابات النكوص وعرقلة البناء الديموقراطي بالمغرب
حاوره المحجوب لال
قراءة : (11006)

في هذا الحوار، يتوقف خالد رحموني، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، بالتحليل والقراءة السياسية، لأفق الخطابات الإعلامية والتحليلات التي تحاول أن تلبس لباس الأكاديمية حينا والموضوعية حينا آخر، والتي في مجملها تبرر النكوص الديموقراطي وتشرعن لعملية واضحة لإيقاف مسار الإنتقال الديموقراطي بالمغرب.

رحموني يقدم قراءته لهذه التحليلات وأفق المشهد السياسي المغربي، في ظل التراكم النوعي الذي يبنيه المغاربة تجاه العملية السياسية، وبروز تكتل وطني لأحزاب متجذرة في عمق الشعب، وقدرة مثبتة للمغاربة على تأكيد فكرة النبوغ والعبقرية المغربية.

وهذا نص الحوار كاملا:

-         كيف تعلق على بعض التحليلات التي ظهرت في الفترة الأخيرة والتي تحاول شيطنة العدالة والتنمية، وتقدم تبريرات بأشكال مختلفة للإنقلاب على نتائج صناديق الإقتراع وفرملة مسار الإنتقال الديموقراطي الذي يمضي فيه المغرب؟

أولا، الخطابات التي تبرز بين الحين والاخر بلا مناسبة أو سابق انذار، والتي تتركز - كثافة وحضورا- في بعض وسائط الاعلام أو يتم انتاجها وبثها في الفضاء العمومي، لتتيح للناس متابعها بقصد التاثير على الراي العام او توجيه الضغط لجهات ما في الدولة والمجتمع، اقول ان تلك الخطابات والتراتيل الصادرة عن بعض رموز السلطوية في الفترة الأخيرة.. ليست عامة ولا اصيلة ولا مؤسسة، وهي لم تبلغ من التواتر وتكرار المقولات الاقصائية المنسوب الذي يقلق او يزعج، وهي ومنتجيها سيظلون على هامش الفعل العمومي ولن يستطيعوا التاثير على المرحلة..هي خطابات شاردة وتعزف ايقاعا مناكفا للمرحلة وللاختيار الديمقراطي الذي بات يشكل ثابتا من توابت الدولة والمجتمع وهو الذي يحمي التجربة السياسية القائمة على التوافق الوطني العريض من امكانيات النكوص والردة ، ويقيني ان تلك الخطابات باتت تمثل امنيات عاجزة لقوى تحن الى المحافظة السلطوية..وعلى العموم فهي  حالات معزولة ويائسة وظلامية الوجهة والتحليل ولا افق لمبتغاها .

ثانيا، بالرغم من محدودية هذا الخطاب وعدم مصداقية منتجيه وضيق افق المروجين له وبؤس طلائعه وفشل حوارييه..بالرغم من ذلك، فان لوك هذا الخطاب الاستئصالي واستعادته بركاكة يؤشر على حنين الفاعلين في انتاجه واشاعته للأطروحة الإستبدادية وانحيازهم لمنطق سلطوي في تدبير الشأن العام، وهو منطق مجرب ومخرب ومدان..
 

ثالثا، الخطاب الاستئصالي هو رديف للاستبداد السياسي ومواجهة المجتمع، هو موجود ومكثف في أوساط جزء من النخبة الفكرية والسياسية والاعلامية التي فقدت الاتصال بالشعب بل هي تمضي في مواجهة تطلعاته في الكرامة والتحرر والعيش السليم، هذا الجزء من النخبة المغربية غير ديموقراطي وغير حداثي بالطبيعة.
و من من جانب آخر، فإن طبائع الأشياء في عمومها، وطبيعة المجتمع المغربي المبني على التعدد والإندماج، وطبيعة الدولة المغربية المبنية على الانفتاح السياسي والادماج الديموقراطي والتحكيم لا التحكم، وطبيعة الحركة الإسلامية المعتدلة التي تمخضت عنها تجربة المشاركة السياسية، وطبيعة النسيج الغالب في النخب العاقلة الديموقراطية والحداثية فعلا، كلها تأبى الإتكاء على هكذا مقولات استئصالة وتقاوم الانحياز لها او الاستسلام لطلبها الكريه التراجعي عن الوفاء بمقتضيات التجربة المغربية المتفردة، مع التاكيد على ان كل الوقائع السياسية والدستورية والمؤسساتية تثبت فشل تلك الاطروحات المفامرة، وأن السرديات التي يتكئ عليها هؤلاء السلطويون هي ذاتها في مأزق حاد، وفي أزمة مستديمة.

-         كيف نفسر مثل هذه الخطابات؟

لا اجد لذلك من تفسير سوى الاستثمار السياسي لأصحابها في خطاب الكراهية والشيطنة والتحريض المغامر ضد قوى مجتمعية متجذرة، وتعويض نفسي للطلائع السلطوية عن هزيمتها النكراء في مواجهة صلابة الارادة الشعبية وعنفوانصمود القوى السياسية الوطنية،
ولعلنا نتذكر ان اصحاب هذه السرديات التراجعية وطلائع هذه الدعوات الاستبدادية، كانوا يحاولون -ما أمكن منذ الأزل- أن يؤسسوا لما يمكن تسميه بالاستبداد المستنير أو الديموقراطية الاستبعادية

والاستبلادية التي تقصي الشعب من المشاركة في السلطة وتبعده عن المساهمة في التوزيع العادل للثروة واحتياز الكرامة الانسانية والعيش في وئام مواطني، لقد كانت اطروحات تراهن على استبعاد شعب بأكمله من لحظة ممارسة سيادته على اختياره وفقا للدستور، وهي تعمل على استبلاد الناس وتزيف وعيهم وتغيير الحقائق، باحتكار وسائل الإعلام والتوجيه وبغيرها.. هكذا فقد تورط البعض من أولئك في عملية إنكار غرائبية للواقع، هذا الواقع الذي جسد عنفوان شعب ووعي مجتمع ونضج دولة..

ليعلم أولئك أن هذا الشعب قرر مصيره، في معركة التحرر الوطني والاستقلال السياسي والبناء الديمقراطي، منذ أن اختار الإصلاح السياسي منهجا في المشاركة وبناء الاختيارات، منذ ان انحاز لأطروحة الإصلاح في ظل الاستقرار، منذ أن آمنت أحزابه وقواه الحية أن تعيش التعددية ولا تصادرها، منذ الإصلاح الدستوري الذي وسع مساحات ممارسة لمشاركة في السلطة.. ولذا، فهؤلاء طارئون، مغامرون مشتبهون، أما العدالة والتنمية ومجمل القوى السياسية الحية في البلد فهي متجذرة في الشعب .

-         هذه التحليلات وجهت بالخصوص للنخبة الإقتصادية، هل لهذا تأثير على مواقف هذه النخبة مما يجري في الساحة السياسية؟

لنلاحظ أن واقع تجربة الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلد عقب تشريعيات  2011 وما تلاها ، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن العدالة والتنمية في تدبيره الحكومي خلال المرحلة، زمن قيادته للاصلاح من موقع التدبير الحكومي مع الشركاء السياسيين ومختلف الفرقاء وأركان الإنتقال الديموقراطي، وهي أركان تتجاوز هذا البؤس-كل ذلك يكد أن المرجع في اتخاذ القرارات ومباشرة السياسات العمومية في منحى اصلاحي هو من كان يوجه التجربة السياسية في عمومها ويا حلك الظروف واجسم الصعوبات التي كان يجتازها البلد..

وهكذا يمكننا القول إن مختلف طبقات المجتمع المغربي-بتعددها واختلافها وتنوع مصالحها- استفادت من الاثار الايجابية للاصلاحات التي تمت مباشرتها وبجسارة وشجاعة ناذرة..
مجمل مكونات المجتمع المغربي كان لها نصيب من مفاعيل أطروحة الإصلاح في ظل الإستقرار، ليس بالمعنى البرغماتي، بل بالمعنى الوطني الجامع، مما مكننا كأمة من  ضمان اللحمة الوطنية، والحفاظ على الاستمرار والاستقرار الاجتماعي والمؤسساتي..

 إذ أن ضمان هذه الأشياء الملهمة والمحدد لأي اقلاع اقتصادي وتطوير تنموي واستفادة عامة من دورة النمو، يعني أن هناك حركية على مستوى الاستثمار المنتج للخيرات، وان هنالك دينامية على مستوى كسب وتوزير المنافع المادية والرمزية على مجمل طبقات الأمة المغربية. أما العنف الفكري والرمزي –الذي غايته الاغتيال المعنوي لتجربة العدالة والتنمية في التدبير السياسي -والذي نلمسه من خلال هذه الخطابات، فهو لا يعني أن بعض الاوساط من رجال المالو اعمال من الطبقة الاقتصادية هم في مواجهة مع العدالة والتنمية أو أنها لا تقبل بها.. بل على العكس من ذلك تماما، أعتقد أن الأمور تفسر بأضدادها بمعنى انالتجربة اكدت نجاحا مطردا للعدالة والتنمية في تدبير المرحلة وتذليل تحدياتها الاقتصادية وكلفتها المالية والتخفيف من اثارها الاجتماعية المحتملة.

وكل هذا يعني، أن الحنق والضجر الذي تحمله هذه التحليلات ضد التجربة السياسية في المغرب، هو نتاج لوجود فئة مهمة وعريضة من الطبقة الإقتصادية وبعض مراكز البرجوازية الوطنية (التجارية والصناعية) آمنت باختيارات حزب العدالة والتنمية –وهو يقود تجربة الاصلاح في البلد-وخبرت اعتداله وواقعيته ووطنيته واخلاصه لثوابت الامة المغربية وسلداد تحليله للوضع العام ونهجه السياسي وخطه في الاصلاح .

-         ما هو الأفق الذي يبدو لكل هذه الدينامية السياسية التي نشهدها الساحة المغربية؟

ارى ان طريق الانتقال الديمقراطي سالكة، بالرغم من الصعوبات والعوائق،باعتبار ان صراع الارادات وترددها هو سمة كل انتقال وعبور..
مجمل الوقائع السياسية تذل على ذلك وتنطق بتلك الحقيقة التي تقول انه لا رجوع عن الاختيار الديمقراطي، لا سبيل لقطع الطريق على تبلور نتائج السابع من اكتوبر 2016 على صعيد الحياة السياسية والمؤسساتية..

فنتائج انتخابات 7 أكتوبر، وإعلان هذه النتائج ثم تعيين ابن كيران رئيسا للحكومة، وصمود الأخير لما يزيد عن خمسين يوما، وعدم خضوعه للاشتراطات المغالية غير المنطقية وغير  الوفية لارادة الشعب المغربي، والتحام القوى السياسية سليلة الحركة الوطنية..ان كل ذلك مع هذا الصمود السياسي، يعني حقيقة واحدة، وهي أن الطريق باتت واضحة في المستقبل، وان افق المغرب هو مواصلة تجربة الاصلاح الديمقراطي واستكمال حلقاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلى انه أنه لا مجال للمقامرة بالاستقرار السياسي والمؤسساتي للبلد من أي طرف..
فلا مجال للمناكفة على هذه الأطروحة، لأن نجاعتها في تفسير الوضع، أو صدقيتها في المساهمة المعتبرة في ضمان التمدد الحيوي للبلد بالخارج مثبته ومؤكدة، وهو ما يمنح انتعاشة للنخبة الإقتصادية وتماسكا للطبقة السياسية الجادة..

وعموما، يبدو لي أن تلك الخطابات المراهنة على اشاعة الكراهية، والترويج البئيس  لمقولات التطرف الفكري والسياسي المحرض على اكبر حزب سياسي معتدل في المغرب، مصيرها مزابل التاريخ ومآلها الفشل الذريع والهامشية والموت البطيء..ببساطة لأنها خطابات ولدت ميتة..
أما أصحاب تلك السرديات من الطلائع السلطوية والقوى الاستبدادية الكامنة في بعض أجهزة الإعلام، والمتمترسة ببعض الفضاءات، فاقول انهم بقينا يمثلون أعداء النجاح فاعتصامهم بالثرثرة واثارة الضجيج دليل على صلاحية النهم الذ تختطه النخبة السياسية التي تتصدر المرحلة باقتدار ديمقراطي اكيد..

 لكن مع ذلك، فأنا متأكد من أن البلد سينجح باذن الله، ليس فقط لأن هذا النوع من الخطابات معزول وبئيس وغير قادر على اختراق الوعي المجتمعي العام، ولكن أيضا لأن التجربة المغربية تؤكد أن هناك عبقرية ونبوغ مغربيين، مبنيين على تلازم وثيق ومطرد بين ارادة الشعب وحكمة ملك البلاد ونضج الطبقة السياسية..ذلك التلازم وحده هو القادر على أن يمسك بهذه التجربة لمزيد من التألق، ولأن يذهب بها إلى أبعد الحدود.

 

تقديم: 
ا

التعليقات

أضف تعليقك