عبد اللطيف بروحو: هل تملك الأحزاب السياسية برامج تنموية؟

عبد اللطيف بروحو
قراءة : (43)
الجمعة, أكتوبر 20, 2017 - 17:15
عبد اللطيف بروحو: هل تملك الأحزاب السياسية برامج تنموية؟

عند اقتراب كل استحقاق سياسي أو انتخابي ينتعش الجدل بخصوص  دور الأحزاب السياسية ومواقفها المرجعية، ومدى قدرتها على بلورة رؤية تنموية واضحة وأجوبة للإشكالات التدبيرية والتنموية الكبرى التي تعاني منها المملكة.

وإذا كان الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية ليوم 13 أكتوبر الأخير قد دعا الحكومة والبرلمان والمؤسسات المعنية لإعادة النظر في النموذج التنموي المغربي، فإن الامر يفترض أن تكون الأحزاب السياسية في طليعة المؤسسات السياسية التي تقدم تصوراتها للسياسات الاقتصادية ولنموذج التنمية التي تنبع من برامجها السياسية.

فهذه المؤسسات السياسية (الأحزاب) يفترض أن تكون مجالا للإنتاج السياسي ووعاءً لتصريف المواقف السياسية والإيديولوجية المرتبطة برؤيتها وبمرجعيتها، كما يرتبط هذا الأمر وجوبا بمشروعها التنموي الذي تحدده انطلاقا من أدبياتها وأوراقها.
فهل تتوفر الأحزاب السياسية المغربية أصلا على مشروع أو برنامج تنموي يتأسس على معطيات اقتصادية دقيقة، وينبع من قناعاتها الإيديولوجية أو المرجعية؟
بل هل تمتلك هذه الأحزاب أصلا رؤية تنموية حقيقية للبلد رغم تسييرها أو مشاركتها في مختلف الحكومات؟
إن المتتبع لخطابات معظم الأحزاب السياسية المغربية يتوه بين الشعارات الكبرى المتشابهة بين برامجها، مع غياب أية معطيات تفيد بامتلاكها لمشاريع تنموية تكون مقابلا لرؤيتها السياسية أو لمرجعيتها الإيديولوجية التي تركز عليها في خطاباتها ووثائقها وبرامجها السياسية والانتخابية.

وإذا كانت بعض الأحزاب السياسية لا زالت تحاول وضع تصور تنموي للمجمتع وللدولة، فإن هذا التصور لا يعبر عن رؤية إيديولوجية (كما هو سائد تقليديا)، وإنما يحاول أن يركز على الحاجيات التنموية للدولة والمجتمع والفاعلين الاقتصاديين والمهنيين، من أجل صياغة تصور متكامل ومندمج يهدف إلى إصلاح الأوضاع ورفع مستوى عيش السكان وتنمية البلد بشكل متوازن.
وإذا كانت الأحزاب التقليدية بالمغرب (سواء التي تتخندق في اليسار أو اليمين أو التي تتبنى منحى ليبرالي) تحاول بدورها إيجاد موقع قدم في هذا الموضوع، فإنها بدورها لا تركز على المقومات الإيديولوجية التي تحكمها، وإنما تحاول مسايرة الأوراش المعلنة من قبل المؤسسة الملكية، بغض النظر عن قناعاتها الإيديولوجية التي أصبحت متجاوزة.

وبمقابل ذلك، وإذا كان المشروع التنموي يتأسس إيديولوجيا على النظريات السائدة بخصوصه، فإن نهاية الإيديولوجيات الحزبية بالمغرب يعني الحسم في الصراع السياسي الذي تميز به المغرب أواخر الثمانينات، وذلك عبر اعتماد نموذج تنموي واحد، غير منبثق عن الأحزاب السياسية، وإنما يمليه التدبير السياسي الاستراتيجي الذي تنهجه الدولة منذ عدة سنوات، والذي يأتي بمشاريع تنموية كبرى جاهزة، بدأت القطاعات الحكومية بتنفيذها دون أن تساهم أصلا في إعدادها.

وفي وقت لاحق خلال العشرية الماضية، أصبحت الأحزاب السياسية أكثر بعدا عن إحد أدوارها الاساسية المتمثلة في صياغة تصوراتها للنموذج التنموي المغربي أو تحيينه إذا كان موجودا أصلا.
بل إن الحكومات المتعاقبة نفسها وجدت نفسها تبتعد تدريجيا عن دورها في اقتراح أو صياغة السياسات العمومية الاستراتيجية، وبالمقابل بدأت المؤسسات والمقاولات العمومية تتكلف بإعداد هذه السياسات الاقتصادية والاستراتيجيات القطاعية وتتكلف بتنفيذها، أما الحكومات التي تتألف نظريا من الأحزاب السياسية وتضمن مشاركتها في تدبير الشأن العام فبقيت خارج دائرة المؤسسات المكلفة بصياغة وبناء المشروع التنموي على افتراض وجوده متكاملا.

وهذا الوضع الذي لم يعالجه دستور 2011 بشكل واضح أدى لتغييب الدور السياسي للأحزاب، سواء المشكِّلة للأغلبيات الحكومية أو المعارِضة لها، على مستوى تصور أو اعتماد نموذج تنموي تدافع عنه وتجعله أساس برامجها السياسية والانتخابية. وهو ما يجعل العملية السياسية برمتها عبارة عن سباق بين الأحزاب لمن يستطيع أولا أن يحظى بشرف تنفيذ بعض البرامج التنموية الجاهزة، أو تعيين بعض منتسبيها للإشراف على المؤسسات والوكالات والمقاولات العمومية التي أصبحت الفاعل التنموي الأساسي بالمغرب.
فبرامج الأحزاب المغربية تهدف لتحقيق التنمية الاقتصادية بنفس الآليات، بل أصبحت كلها خلال السنوات الأخيرة تدافع عن الطبقة الوسطى لمجرد أن الدولة أصبحت مقتنعة بأهمية هذه الطبقة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، في حين أن الهوِيات الإيديولوجية للعديد من هذه الأحزاب لا تنسجم مع هذا الطرح.

فمنها ما تُعتبر ذات ميولات بورجوازية، ومنها ذات أصول بروليتارية، ومنها ما نشأ للدفاع عن البادية والعالم القروي... لكنها تماهت كلها مع الطرح القاضي بدعم الطبقة الوسطى وجعلها أساس التنمية المجتمعية، وهذا مثال حي على انعدام أي مشروع أو نموذج تنموي لدى هذه الأحزاب السياسية، على الأقل في الوقت الراهن.
وعلى هذا الأساس نجد أن أغلب برامج الأحزاب السياسية تستعمل عبارات فضفاضة ومحاور موغلة في العموميات، من قبيل "تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة"، أو "دعم النمو وإنعاش المقاولات"... في حين لا نكاد نجد برامج واضحة تضع الإجراءات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف.

كما لا نكاد نجد أية مواقف سياسية نابعة من إيديولوجية هذه الأحزاب تتعلق بدور الدولة على المستوى الاقتصادي، أو حدود استعمال حق المِلكية الفردية، أو قواعد ضمان حرية المبادرة والمقاولة...
بل إن الأحزاب اليسارية الرئيسية (وخاصة الاتحاد الاشتراكي) لا تملك أي موقف سياسي واضح من الخوصصة أو مجالات تدخل الدولة لضمان استمرارية المرفق العام، وقد شكلت أزمة لاسمير الأخيرة امتحانا لهاته الأحزاب للتعامل مع مثال حي لفشل سياسة الخوصصة على مستوى قطاع حيوي واستراتيجي، من المفروض أن يعيد النقاش بخصوص نتائج الخوصصة من أساسها.

فمواقف أغلب الأحزاب السياسية بقيت باهتة على المستوى الاقتصادي والتنموي، سواء تعلق الأمر بدور الدولة وحدود تدخلاتها الاقتصادية، أو بخصوص الورش الحيوي المتعلق بالشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي يدخل في هذا الإطار. ولا يمكن انتظار مواقف أكثر تقدما من هذه الأحزاب التي بقيت تحن للصراع السياسي القائم على الهوية والنموذج المجتمعي، في حين أن دورها الأساسي يكمن في صياغة رؤية تنموية لتنفيذها عند فوزها في الانتخابات التشريعية وتكليفها بتدبير الشأن العام الوطني.

وعلى هذا الأساس، فقد فشلت الأحزاب السياسية في دورها على هذا المستوى، ولم تبدع في صياغة رؤية ومشروع تنموي حقيقي ضمن برامجها، بل إنها أصبحت تنتظر الاستحقاقات الانتخابية لتحيين برامجها الانتخابية للسنوات الماضية وتضيف إليها بعض المستجدات السياسية لتعيد تقديمها للرأي العام.

وبالمقابل لا نكاد نجد أية رؤية تنموية أو تصور ولو مبدئي للنموذج التنموي النابع من إيديولوجيات الأحزاب أو مرجعياتها، عند عقدها لمؤتمراتها، وهو ما يجعل هذه الأحزاب في تصوراتها للسياسات الاقتصادية تنتظر التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة لغعادة كتابتها ضمن أوراقها السياسية، مما يجعل برامجعها في عمومها متشابهة سواء في مضمونها أو في خلوها من أية رؤية تنموية حقيقية تبنع من تصوراتها ورؤيتها التي تدافع عنها.

 

التعليقات

أضف تعليقك