عبد النبي أبوالعرب: إلياس العماري وخيار بلا هوادة

عبد النبي أبوالعرب
قراءة : (106)
الخميس, يونيو 15, 2017 - 14:15
عبد النبي أبوالعرب: إلياس العماري وخيار بلا هوادة

لم يعد أحد يحتاج إلى دلائل إضافية ليفهم أن ثمة مقاربة منحرفة وغير سليمة النوايا والوسائل تتم بها إدارة المشهد السياسي الوطني مند انتكاسة 2013، هذه المقاربة التي تمعن اليوم، ونحن نعيش على وقع حراك الريف الذي يزداد اتساعا واحتقانا كل يوم، في التدمير الشامل للمشهد السياسي الوطني، وفي دفعه إلى مزيد من الإفلاس والانفجار، وإفقاده لأخر ما تبقى له من صمامات الأمان ومراكب النجاة أمام الأخطار المحدقة به، وذلك دون الاكتراث للمآلات الخطيرة لهذه الخيارات على استقرار البلاد ومستقبلها.

سياق هذا الكلام الخرجة الإعلامية الدونكيشوتية الأخيرة للسيد إلياس العماري، رئيس جهة طنجة تطوان الحسية، على أمواج التلفزة الوطنية من خلال البرنامج المعروف باشتغاله تحت الطلب، وذلك أياما قليلة قبل مناظرته المهزوزة سلفا حول حراك الريف. إذ كيف يسمح من يتحكم في شطحات هذا الحزب بأن يخرج هذا الرجل، في هذا السياق الحرج، ليزيد من تعقيد الأمور ودفعها إلى المجهول، من خلال الطعن في كل مؤسسات الدولة بهذه الطريقة الغريبة، مع التركيز على الطعن في شخصية السيد رئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بن كيران، وتحميله مسؤولية الحراك والاحتجاجات بشمال المغرب.

إنه من الواضح أن هذه الخرجة لا تعدو أن تكون مجرد هروب إلى الأمام، وتعبيرا عن الخوف لدى دوائر التحكم من تراجع الدولة عن المشروع السلطوي الذي قادته أقطاب نافذة، لها مصالح كبرى في دحر الانفتاح الديمقراطي الذي عرفته البلاد منذ خطاب 9 مارس. وما المقاربة الأمنية التي يواجه بها الحراك اليوم ورموزه إلا تعبير عن تورط هذه الأقطاب في منحدر لا يستطيعون التراجع عنه، وانخناقهم في خيار واحد، وهو المزيد من توريط الدولة في منحدر السلطوية، والذهاب بها إلى نقطة اللاعودة في المواجهة مع المطالب الشعبية الاجتماعية والسياسية، كل ذلك لأن تراجع الدولة عن هذه المقاربة يعني بكل بساطة نهايتهم وخروجهم من التاريخ.

في هذا السياق، ووفق هذا المنطق فقط يمكن فهم خرجة السيد العماري، كمناورة استباقية تروم حرق ورقة العدالة والتنمية كقائد للحكومة في حل إشكال الريف عامة، وورقة السيد عبد الإله بنكيران كأمين عام على الخصوص، والذي يتم استهدافه بشكل غريب منذ أن أصبح الحديث متداولا حول احتمال قيادته لمبادرة لتهدئة الأوضاع في الحسيمة، والتي تقوت فرصها خاصة بعد استقباله في بيته للزفزافي الأب.

لقد بات واضحا أن الدوائر السلطوية قلقة من أي ربط بين حراك الريف والتراجعات التي عاشها المشهد السياسي لما بعد 7 أكتوبر، والقرصنة التي خضعت لها عملية تشكيل الحكومة، حيث تعمل على منع أي انعكاس لهذا الحراك على أسهم العدالة والتنمية عامة كضحية لهذه العملية القيصرية، وعلى زعيمه خاصة كشخصية سياسية وطنية قادرة على الإسهام بقوة في استقرار البلاد وتباتها. ولهذا شهدنا في الآونة الأخيرة خرجات متوالية تصب كلها في السعي إلى تحميل حزب العدالة والتنمية وأمينه العام مسؤولية الحراك في الحسيمة.

وقد كانت إحدى أهم هذه الخرجات التي يمكن إدراجها بشكل واضح في هذه الأجندة تصريح السيد الهمة، الذي انبرى يحمل للسيد بنكيران مسؤولية الحراك. أما الخرجة الثانية فليست إلا هذا البرنامج الأخير للسيد العماري على قناة الأولى والذي أطلق فيه الضربات العشوائية في جميع الاتجاهات في محاولة مكشوفة لاستثمار هذا الحراك لإعادة ترميم المشروع السياسي المفلس لحزب الأصالة والمعاصرة.

لكن للأسف، وأيا كانت الحسابات الكامنة وراء هذه المناورات الضيقة والأنانية، فإن الحساب الوحيد الذي لا تأخذ به هو حساب الوطن. فالواضح أن دوائر السلطوية ترفض استيعاب دروس الحراك، وتتمادى في خيارها بلا هوادة، حتى ولو أدى ذلك إلى إحراق أخر أوراق المشروعية السياسية في المغرب، وإلى فتح باب الاحتجاجات والصدام بين الدولة والشارع على المجهول. وإنه في مواجهة هذه المناورات التي تريد أن تفتح شوطا أخر أكثر عنفا وأنانية في تدبير مصير البلاد لفائدة مصالح فئوية وأقلية، لا بد للدولة أن تأخذ بمنطق استقرارها وبخيار التحامها والتئامها بشعبها، وتأخذ العبرة بما يقع لتعي مخاطر إضعاف الأحزاب والوسائط المدنية، وتفهم أن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية هما الحل الوحيد لاستقرار وازدهار الأمم والشعوب في القرن الواحد والعشرين.

 

التعليقات

أضف تعليقك