عبد النبي أبوالعرب: تعويم الدرهم: ماذا بعد قرار التأجيل؟

عبد النبي أبوالعرب
قراءة : (109)
الجمعة, أغسطس 4, 2017 - 18:15
عبد النبي أبوالعرب: تعويم الدرهم: ماذا بعد قرار التأجيل؟

كان قرارا قاسيا ومؤلما بالتأكيد، لكنه كان ضروريا وحتميا، الأمر يتعلق بقرار الحكومة وبنك المغرب تأجيل موعد تحرير العملة الوطنية الذي كان مقررا العمل به ابتداء من يوم 30 يونيو الماضي، وذلك بعد أن تأكد الإخلال بالشروط الموضوعية والسليمة لهذا التحرير من طرف عدد من الفاعلين. وبالتأكيد كان مفاجئا للجميع ولكن خاصة بالنسبة لأولئك الذين أعدوا العدة وضاربوا بالملايير ضد العملة الوطنية، مراهنين على انخفاضها وانهيارها لتحقيق أرباح سريعة طائلة في أول امتحان لها داخل حلبة العملات الدولية الحرة.

وقد كان هذا القرار قاسيا لأنه أجبر الدولة على التراجع إلى الوراء عن وعدها، وهو يعبر بهذه الصورة عن حجم المناورات التي واجهها الدرهم قبل موعد تعويمه، ليس تحت ضغط قوة الميزان التجاري في مواجهة العملات الخارجية، ولكن تحت تأثير مناورات الأبناك والفاعلين الاقتصاديين، الذين لم يستجيبوا لإشارات الطمأنة وضمانات المؤسسة المالية المركزية والحكومة بكون تعويم الدرهم سيكون تدريجيا وسلسا، دون أية صدمات أو هزات في سوق العملات.

على أنه كان معروفا أن العدو الوحيد الذي كان يتربص بهذه العملية هو المضاربة وفقدان الثقة في هذا المسلسل رغم الضمانات التي تم تقديمها حول استقرار قيمة الدرهم. ولكن الذي وقع فعلا هو أن هذا العدو الوحيد والمعروف تحرك بقوة، وضارب بما يفوق ال20 مليار درهم في أقل من أسبوعيين، حيث بلغ حجم الطلب على العملة مستويات قياسية في تاريخ التبادل التجاري الوطني، إذ تعدى خلال الأسبوعين السابقين لتاريخ التعويم المليار والنصف يوميا في حين أنه لا يتجاوز في الأيام العادية 200 مليون درهم، وهو ما يعني أن الطلب على العملة الخارجية ارتفع بحوالي 8 مرات.

في هذا الصدد، خرج مكتب الصرف ليؤكد أن منتجات الائتمان والاحتياط يجب أن ترتبط بمبادلات تجارية حقيقية، في مراسلة بعثها المكتب إلى البنوك التي تعتبر المسؤول الأول عن هذه المضاربات للتذكير بهذه القاعدة التي كانت دائما هي المبدأ في سوق العملات الوطني. هذه المؤسسات البنكية التي بعث إليها أيضا والي بنك المغرب تحذيرا بخصوص عمليات المضاربات الكبيرة التي وقعت ضد الدرهم، حيث يبدو أن البنوك استغلت تخوف الشركات المستوردة لبيع منتجاتها التأمينية على نطاق واسع، والدفع إلى عمليات شراء غير مبررة للعملات الخارجية وتكوين احتياطات من العملة الصعبة بشكل لا تبرره الحاجيات التجارية للفاعلين.

اليوم، وبعد هذا القرار القوي بتأجيل تعويم الدرهم والذي جاء كعقوبة قاسية ضد كل هذه المناورات في سوق العملات، عاد الطلب على العملة إلى مستوياته العادية تاريخيا، كما أكد ذلك مدير مكتب الصرف. هذا القرار الذي سمح بفتح مرحلة جديدة في هذا المسلسل، هدفها الأساس إعادة بناء جو الثقة التي يجب أن تسود هذه العملية، ورفض أية مضاربات ضد الدرهم أو استغلال توجسات الفاعلين الاقتصاديين وتخوفاتهم أمام هذه الخطوة لتحقيق أرباح غير مشروعة، حيث أظهرت عزم الدولة وحزم القيمين على هذه العملية على تفويت الفرصة على كل من أراد الاستثمار ضد هذه العملية، وحرصهم على منع أي اعتبارات غير موضوعية قد تحاول بث عدم الثقة والمساس باستقرار عملية هذا التحرير.

ذلك أنه لا شيء يبرر الانفجار الذي عرفه الطلب على العملات الخارجية بشكل متنامي مع اقتراب موعد التحرير. فعادة ما يرتفع الطلب بسبب عاملين اثنين. الأول هو ارتفاع أثمان المواد الأولية في الأسواق الدولية والثاني هو ارتفاع قيمة عملات الأداء في أسواق الاستيراد. في الحالة الوطنية ما قبل 30 يونيو، تاريخ التعويم، لم يتوفر أي من هذين العاملين، وهو ما يُمَكِن من عزل سبب واحد بخصوص ارتفاع الطلب على العملات الخارجية للبلد، وهو المضاربات الواسعة ضد الدرهم، في سياق جو التخوف والتوجس من انهيار العملة الوطنية الذي انتاب المغاربة عامة والفاعلين الاقتصاديين والشركات المستوردة خاصة.

إلا أن الذي يبدو أن المؤسسات البنكية بالغت في تضخيم هذه التوجسات وحالة الخوف التي انتابت الأوساط الاقتصادية والمالية حتى تبيع منتجاتها التأمينية وترفع من أرباح معاملاتها بالعملة الصعبة. وهو ما يظهر أنه في الوقت الذي كان فيه والي بنك المغرب يعول على البنوك لإنجاح هذه العملية، قامت هذه بدور عكسي، حيث صرح والي بنك المغرب بكونه "غير راض عن المضاربات التي وقعت، وأنه كان يعتبر الأبناك خير ناطق وحامل لهذه العملية". فجاء رد فعل الدولة من خلال مؤسسة بنك المغرب مناسبا، حيث إلى جانب الخسائر الهائلة التي تكبدها المضاربون إثر قرار التأجيل، تم فتح تحقيق في المضاربات التي شهدتها سوق العملات. وبالطبع فلا معنى لهذا التحقيق إذا لم يترتب عنه توقيع العقوبات المناسبة على كل من تبتت مسؤوليته في هذه العمليات الواسعة من المضاربات ضد الاستقرار المالي والاقتصادي والاجتماعي الوطني.

ماذا بعد هذا إذن، بعد مرور ما يزيد عن الشهر من تأجيل موعد تعويم الدرهم، وما هي أفاقه ؟

من المؤكد أن عزم السلطات المالية على تعويم الدرهم لازال قائما، وأن ما وقع من تأجيل يدخل في سياق مجهودات توفير الشروط المثلى للقيام بهذه العملية بأدنى الخسائر المالية والاقتصادية والاجتماعية. فالواضح أن ثمة عزيمة لدى الدولة على المرور إلى حالة التحرير في إطار مراقب ومتحكم فيه، مع شرط توفر انضباط والتزام كل الفاعلين في العملية، خاصة الأبناك. وقد كان قرار التأجيل بهذه المرجعية ورقة حمراء موجهة إلى كل أولئك الذين أخلًوا بعقد الثقة والاستقرار الذي ما فتئ بنك المغرب يعمل على توفيره لهذه العملية منذ شهور، بالإضافة إلى كل الخسائر التي تكبدها كل أولئك الذين ضاربوا ضد الدرهم، والتحقيقات التي تم فتحهابهذا الشأن والتي من المفترض أن تفضي إلى جزاءات وعقوبات تزيد من تأكيد حزم الدولة على صيانة هذه العملية ضد المخاطر التي تتربص بها.

هذا إذن هو أفق عملية التحرير. فمن المؤكد أن الدولة تتحين الفرصة من جديد للإعلان هذه المرة عن موعد نهائي لتحرير الدرهم، لا يمكن تأجيله هذه المرة، لما سيكون لذلك من تبعات خطيرة بخصوص سمعة المغرب والثقة في قدرته على إنجاح هذا الورش المالي الهام، وجديته أمام الفاعلين الاقتصاديين الدوليين الذي هم الزبون الأول لهذه العملية.

لكن يبقى من المرجح أن لا يتم ذلك قبل الكشف عن مخرجات التحقيقات التي باشرتها السلطات المالية في المضاربات التي وقعت، والتي كانت السبب الأساسي في تأجيل موعد التحرير السابق، وأن تقدم تقريرا مفصلا بشأن ذلك ومختلف الاختلالات الأخرى التي شابت تلك المحاولة الأولى، مع ترتيب استراتيجية بديلة لإنجاح أية عملية ثانية للتحرير. وإذا كانت المقولة تؤكد حق السلطات المالية في أن تحظى بفرصة ثانية لإنجاح هذا الورش الهام في حياة العملة الوطنية بعد أن أخفقت خلال محاولتها الأولى، فمن الصعب أن نتصور تمكينها من فرصة ثالثة أو رابعة للنجاح في ذلك، حيث لا بد أن يكون الموعد المقبل لتحرير الرهم موعدا للنجاح، أو النجاح في هذا الرهان الهام، ولا خيار أخر غير ذلك.

 

التعليقات

أضف تعليقك