غربي يوسف: العالم العربي من التجزئة إلى التفتيت الى التشظية

غربي يوسف
قراءة : (43)
الاثنين, يونيو 12, 2017 - 12:45
غربي يوسف: العالم العربي من التجزئة إلى التفتيت الى التشظية

يلاحظ المتتبع لما يجري من أحداث متلاحقة بالعالم العربي أن دورة جديدة من التفكيك  والتفتيت بدأت تتشكل ملامحها، ودواعي هذا التحول جاءت بعد انطلاق شرارة الربيع العربي المفاجئة لدوائر التحكم الدولي و المحلي ولأن الآلية الديمقراطية التي تم إعمالها بعد سقوط أنظمة استبدادية أو ممارسة لأشكال تحكمية حربائية، لم تفرز التشكيلات السياسية القابلة للتدجين العولمي، فالحاجة ضرورية لخلطة جديدة تعتمد وصفة الفوضى الخلاقة لاستعادة الهيمنة. لم يعد ممكنا استمرار الأنماط الاستبدادية القديمة لأن وسائل التواصل الاجتماعي بما منحته من إمكانات الخروج عن هيمنة الأنظمة المستبدة تُمارس الفضح  وتحشد الرافضين وهو ما اصاب آليات التحكم العتيقة  بحالة شلل و انكشاف كلي، ولذلك تم اللجوء الى الإنقلاب او تحجيم الأداء و التلاعب بالضمير الانتخابي لتحجيم فصل الربيع  العربي، واليوم تشهد المنطقة العربية ملامح تشكل فصل دراماتيكي، إذ إن قراءة مؤشرات السياسة الدولية خاصة تحولات السياسة الخارجية الأمريكية مع مجيء ترامب بمراجعتها الجذرية لتوجهات سلفه في قضية المناخ و  سياسة القوة الذكية التي تمزج الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والسياسية والقانونية والثقافية لصالح سياسة تضع الأولوية العسكرية فوق كل اعتبار وتشجع الزيادة في نسبة الإنفاق العسكري، يعني أن العالم مقبل عَلى حقبة حبلى بالتوقعات الكارثية.

اولى هذه الملامح الترتيبات الجارية بمنطقة الشرق الأوسط الكاشفة لصراع بين الفاعلين الكبار يتأرجح بين الإفصاح والكتمان و يجري بالوكالة أوالدفاع المباشر عن المصالح الاستراتجية. التعلة المعلنة فيه هي محاربة الإرهاب الداعشي الذي لا يكلف أحد نفسه عناء البحث عن نسبه وميلاده، يتأكد هذا الذي ننحو إليه بما جاد به حوار هنري كيسينجر الأخير من أن المنطقة مرشحة لاندلاع حرب عالمية يكون رمادها المسلمون والكاسبون لثمارها إسرائيل وأمريكا إذ يتم الإستيلاء على نصف الشرق الأوسط ، إذن هي بداية الإنجاز لما نعاينه اليوم من عمليات إنهاك للأنظمة الخليجية المحاطة بدائرة خراب (سوريا، ليبيا، مصر، اليمن، العراق) وليس أنجع في الإنهاك كدخول الإخوة في حروب داحسية مثل ثور إسباني تهيجه غرزات الرماح ليسقط لاهثا في انتظار الإجهاز النهائي. إنها عودة قوية للخيارات العسكرية التي تراجعت قليلا في زمن أوباما إذ اكتفت مرحلته على تدبير الموروث من الصراعا (أفغانستان،العراق،غوانتنامو.....) وقد شهدت مرحلته تذمرا عند أصحاب النزوع العسكري، تم تصريفه حسب ما تبسطه وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في مذكراتها عبر تقارير متحدثة عن انهيار النفوذ الأمريكي. وهو ما يعكس تدافعا سياسيا يتعلق في العمق بالميزانية و نسبة الإنفاق العسكري، لم يرق لأصحاب المقاربة التقليدية النزوع الى ما سمي ميزانية أمن قومي أكثر ذكاء. إن العالم اليوم يشهد اصطفافات مرتبكة و ملامحها غائمة لأن التقاطب ليس ثنائيا كالسابق  فقد برزت قوى دولية كالصين و ايران و تركيا مع حرصها على مصالحها الاستراتجية رغم انضمام بعضها الى تحالفات  (حالة تركيا عضو في الحلف الأطلسي).
إن الحاصل اليوم بالشرق الأوسط يتسم بالخطورة لانه يهدد خطة مواجهة الاٍرهاب كتحد إقليمي ودولي  موحد وهو ما ستستفيد منه المجموعات الإرهابية المراهنة بدورها على الفوضى، بِركتُها المفضلة للتكاثر والإنتشار.

إن المطلوب عربيا و إسلاميا السعي لدى الأنظمة الخليجية لإطفاء فتيل الاشتعال الرهيب لان عواقب ذلك ستفضي إلى تحقيق نبوءة عراف السياسة الدولية كيسينجر، ولن يقف الأمر عند إذابة دويلة صغيرة تعيش بحنجرة إعلامية ذكية، بل سيمتد ليحرق -لا قدر الله- عباءات المنخرطين بوعي أو بدونه في صياغات مشاريع هيمنة مباشرة تكون فيها إسرائيل هي الرابح الكبير.

إن مشاريع التفتيت للعالم العربي و الإسلامي تستثمر أساسا في الخلافات و الخصاص الديمقراطي والبؤس الاجتماعي، وما تشهده دول عديدة من حراكات اجتماعية تبدأ بمطالب اجتماعية وتتحول بسبب تعنت وعمى الأنظمة الى مشاريع لا أقول انفصال بل تشظي سياسي و اجتماعي تضعف و تنهك اقتدار الدولة لتصير لقمة جاهزة للاصطياد الامبريالي المتوحش. ما يجب ان تعيه الأنظمة أنه لم يعد ممكنا  إدارة البلدان بالطرق البالية لأن العالم المتقدم  الديمقراطي صار صورة محمولة في النقال. الأكيد أيضا أن القوى العظمى ستتظاهر بالبحث عن حل سياسي لأزمة الخليج التي يبدو حسمها عصيا مع ميلاد توازن رعب إقليمي تقوده تركيا من جهة و إيران مدعومة بروسيا من جهة أخرى. إن ما يدفعنا إلى اعتبار المرحلة المقبلة موسومة بالتشظي ليس فقط أحوال البؤس السياسي العربي و جاهزية صقور الحروب الدولية للإنقضاض، بل أيضا نمو النزعات الطائفية والإثنية  والإنفصالية المدعومة من محاور متعددة وهي حالة يراد لها بالعالم العربي أن تنشط  كالبركان لتتشظى في اللحظة المناسبة، إن الخرائط المأمولة لصانعي الخراب العالمي لوحات فسيفسائية مشتتة الألوان تحول المنطقة العربية عجينة طيعة بما يضمن لإسرائيل الراحة الوجودية التي لن تتحقق إلا بسحق نهائي للمحيط  المعادي، ويضمن من جهة أخرى استنزافا مباشرا للثروات وعلى رأسها النفط. ليس أمام العرب إلا العودة العاقلة لبناء آلية الأمن الإقليمية المستندة إلى التعاون المشترك و بناء أنظمة ديمقراطية تتخلى عن أشكال الحكم البدوي او النخبوي المقصي لإرادة الشعوب  وإلا فألواح السفينة متناثرة -دون شك- و لا عاصم حينها من أمر الله.
 

 

التعليقات

أضف تعليقك