في حوار صريح مع برشيد حول "الرداءة الفنية ": تلفزتنا المغربية ليست مغربية

التاريخ: 
الثلاثاء, يناير 16, 2018 - 14:45
في حوار صريح مع برشيد حول "الرداءة الفنية ": تلفزتنا المغربية ليست مغربية
خالد فاتيحي
قراءة : (220)

لم يتوقف أمر استنكار "الرداءة التليفزيونية"  لدى ثلة من المغاربة العاديين في المقاهي أو الصالونات الخاصة، أو لدى الصحافة المتخصصة، بل تجاوزه إلى بعض "القنوات العربية" الإخبارية التي وجدت في "التردي" الذي أصبح عليه التلفزيون المغربي و"حموضة الفكاهة" مادة إعلامية، مرغّت الإبداع المغربي في التراب، وجعلتنا نخجل مما يقدمه التليفزيون العمومي، البعيد كل البعد عن الخدمة العمومية، التي تعني الجودة الإعلامية عوض الرداءة.

ولكي نشفي غليل أسئلتنا،  في مناقشة هذا الموضوع، الذي يحتاج إلى  حوار المكاشفة وشفافية الحقيقة، من أجل تعرية مكامن الخلل والبحث عن الحلول الكفيلة لتجاوز الأزمة، كان علينا أن نطرق باب أحد أقطاب النقد والتأليف المسرحي بالمغرب عبد الكريم برشيد لما يميزه من صراحة وجرأة في تشريح المشهد الفني الدرامي الوطني وكشف خيباته وإنكساراته ورصد "فتوحاته" وانتصاراته إن وجدت .

وفيما يلي نص الحوار:

بداية، ما هو تقييمكم لواقع الإنتاج التلفيزيوني المغربي؟

بصفة عامة نسجل عدم الرضا عن جُل ما يُقدم في التلفزة المغربية،  شخصيا أنا لا أجد نفسي مدفوعا أو منجذبا نحو أغلب الأعمال، باستثناء  بعض البرامج الثقافية "المحدودة" وللإنصاف ربما قناة "مدي 1 تيفي"، لديها أعمال، أعتقد أنها جيدة خصوصا في المجال  الإخباري و في متابعة بعض القضايا السياسية.

لكن في المجال الدرامي، هناك تخلف كبير ، ويرجع أساسا إلى الكتابة أولا، فالدراما تبدأ من نص جميل و كتابة رائعة حول قضية لها علاقة بقضايا الناس، وبأسئلتهم وبواقعهم،ولذلك عندما نجد تلفزتنا تهرّب قضيانا و تقفز عليها، و تأتي بمسلسلات تركية و مكسيكية فهذا أمر غير مقبول إطلاقا.

 هذه تلفزة مغربية، تُسيّر بأموال مغربية، و المفروض فيها أن تكون قريبة من الناس وتعالج قضاياهم، وتفتح المجال للكتاب والمخرجين المبدعين، من كل الأجيال، لكن الواقع لا يعكس ذلك، حيث يمكن أن نلاحظ بكل بساطة، أن هناك أسماء قليلة جدا هي التي تكرر، فتجدها في القناة الأولى و في الثانية، و في جميع الأعمال و بالتالي هناك حيف و ظلم و هناك عدم احترام لذوق المتفرج وهناك انسلاخ عن الثقافة المغربية العربية ا لاسلامية الإفريقية. و لهذا يمكن أن نختزل كل ذلك في كلمة واحدة و هي أن "تلفزتنا المغربية ليست مغربية".

المطلوب، أن تعكس الانتاجات التليفزيونية، التنوع والتعدد الثقافي واللغوي والجغرافي، حيث نسجل غياب التعدد الثقافي وعدم إنصاف مجالي، وتهميش اللغة الوطنية، حيث نجد أن اللغة العربية بثقافتها الكبيرة لا تأخذ حظها من التوزيع الزمني، خاصة  في أوقات الذروة وهناك برامج تمر في صمت و في أوقات ميتة ما بعد منتصف الليل بالرغم من أهميتها الكبرى.

أظهرت دراسة حديثة ، أنجزها المركز المغربي للدراسات والأبحاث في حقوق الإنسان، بشراكة مع وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان، استياء الجمهور المغربي عمّا تبثه قنوات التلفزيون العمومي؟ في نظركم ما السبب في ذلك؟

شيء طبيعي، أن يكون هناك استياء من قبل المتابع والمشاهد المغربي، لما تنتجه التلفزة المغربية، وهذا ما يفسر أن هذا الجمهور يهرب نحو القنوات الأجنبية كالمصرية، حيث يفضل أخذ الإنتاجات الأجنبية من أصولها عوضا عن الشكل الرديء، الذي تقدمها به تلفزتنا المغربية.

 ولابد كذلك  من الإشارة، إلى وجود اختلالات في التوجه و في الاستراتيجية، و في تمثّل الصنعة والحرفة والمهنة الإعلامية والدرامية، بالشكل المطلوب، ولذلك فهناك شرخا كبيرا ، يتجلى بشكل أوضح في شهر رمضان الكريم، عندما نجد أن التلفزة تحاول أن تضحك الناس بكل الطرق و بأي ثمن.

 ليس مطلوبا أن نضحك، لكن المطلوب هو أن نقدم مادة إعلامية، تحترم ذوق الجمهور وتحترم عقله ومستوى فكره وتقدم له مادة درامية أو اجتماعية تربوية أو تحسيسية بمهنية، ولذلك نلاحظ عدم رضا الجمهور، وأيضا بالنسبة للمهنيين، حيث نجد أن هناك شركات كبرى تلتهم كل شيء، وتأتي على الأخضر و اليابس، في حين هناك فئة كبيرة من الفنانين الذين لا يجدون موطئ قدم لهم، في التلفزيون العمومي.

 و هذا ما يبرر أننا نجد عددا كبيرا من الممثلين يموتون، في صمت و يشتكون و يطلبون تدخل ملكيا عاجلا، حيث أنه لو كانت الأمور تسير بنظام و انتظام و بنوع من النزاهة، و من العدالة ما كان ممكنا أن نصل إلى هذا الوضع الرديء.

احتج مؤخرا عدد من المخرجين والفنانين المغاربة عما أسموه بـ"الرداءة" التليفزيونية، لكن بالمقابل هناك من رأى في ذلك مجرد مزايدات و دفاعا عن مصالح شخصية، أنت كيف ترى ذلك؟

في الواقع، لا نحاكم النوايا، نحن نحاكم الظاهر والله يتولى السرائر، المشكل قائم بكل تأكيد، والإشكالات التي أثاروها قائمة، وينبغي معالجتها بعقلانية بعيدا عن المزايدات، الناس قرعو ا جرس الإنذار هذا من حقهم،  لكن المطلوب هو  إعادة النظر في القضية من جميع جوانبها.

 صحيح هناك من يريد أن يركب على الموجة، وهناك من كان يُعطى ثم مُنِع عنه العطاء فغضب، لكن دائما هناك أغلبية صامة .."كاين اللي كيحشموا على عرضهم" و هم كثر  و هم الذين نراهم يموتون في صمت، إذن في الواقع المطلوب هو فتح هذا الملف ومعالجته بعقلانية وإعطاء ما لله لله ولقيصر لقيصر".

ينبغي أن تكون هناك ديمقراطية و إنصاف للجميع،  من يعمل أكثر يستحق أكثر من يبدع أحسن نحفزه و نشجعه، وفي النهاية الأساسي هو خدمة مشهدنا الإعلامي والثقافي و نحن نعرف بأن التلفزة هي جهاز خطير،  فهي صورة البلد ووجهه، لكن  هل ما يقدم على شاشات تلفزتنا المغربية اليوم يعكس وجه المغرب الحقيقي؟ بالتأكيد لا.

هناك من يعتبر الرداءة في السينما والتلفزيون استراتيجية؟

بكل تأكيد هذه حقيقة، ماذا نشاهد اليوم في التلفزيون المغربي، يثبت أن هناك رهانا على تكريس  الرداءة والإسفاف، من خلال التركيز على  الأشياء التي ليس لها أي معنى ولا تؤدي أية رسالة وكل ذلك بحجة أن الشعب غير واعٍ و يريد هذا، و هو نفس الشعار كانت تطرحه السينما المصرية و المسرح المصري ويلخصه في شعار الجهور "عايز كذا"،  من قال هذا؟ هم "كيدقوا و كايقولوا شكون" ويحكمون بأن الجمهور يريد هذا النوع دون سواه.

المفروض في التلفيزيون أن يعتمد على ثقافات متعددة، تربوية جمالية إبداعية تحسيسية، بحيث لا يمكن أن نختزل كل هذا في كلمة واحدة و نقول بأن "الجمهور يريد الرداءة"، ونحن نستمر بتقديم الرداءة،  الرداءة لا تحتاج كل هذه الأموال، نحن نريد توعية الناس وأن نحمل لهم قيما جمالية وأن نربي الناس وأن نجعلهم في مستوى القرن الواحد والعشرين، وهذا يتطلب من التلفزة أن تقود الناس وليس أن تنقاد لهم.

 إذا كانت التلفزة تنتج ما يطلبه "المتخلفون"، فهذا شيء غريب جدا، لأن المطلوب من التلفزة، هو  أن تنشر الوعي و تعطي النماذج الناجحة والعالمة والمثقفة في المجتمع، أعتقد أن الحديث عن "هذا ما يريده الجمهور" مجرد أكذوبة لأن الأساس هو احترام المشاهد والفضاء الثقافي الذي نعيش فيه.

في نظركم، من المسؤول عن استمرار الرداءة في التلفيزيون العمومي ؟

 هناك أيادٍ متعددة، هي المسؤولة عن استمرار الرداءة في التليفزيون المغربي، فهناك الذين يستفيدون أكثر بأقل مجهود، وهناك من يخافون من  الوعي الثقافي، ويرون بأن التلفزة هي للتنشيط والترفيه، وللسهرات، هناك جهات متعددة كلها متواطئة من أجل تبقى دار لقمان على حالها.

لكن، كيف السبيل لاستعادة المشاهد المغربي الثقة في التلفزة المغربية التي هجرها من مدة؟

أنا أرى بأن الثقافة ومجال الاتصال يحتاجان إلى برلمان ثقافي وإعلامي، من قبيل مجلس أعلى للثقافة والآداب والفن يمثل فيه الفنان والمخرج والمنتج السينمائي، إلى جانب مختلف الفعاليات الثقافية، والأمر نفسه ينطبق على المجال الإعلامي، حيث يتم إحداث برلمان للمهنة وهو الذي يقرر، أما التدبير الحكومي لقطاع الإعلام، فقد أثبت عدم نجاعته على مدى العقود السالفة، وبالتالي فنحن في حاجة إلى دمقرطة العمل الثقافي و الإعلامي، بالشكل الذي نعطي فيه الخبز لخبازه، و نعطي الثقافة للمثقفين والإعلام للإعلاميين، والفن للفنانيين.

المشهد الثقافي والإعلامي العام، يحتاج إلى سياسة شاملة، غايتها تحقيق مشروع ثقافي عام ينهض بثقافة الديمقراطية ويعطي للجهوية حقها، حتى لا يبقى الفعل الثقافي حكرا على المدن المركزية الكبرى، ينبغي كذلك، ألا تبقى الوزارة عبارة عن إدارة تؤدي الوظائف الإدارية فقط، وإنما يجب أن تتحول إلى فاعل حقيقي وصانع حيوي ليس للفعل الثقافي فحسب، بل للتصورات السياسية في المجال الرمزي.

تقديم: 
حوار

التعليقات

أضف تعليقك