ما تبقى من أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟

بلال التليدي
قراءة : (28)
الاثنين, سبتمبر 11, 2017 - 22:30
ما تبقى من أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟

مع الحادي عشر من سبتمبر يعاد طرح سؤال الإرهاب والتحدي الذي يمثله في العالم، وحصيلة المقاربات الدولية التي تم اجتراحها لمكافحته..

لكن، اليوم، وبعد مرور ما يزيد عن عقد ونصف عن هذا الحدث الأليم، يبدو أن السؤال يحتاج أن ينعطف إلى وجهة أخرى، يبحث من خلالها تحولات الحالة الإرهابية في العالم، والسيرورات التي قطعتها إلى أن وصلت إلى هذه الدرجة المعقدة والمستعصية.

في البدء، وبسبب إشكالات مرتبطة بمعارك التحرير وتصفية الاستعمار وتقرير المصير، وقع الالتباس بين ثلاث ظواهر تستقل كل واحدة منها بمحدداتها الخاصة: العنف السياسي، والمقاومة المسلحة، والإرهاب.

وكان الالتباس الأكثر حدة هو المرتبط  بالتمايز بين العنف السياسي وبين الإرهاب، على اعتبار أن القوانين الدولية تفصل بشكل دقيق بين حق الشعوب في المقاومة، بما في ذلك استعمال وسائل المدافعة المسلحة من أجل الدفاع عن حقوقها الثابتة والمشروعة، وبين الإرهاب باعتباره جريمة دولية.

أما العنف السياسي، فلم يكن حكرا على تجربة دون أخرى، ولم يكن وقتها مسوغا الحديث عن تخصيص جماعة أو ثقافة ما بإنتاج هذا اللون من العنف السياسي، بل المعطيات التاريخية وقاعدة البيانات الغربية الخاصة بحوادث العنف السياسي منذ سنة 1970، كانت تؤكد بأن هذه الظاهرة أشد ما تكون التصاقا بالتجربة الغربية، وبشكل خاص الأوربية، التي عرفت العنف السياسي الماركسي والعمالي والمسيحي المحافظ والنازي والفاشي واليميني المتطرف وغير ذلك من الألوان التي تطفح بها تجارب دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا أيضا.

ومن حسن حظ تجارب العنف السياسي في العالم العربي، أن الأشد منها وطأة، ونقصد بذلك العنف السياسي الذي تميزت به الجماعة الإسلامية والجهاد في مصر، انتهى سنوات قليلة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعد أن تم الإعلان عن مبادرة وقف العنف سنة 1997 من قبل الجماعة الإسلامية في مصر وتلاها بعد ذلك مبادرة بعض قيادات تنظيم الجهاد.

لكن، مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتبني تنظيم القاعدة لها، حل مصطلح الإرهاب محل العنف السياسي، وبشكل سريع، أصبح العالم، بإيعاز وضغط من مستوعات التفكير الأمريكية والغربية، يتحدث عن الإرهاب كحالة ثقافية مصدرة من العالم العربي والإسلامي، أي وضع الإسلام، والأدبيات التي تؤوله في قفص الاتهام، بل وضعت عقائد بأكملها في دائرة المساءلة، وظهر أن المدخل الأوحد لمكافحة الظاهرة هو التدخل لتأويل الإسلام وتنويره والاتجاه لضبط مجالين اثنين يتصرف فيها المضمون الديني: الحقل الديني، ومناهج وبرامج التعليم، وتم حصر الأدبيات التي ينبغي حصارها، والأدبيات التي يتطلب نشرها وترويجها.

والملفت للانتباه، أنه مباشرة بعد البدء في تجريب هذه المداخل، تحركت أدوات الاستطلاع العالمية، لاستمزاج الرأي العام العربي والإسلامي عن سؤال الموقف من الإرهاب وهل الإسلام يبرره، وسجلت استطلاعات كل من بيو وغالوب وزوغبي وغيرها، مفارقات غريبة، إذ بقدر ما كان الجواب صارما وأغلبيا بخصوص رفض تبرير الإرهاب دينيا، بقدر ما تنامى الدعم لتنظيم القاعدة في العالم العربي إلى حدود سنة 2006، وتبين من خلال مخرجات  السوسيولوجيا، أن توصيف الإرهاب كحالة ثقافية ليس إلا استعادة بئيسة لأطروحة كولونيالية استشراقية لا يمكن أن تأتي على حل للإشكال، هذا إن لم تزد في تعقيده.

وقعت الانعطافة في توصيف الإرهاب، من حالة ثقافية إلى حالة سياسية، وكان المدخل للمعالجة هذه المرة، هو الدمقرطة في العالم العربي، بما يعني هذا المسار من توسيع هوامش المشاركة وإدماج النخب، والإقرار بالدور المحوري للأحزاب الإسلامية المعتدلة.

لكن، مع أحداث الربيع العربي، برزت إشكالية عميقة، انتهت إلى ما يعرف منطقيا بالدور المستحيل، أي أن  المصالح الأمريكية والأوربية، وفي مقدمتها الاستقرار ومكافحة الإرهاب، تقتضي دعم مسار الدمقرطة، والدمقرطة تؤدي إلى صعود الإسلاميين، وصعود الإسلاميين يهدد المصالح الأمريكية والأوربية! وانتهى التركيب الواقعي لهذه المعضلة  بتعاون وتواطؤ من الأنظمة المستبدة في العالم العربي أو مع بقاياها إلى الاستدارة الكلية عن المدخل السياسي، لفائدة منطق براغماتي غير محسوب العواقب.

مع الربيع العربي، بدأ الوضع يتحلحل بشكل جدي، ودخل التغيير حتى العقل السلفي الذي انعطف بشكل سريع إلى  المشاركة السياسية مجريا مراجعات فجائية على خطه الفقهي السابق، وسجلت مراكز الاستطلاع بين 2010 و2011 سنة هدوء غير مسبوق على مستوى الأحداث الإرهابية، ولم يكن هناك من تفسير لهذا الهدوء الاستثنائي سوى تأكيد فاعلية المقاربة السياسية والمدخل الديمقراطي.

لكن، مع إرهاصات التخطيط لخريف الديمقراطية، وبالتحديد منتصف سنة 2012، عاد الفعل الإرهابي من جديد، وأخذ مع سياسة الفوضى الخلاقة بعدا آخر، إذ صار مرتبطا أكثر بالإرادات الدولية المتصارعة في كل من سوريا والعراق، بل صار أداة بيد قوى إقليمية في المنطقة، يخدم مواقعها ويلبي مصالحها المتضاربة، حتى أصبح كيانا سياسيا ضمن معادلة إقليمية مستعصية، بل صارت له امتدادات واسعة، وأصبحت قدرته على الاستقطاب تتعدى الدوائر التقليدية، وتستهدف مواطني أوربا، وتثبت أن النموذج التربوي والثقافي الأوربي أصبح مخترقا وعاجزا عن  التحصين.

الآن، لنطرح السؤال، بعد أن فشلت  المقاربة الثقافية، وتم الإجهاز على المقاربة السياسية الفعالة، وبعد أن صار الإرهاب  أداة لقوى دولية واقليمية متصارعة لتعديل موازين القوى في المنطقة، وبعد أن صار حالة أوربية، وبعد أن حصل الاتفاق دوليا على تصفية الكيان السياسي لتنظيم داعش، ماذا تبقى من أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟

الدلالة الوحيدة التي ينبغي الإمساك بها بعد رصد كل هذه التحولات، أن الالتفاف على المدخل السياسي، بما يعني ذلك من عرقلة المسار الديمقراطي في العالم العربي، ووضع الخطوط الحمر على القوى الديمقراطية والوطنية، سيكون مآله مزيد من تعقيد الظاهرة الإرهابية، ومزيد من التحديات التي لا يمكن احتواؤها على المدى القريب والمتوسط.

بقايا تنظيم داعش، الذين يتوقعون أن يكونوا مطاردين في بلدانهم  الأصلية، ومطلوبين دوليا، وبقايا تنظيم القاعدة، والجماعات الإرهابية التي تنشط في بؤر التوتر الأخرى، ما المصير الذي يمكن أن يلحق هؤلاء؟ وأي أدوار يمكن أن يقوموا بها في السياسات الدولية القادمة في ظل وضع دولي جديد محكوم بسمة الفوضى واللانظام وعدم  وجود قواعد دولية فعالة لحسم الصراع؟

الأقرب إلى التوقع، أن تظهر في القريب العاجل، وعقب تفكيك الكيان السياسي لداعش، تشكيلة إرهابية أخرى، تجمع كل هذا الشتات، وتعطي نفسا جديدا للظاهرة الإرهابية، وتلعب أدوارا مستقبلية في صراع القوى الدولية المتصارعة، وتستمر الذريعة لمدى زمني آخر يمكن القوى الدولية المسيطرة من تحقيق أجزاء أخرى من مصالحها الاستراتيجية بالمنطقة.

التعليقات

أضف تعليقك