محمد هنيد: النخب وربيع الفرز الأكبر

محمد هنيد
قراءة : (425)
الجمعة, أبريل 28, 2017 - 11:30
محمد هنيد: النخب وربيع الفرز الأكبر

إن من أكبر الصدمات التي تعرضت لها الأمة خلال الانفجار الكبير الذي دشنته تونس في شتاء 2010 هي الصدمة الناتجة عن ردود أفعال نخبها ومواقفهم خلال الثورات التي ضربت المنطقة. ما كان أحد ليتصوّر أن تصطف أغلب النخب العربية سياسية كانت أو غير سياسية إلى جانب الانقلابات والثورات المضادة وإلى جانب كل القوى المعادية لتطلعات الجماهير في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

عادة ما يمثّل المثقفون والنخب في كل المجتمعات السويّة صمام الأمان أمام الهجمات الخارجية ويمثلون خاصة المعبّر الصادق عن تطلعات الأمة وعن أحلامها وعن غاياتها وهم من يصوغ الطريق المؤدي إلى رفعة الأمة وحريتها واستقلالها.
 
 لقد نجحت كل الأمم المتقدمة في تحقيق النهضة و التطور وفي التحول إلى قوى اقتصادية واجتماعية وثقافية عملاقة بفضل نخبها ومثقفيها الذين مثلوا القاطرة التي تقود منوال الخروج من التخلف والتبعية والاستعمار. فبنية المجتمعات وصيرورتها التاريخية تفرز طبقات متقدمة في وعيها وفي تصوراتها وفي قدرتها على تحويل هذه التصورات إلى حلول عملية إجرائية وفعّالة وهي طبقات تعكس عادة وعي المجتمع وعمقه الحضاري العميق.
 
 الحضارة العربية الإسلامية طوال تاريخها العريق الضارب في القدم والزاخر بالمنجزات المعرفية والعلمية والحضارية قد أفرزت أعظم المفكرين والعلماء والمثقفين الذين تعجز الكتب عن حصرهم وحصر مؤلفاتهم وهي نخب صاغت في مراحلها التاريخية واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ وقدمت للبشرية أغزر الإنتاجات الفكرية التي لا يزال صداها يتردد اليوم في كل أرجاء الجامعات العالمية.
 
 اليوم وبعد عقود طويلة من الحكم الفردي والاستبدادي الذي جثم على صدر الأمة ثارت الشعوب المقموعة في كثير من البلاد العربية بعد أن أدركت أن النظام القمعي العسكري العربي لا يختلف عن النظام الاستعماري المباشر بل يتجاوزه وحشية وقمعا وظلما.
 
 ثارت الشعوب دون نُخبها إذ من الظلم و الحيف أن نُرجع فضل الثورات وفضل إسقاط الحاكم الظالم إلى حزب بعينه أو مجموعة بعينها. وكان منتظرا بعد الانجاز الكبير الذي حققته أمواج العاطلين والمسحوقين والمهمشين أن تواصل النخب السير على ما أنجزته شعوبها لتمكّن الثورة من بلوغ شاطئ الأمان ولكي تجعل من الشعارات التي رفعها المتظاهرون قيما ومبادئ مجسدة على الأرض.
 
 لكن الصدمة كانت قاسية جدا فبالإضافة إلى العجز التنظيمي الكبير الذي ترجمته هذه النخب في تكالبها على المناصب وفي سعيها إلى استثمار اللحظة التاريخية من أجل تحقيق مكاسب سياسية فردية أو جماعية قامت النخب العربية على اختلاف مشاربها بالتمكين عن وعي أو عن غفلة لقوى الثورة المضادة من أجل تحويل ربيع الشعوب إلى خريف العنف والفوضى.
 
 هذا العنف وهذه الفوضى هي الطريق التي ستسلكها الدولة العميقة بما هي وكيل لقوى الاستعمار الخارجي لكي تنسف المنجز الثوري وتذهب به إلى الحالة التي نعيشها اليوم. لقد كشفت أغلب المدارس الفكرية والسياسية العربية من قومية ويسارية ولبرالية واسلامية عن عجزها الكبير في استيعاب اللحظة التاريخية وفي صياغة الطريق الذي يقوض هيكل الاستبداد ويمنعه من أن ينبت من جديد.
 
 لكن أعظم الجرائم الفكرية وأشدها خطورة هي تنكر أغلب النخب العربية إلى المبادئ والقيم التي ادعت لعقود طويلة أنها تناضل من أجلها ومن أجل تحقيقها وعلى رأس هذه القيم قيمة الحرية بكل تشكلاتها.
 
 فبقطع النظر عن النخب التي تحالفت مع الاستبداد وعملت على محاولة إنقاذه من السقوط خلال الثورات الشعبية الفجائية فإن نُخبا أخرى كثيرة عملت جاهدة على منع موته ومكّنته من العودة من جديد لتصدر المشهد ولإعادة منظومة القمع كما هو الحال في مصر مثلا.
 
 إن أعظم إنجازات ثورات الشعوب لا تتمثل في إسقاط رأس الاستبداد بل تتمثل أساسا في تعرية النخب العربية وبيان زيفها وزيف قدرتها على التغيير. فالتناحر الظاهر الذي يميز علاقات المدارس الفكرية العربية ببعضها البعض هو علامة من علامات هذا العجز العضوي في هيكل البناء الفكري والأخلاقي لهذه الجماعات التي يشترط فيها القدرة على تجاوز الخلافات البينية الثانوية والاتفاق على حد أدنى من الحوار والتواصل خاصة خلال اللحظات الفارقة مثل اللحظات التي تعيشها الأمة اليوم وهي تُهدّد من كل اتجاه.
 
 إن عجز النخب العربية على التنسيق الأدنى فيما يتعلق بالمشاريع المستقبلية لهذه الأمة أو في القدرة على تشخيص الأورام التي تعاني منها وتهدد كيانها الوجودي نفسه لهو دليل قاطع على أن النخبة العربية وخاصة السياسية منها هي اليوم جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل.
 
 فكيف يمكن أن نفسّر اصطفاف من يدّعون الدفاع عن القومية العربية مع ألد أعداء العروبة والإسلام ؟ وكيف يمكن للمثقف أن يدافع عن ذبح الشعوب وحرقهم في الشوارع أو أن يصمت شيطانا أخرسَ عن قصف الأطفال بالأسلحة الكمياوية ؟ وكيف يمكن للبرالي العربي أن لا يرى في الحرية إلا قدرة على معاداة عقيدة الأمة وموروثها الحضاري الكبير ورفض الآخر الاسلامي والدعوة إلى التنكيل به ؟ كيف يمكن لليساري المدافع عن حقوق العمال وعن الفقراء أن يتحالف مع الاستبداد وأن لا يرى ضررا في إبادة مخالفيه من الإسلاميين لأنهم يختلفون معه في القناعات والرؤى والتصورات ؟
 
 إن أعظم دروس الثورات الأخيرة هو حجم الأوهام التي رفعتها عن وعي الجماهير الجمعي لأن الوعي الجديد الذي هو بصدد التشكل اليوم يقوم أساسا على تأصيل الوعي الحقيقي بفكرة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي طالبت بها أمواج المتظاهرين في الشوارع دون الحاجة إلى نُخب تعبر عنها وعن شعاراتها.

التعليقات

أضف تعليقك