مصالحة حماس وفتح برعاية "السيسي"..حينما تقهر السياسة كما الماء صم الحجر...

محمد أمحجور
قراءة : (51)
الجمعة, أكتوبر 13, 2017 - 12:00
مصالحة حماس وفتح برعاية "السيسي"..حينما تقهر السياسة كما الماء صم الحجر...

وقعت اليوم كل من حركة فتح وحماس اتفاق مصالحة برعاية مصرية، وسط ترحيب من الرئيس عباس وحركة الجهاد الإسلامي. ولأن خبر المصالحة وبعض تفاصيله تم تداوله منذ أيام خلت، فإعلانه اليوم لم يفاجئ كثيرين، بيد أنه "زلزال" سياسي حقيقي وضخم ضرب في العمق قطعيات ومثاليات ووثوقيات كانت إلى عهد قريب جدا "قطعية الثبوت والدلالة". ولأن لكل زلزال ارتدادات تليه فإني أزعم أن كثيرا من الارتددات آتية لا ريب فيها، ولما لا زلازل أخرى مستوفية الأركان.

ولنا أن نسائل الزلزال كيف أمكن لحماس التي لم تخف يوما انتماءها إلى مدرسة "الإخوان المسلمين" أن "تتخابر" مع مصر، وليست أي مصر، إنها مصر الانقلاب ومصر السيسي الذي قلب "دولة الإخوان" وقتل شبابهم ونساءهم وألقى بجل قياداتهم في السجن وشرد كثيرا منهم في المنافي...؟! ثم نتساءل بعجب إذا لم يكن للمصالحة الفلسطينية بد، أفلم يجد إسماعيل هنية من أيام الله إلا أيام محنة "الإخوان"، ولم يجد من وسيط إلا مخابرات السيسي؟!

لا شك أن صمت كثير من الإسلاميين وعدم تفاعلهم مع ما يجري اليوم على أرض فلسطين مرده الغالب هو عدم تفاعلهم الإيجابي مع هذا "النموذج" الذي تجربه حماس في سياق إقليمي مضطرب وعاصف، نموذج أعتقد أنه أكبر من مواقف سياسية ظرفية، بل إنه نتاج مراجعات عميقة لنظرية عمل وصلت إلى منتهاها. واليوم يتأكد ما لم ينتبه إليه كثير من الناس يوم حدث التغيير  قبل أشهر في قيادة حماس التي نقلت رئاستها إلى الداخل الفلسطيني من خلال انتخاب إسماعيل هنية الذي استلم القيادة من خالد مشعل الذي أمضى ما يقارب من اثنين وعشرين سنة على رأس الحركة، إن هذا التغيير لم يكن تغييرا تنظيميا مسطريا تمليه اللوائح والانتخابات الداخلية فحسب، بل إنه كان نتيجة لمراجعات عميقة لنظرية العمل وللمشروع الحمساوي.

وإجمالا يمكن بعجالة تسجيل الملاحظات التالية إزاء ما يجري هذه الأيام في الشأن الفلسطيني:

1- قيمة هذه الأحداث اليوم أنها تأتي من فاعل لا يمكن المزايدة عليه بلغة "المبدئية" والنضالية والوفاء للخط وحفظ حقوق الشعب والجماهير والانتصار "للمقدسات"، فحماس التي أمضت الاتفاق برعاية مصرية "سيسية" وبمباركة من حركة الجهاد الإسلامي، هي حماس الشهداء وحماس المقاومة وحماس السجناء، ومثلها في ذلك شبيهتها حركة الجهاد الإسلامي.

2- لم يكن أكبر المتفائلين واقرب المتابعين للشأن الفلسطيني يتوقع السرعة التي تم بها إنجاز هذه المصالحة، وهذا يعني أن عملا كبيرا تم القيام به في صمت ومنذ مدة قبل إخراجه للعلن، كما أن هذا العمل يعكس مجهودا جبارا لعقل جماعي لحماس اشتغل خارج الصندوق بل خارج صناديق صنديدة وعنيدة، وهو ما مكن من إنهاء إحدى عشر سنة من الانقسام.

3- إن الاتفاق وباعتراف أطرافه لم يكن له أن يتم لولا الدور المصري ممثلا في المخابرات المصرية التي رعت الاتفاق واستضافت أطرافه بموافقة السيسي. وأزعم  أن هذا وحده زلزال حقيقي. فكيف لحماس أن تفك أجندتها من قيد "المحنة الإخوانية" وتترك الإخوان للقاء مصيرهم كما كتب لهم في صراعهم مع السيسي؟ إن هذا الموقف يؤشر لتحول عميق واستراتيجي في مواقف حماس، فمسؤوليتها اليوم تنحصر اولا وقبل كل شيء آخر في تدبير  أمور شعبها بما يمكنه من أن يكون في وضع أفضل مما هو عليه اليوم، ولو اقتضى هذا الأمر فك الارتباط والارتهان لوضعية إخوان مصر، وهي أيضا، أي حماس، مسؤولة أولا على العمل المشترك مع ذوي القربى من أهل الوطن في مشروع وطني جامع يوحد ولا يفرق.

4- إن السياسة اليوم عند حماس تحررت من كثير من الوثوقيات التي كبلت عقلها وأوهنت شعبها وحدت من مبادراتها، اليوم بقراءة الاتفاق مضمونا وسياقات يتضح أن العنت كثيرا ما يأتي من إلباس  السياسة ثوب المطلقات، وإخراجها من سعة الرأي والتقدير والمرونة وإدخالها في عسر الحق المطلق الذي لن يشاده أحد إلا غلبه.

ختاما إن ما نعيشه اليوم هو مدعاة إلى تنسيب كثير من المواقف، والاقتناع الكامل بعدم المزايدة في السياسة بالمطلقات والمثاليات التي سرعان ما يقهر صمها ماء السياسة التي جعلت بطبيعتها مواقف تقدر وتختار بين شر الشرين وخير الخيرين تقريبا وتسديدا وتغليبا. والسياسة أيضا ناذرا، والناذر  لا حكم له، ما تكون خيرا مطلقا أو شرا مطلقا، ولو كانت كذلك ما احتاجت فقها ولا حكمة .. "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا"..

دمتم سالمين.

التعليقات

أضف تعليقك