مصطفى الخلفي: العمل الجمعوي وأمن المجتمع

مصطفى الخلفي
قراءة : (104)
الثلاثاء, يناير 16, 2018 - 15:45
مصطفى الخلفي: العمل الجمعوي وأمن المجتمع

في ظل الثورة الرقمية، لا يمكن ربح رهان الأمن المجتمعي بدون انخراط فعال للمجتمع المدني.

ثمة حاجة متنامية إلى مساءلة واستشراف علاقة المجتمع المدني بالأمن المجتمعي والدور الممكن الاضطلاع به في إطار يحفظ استقلالية الفعل الجمعوي وحرية المبادرة المميزة له؛ وهي حاجة فرضتها سلسلة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية الجارية، كما تعضدها المستجدات الدستورية وما فتحته من إمكانات للمجتمع المدني وما طرحته من مسؤوليات جديدة.

لماذا؟ وكيف؟

لقد شكل اللقاء الجهوي التشاوري الثاني بجهة الدار البيضاء يوم 13 يناير 2017 للوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني، بشراكة مع جهة الدار البيضاء ومجلس المدينة والجامعات الثلاث للجهة، محطة أولى في إرساء مشروع وطني تلتقي فيه مختلف الهيئات المعنية للإجابة عن سؤالين محورين: لماذا؟ وكيف؟

وتقتضي الإجابة عنهما الانطلاق من كوّن مفهوم الأمن المجتمعي هو مفهوم مركب يمتد من ضمان سلامة المواطنين وأمنهم وحماية ممتلكاتهمإالى أمن الوطن واستقراره ووحدته وتقدمه. كما يشمل مختلف المجالات الدينية والأسرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والإستراتيجية وغيرها من المجالات؛ وهو ما يفرض عدم الاختزال أو الاشتغال بمقاربة ضيقة أو أحادية.

لماذا؟ مؤشرات رقمية دالة

إن الوقوف عند المؤشرات الرقمية تعزز من هذه الحاجة والقناعة لدور أكبر ومستدام ومسنود علميا للمجتمع المدني في دعم الأمن المجتمعي.

*فعدد قضايا الجريمة المسجلة عند مصالح الأمن تبلغ سنويا ما يفوق 440 ألف جريمة برسم 2017 نتج عنها إيقاف 354 ألف شخص ضمنهم 14 ألف قاصر، وتم معالجة وحلّ 91 في المائة من هذه الجرائم.

*كما بلغ عدد خلايا قضايا الاٍرهاب 48 خلية في السنوات الثلاث الأخيرة (2015/2016/3017) فضلا عن ارتفاع عمليات التجنيد والاستقطاب الرقمي لشبكات الاٍرهاب. وللعلم، فالتويتر أغلق أزيد من 300 ألف حساب متهم بالإرهاب في ظرف ستة أشهر من 2017.

*تجاوز عدد قضايا العنف ضد النساء 15 ألف قضية في سنة 2016 وقبلها 16 ألف قضية في 2015، وما يناهز 10 في المائة منها اعتداءات جنسية.

*في سنة 2017، تجاوز عدد وحدات الحبوب المهلوسة المحجوزة 4.1 ملايين وتجاوز المصادر والمحجوز 186 طنا من الكيف ومخدر الشيرا.

*يمثل عدد السجناء في قضايا الاتجار في المخدرات واستهلاكها أزيد من 20 ألفا، ويمثلون ما نسبته 25 في المائة من السجناء البالغ عددهم أزيد من 82 ألف سجين، وحوالي 8 في المائة من السجناء تتعلق ملفاتهم بقضايا المس بنظام الأسرة والأخلاق العامة.

*وتجاوز عدد حالات الطلاق 60 ألف حالة طلاق سنويا، أي ما معدله حالة طلاق مقابل كل خمس حالات زواج.

*تبلغ عدد قضايا الأسرة المسجلة في المحاكم الابتدائية ما يفوق 512 ألفا، أي أزيد من نصف مليون قضية، انطلاقا من النشرة الإحصائية لـ2016.

* يسجل ما معدله 7000 قضية رشوة سنويا في محاكم المملكة.

وهي مؤشرات دالة عن وجود تحد لا يمكن الاستهانة به، ومفتوح على التنامي والتزايد، وتواجهه بشكل مركزي أجهزة الأمن بفعالية مشهود بها، بالرغم من أن القضية تهم المجتمع ككل، بدءا من جهود كل من الاسرة والمدرسة في تعزيز منظومة القيم الدينية والوطنية وتنمية ثقافة حقوق الإنسان وواجباتها، وانتهاء ببنيات العلاج والتقويم وإعادة الإدماج لذوي السلوكيات المنحرفة، ومرورا بأدوار مؤسسات الإعلام والتنشئة الاجتماعية والهيئات الجمعوية.

كيف... رصيد وتراكم لكن التحدي أكبر

لقد استطاع المغرب أن يراكم تقدما مقدرا في مجال الحفاظ على الأمن، ونقف هنا عند خطاب العرش الأخير، حيث أكد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله "من حق المغاربة، بل من واجبهم، أن يفخروا بأمنهم"؛ فـ"رجال الأمن يقدمون تضحيات كبيرة، ويعملون ليلا ونهارا في ظروف صعبة من أجل حماية أمن الوطن واستقراره، داخليا وخارجيا، والسهر على راحة وطمأنينة المواطنين وسلامتهم".

وهو رصيد يشكل منطلقا لإطلاق هذا المشروع باعتبار أن قضية الأمن ليست مجرد قضية قانونية ترتبط بصياغة التشريعات المدنية والجنائية أو قضية تدخلية وزجرية تتعلق بفعالية الأجهزة الأمنية وعموم المؤسسات العاملة.. وهنا لا بد من تجديد التقدير لعطاءاتها وتضحياتها البارزة، بل هي أيضا قضية استباقية ووقائية ثم علاجية تتعلق بمساهمة مختلف مؤسسات وبنيات المجتمع كالأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني.

ويمكن الاطلاع على التجارب المقارنة وخاصة الأنغلو-ساكيونية من الوقوف عن دور متزايد للمجتمع المدني في صيانة الأمن المجتمعي وتدعيم التماسك الاجتماعي، حيث شهد العقد الماضي بروز مبادرات تدعو إلى إعادة الاعتبار إلى المجتمع المدني باعتباره شريكا في هذا المجال، بتعدد أدواره الاستباقية والوقائية والعلاجية والمواكبة.

كيف؟

يتأسس نجاح هذا المشروع على عدد من الشروط أهمها:

- اعتماد مقاربة تشاركية وترابية بين السلطات العمومية والهيئات المنتخبة والجمعيات المدنية؛

- تثمين مبادرات جمعيات رائدة كتيبة مراكز الاستماع وحماية الأسرة ومحاربة المخدرات وجمعيات الأحياء الفاعلة المشتغلة في قضايا الأمن؛

- التنسيق والالتقائية بين برامج انطلقت في قطاعات حكومية كوزارات التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية، والصحة، والتربية الوطنية، وحقوق الإنسان، والمندوبية العامة السجون، والمديرية العامة للأمن الوطني؛

- استثمار عدد من المشاريع الدالة لمؤسسات وطنية كالرابطة المحمدية للعلماء في قضية مناهضة الغلو والتطرف، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في موضوع القيم والمدرسة، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول التربية على المواطنة، والهيأة المركزية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها في مجال محاربة الفساد.

وهنا، ينبغي الاعتزاز بعطاءات جمعيات تشتغل في مجالات حيوية للأمن المجتمعي وتحديدا محاربة الجريمة والعنف والمخدرات ومكافحة الإدمان والقمار، ومواجهة التفكك الاسري وحماية القاصرين، وتعزيز أمن المحيط المدرسي، ومناهضة التطرّف والارهاب، ومحاربة التمييز العنصري وحماية المهاجرين، ومناهضة العنف ضد النساء والتحرش والاعتداء، ومناهضة الاستغلال الجنسي للقاصرين وغيرها من المجالات التي تشهد بروز مجتمع مدني جنيني، يحتاج إلى دعم وتقوية وإسناد ومواكبة وإنصات.

خطوات عملية

تبعا لما سبق تم إطلاق برنامج "الديمقراطية التشاركية والأمن المجتمعي" من الوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقة مع المجتمع المدني يوم 13 يناير 2018، عبر عملية حوار وتشاور ستستمر وستتعزز بمبادرات أخرى بهدف:

1- صياغة دليل عمل منهجي لفائدة المجتمع المدني في قضايا الأمن المجتمع؛

2- تعزيز قدرات الترافع لفائدة مشاريع الأمن المجتمعي؛

3- توفير منصة لبناء شبكات وأنسجة جمعوية في مجالات الأمن المجتمعي؛

4 - تعزيز منظومة الدعم العمومي للجمعيات بما يأخذ بعين الاعتبار الإسهام في تدعيم الأمن المجتمعي؛

5- تقوية إمكانات الجمعيات وبرامج للتكوين لأطرها، وتنمية برامج البحث العلمي المتعلق بقضايا الأمن المجتمعي.

وهي خمسة أهداف انبثقت من الحاجة الملحة لاستباق التحديات الأمنية، ومواجهة المخاطر المرتبطة بالثورة الرقمية، وما فتحته من فرص لشبكات الجريمة وبث ثقافة وقيم وسلوكيات تطبع مع الجريمة وتشيد برموزها وتلقنها، وما ينتج عن ذلك من إشاعة للشعور بعدم الأمن على خلاف الواقع الحقيقي.

كما سيمكن البرنامج من اعتماد أدوات منهجية وعلمية تهم البعد الوقائي والاستباقي في عمل المجتمع المدني في هذا المجال، وتطوير قدرات اليقظة عند المجتمع المدني تأخذ بعين الاعتبار المخاطر الرقمية.

ختاما، لا بد من تثمين الشراكة المؤسسة مع جهة الدار البيضاء - سطات ومجلس مدينة عاصمتها وجامعات الحسن الثاني والحسن الأول وأبي شعيب الدكالي، باعتبار الدعم المقدم منهم في إطلاق هذا المشروع وتوفير السند العلمي له.

التعليقات

أضف تعليقك