مصعب قاسم عزاوي: نبوءة تشومسكي

مصعب قاسم عزاوي
قراءة : (30)
الخميس, يوليو 13, 2017 - 15:30
مصعب قاسم عزاوي: نبوءة تشومسكي

دُعي كاتب هذه السطور إلى جلسة حوارية مع المفكر نعوم تشومسكي في أبريل/ نيسان الماضي، في نيويورك، أشار الأخير في سياقها إلى "ضرورة عدم استبعاد احتمال اختلاق إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حادثاً إرهابياً كبيراً، يمكن أن يغير حال الولايات المتحدة بشكل كلي ومباشر"؛ وهو ما يذكّرنا باستنتاجات الصحافي الطليعي جون بلايجر في سياق مراجعته أحداث "11 سبتمبر" في العام 2001، وما سبقها من دراسة استراتيجية قام بها رموز من المحافظين الجدد في إدارة بوش الإبن قبل أشهر من وقوع الكارثة، وكان عنوانها " أميركا بحاجة إلى بيرل هابر جديد"، في إشارة ضمنية إلى حادثة بيرل هابر التي قصف بها الطيران الياباني الأسطول الأميركي في هاواي في 1941، وكانت نتيجته دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وتبنيها نموذج الاقتصاد الحربي الذي ضمن خروجها من الكساد العظيم الذي بدأ في 1929، وأسفر عن ترسخ قاعدة سياسية، اتفق عليها كل الساسة الأميركان منذ الرئيس روزفلت، على أن الحرب المستمرة مع عدو حقيقي، أو مختلق، هي السبيل الوحيد لضمان استمرارية عجلة الاقتصاد الأميركي الذي تحولت فيه القطاعات المرتبطة بوزارة الدفاع وتصنيع السلاح إلى العنصر المسيطر في منظومة المجتمع الصناعي الأميركي إلى ما يشبه الحاكم الفعلي في الولايات المتحدة؛ فكانت الحرب الباردة، وحرب فيتنام، والحرب على تجارة المخدرات، و الحرب على نيكارغوا، وبنما، وكوبا، وليبيا، والحرب على الإرهاب، تنويعات على السياق الإخراجي لذلك السيناريو الذي لم يتغير مع الزمن.

وبالفعل من المنظور التاريخي، جاءت "11 سبتمبر" بمثابة سرية إنقاذ لحكومة بوش الإبن، لتخرج الاقتصاد الأميركي من تراجعه المهول، جراء انبثاق فقاعة شركات دوت كوم في العام 2000، وتتستر على النبأ الكارثة الماحقة الذي أعلن عنه وزير الدفاع الأميركي آنذاك، دونالد رامسفيلد، قبل أقل من 24 ساعة من توقيت الأحداث، ولم تقم فعلياً إلا شبكة CBS الأميركية بتغطيته، وكان كفيلاً بإسقاط الإدارة برمتها لو عرف به عامة الشعب الأميركي، لولا غبار الأبراج المتهاوية الذي غطى عليه، فلم يسمع به أحد، ومفاده بأن هناك "2.3 تريليون دولار لا تعرف وزارة الدفاع لمن دُفعت، وكيف صُرفت، وتبخرت من رصيد وزارة الدفاع"، لتنال بعدها بأيام وزارة الدفاع نفسها تمويلاً استثنائياً للانطلاق في حربها التهشيمية الشاملة على أفغانستان ومن ثم العراق، لتكون كارثة أحداث "11 سبتمبر" بمثابة الممحاة التي جَبَّت كل ما قبلها من خطل وزلل أسطوري، قد يرقى إلى أن يكون هدراً للمال العام، إن لم يكن فساداً متعمداً، فلا صوت يعلو، في السياسة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، فوق صوت المعركة.

وإذا أخذنا بالاعتبار جلجلة الفضائح التي تحيق برئاسة ترامب، سواءً لناحية احتمال تواطئه مع الروس قبيل الانتخابات الأميركية لقرصنة البريد الإلكتروني لمدير لحملة الانتخابية لمنافسته آنذاك، هيلاري كلينتون، والدعاوى القانونية التي يقودها عضو الكونغرس الوحيد المسلم، كيث أليسون، لعزل ترامب، لعلة تربّحه بشكل غير مباشر من عمله رئيساً للولايات المتحدة عبر مؤسساته ومشاريعه الاستثمارية التي أصبحت، بحسب توصيف الناشطين في الولايات المتحدة، بمثابة "الكوى التي يتم إيداع الرشاوى من خلالها لحساب الرئيس شخصياً"، بالتوازي مع فضائح تسويق صهر ترامب، اليهودي المتزمت جيرارد كوشنر، عبر شقيقته المسؤولة عن إدارة أعماله، إلى ما قد يرقى إلى بيع الجنسية الأميركية "للمستثمرين الصينيين مقابل استثمار نصف مليون دولار في مشاريع كوشنر العقارية في الولايات المتحدة"، بحسب "نيويورك تايمز".

ولمّا كان المسلمون الفقراء، غير القادرين على دفع الجزية لمحتسبي ترامب من أرباب المجتمع الصناعي العسكري الأميركي، هم الإصدار الأكثر معاصرةً في سلسلة أعداء أميركا، فقد يستقيم التوجس بأن أكثرهم معاناةً سوف يشكلون الحلقة الأضعف التي سوف تتوثب إدارة ترامب للانقضاض عليها، بحجة مختلقة، كالتي حذر منها تشومسكي، وكانت موضوع كتاب صدر أخيراً للكاتبة الأكثر شعبية بين القراء في أميركا ناومي كلاين "لا ليست كافية: مقاومة سياسات الصدمة الجديدة"، وتعني بذلك كارثة تخليق ما يشبه "11سبتمبر" جديد في الولايات المتحدة، لأجل إشاحة أبصار عموم الشعب الأميركي عن سلسلة فضائح إدارة ترامب، وما تفعله من "التهام ممنهج لكل بقايا دولة الرفاه وأنظمة الرعاية الاجتماعية في الولايات المتحدة"، وهو في جوهره "رفس في الوجه للقاعدة الانتخابية التي انتخبت ترامب نفسه"، بحسب توصيف تشومسكي نفسه، على أمل تحقيق وعوده بإعادة "إحياء الاقتصاد الأميركي عبر توطين الانتاج الصناعي الذي رحل عنه"، والذي تظهر الوقائع أنها جزء من سلسلة الأكاذيب الممنهجة التي ابتدعها ترامب، في سياق حملته الانتخابية باللعب على أوتار معاناة الطبقة العاملة في الولايات المتحدة، جرّاء "انكماش معدلات الدخل فيها، وهجرة المصانع منها إلى دولٍ لا تمانع في أن يعمل عمالها بأجزاء عشرية أو مئوية مما يتقاضاه العامل الأميركي"، فيما بدا لجماهير الناخبين الأميركيين بأنها فقاعة وردية عنوانها "جعل أميركا عظيمة من جديد"، بحسب تلفيقات ترامب الرثّة، والتي بانبثاقها، عاجلاً أو آجلاً، وانكشاف عريها الكلياني، قد لا يكون أمام ترامب إلا أخذ الولايات المتحدة تجاه "11 سبتمبر"، بإصدارٍ جديد يُنتجه ويُخرجه ترامب نفسه، ويذهب ضحيته، كما هو الحال عليه خلال العقدين الأخيرين، العرب المسلمون المقهورون المستضعفون، الذين قد يتواطأ بعض أبناء جلدتهم بالعمل برتبة "كومبارس"، ضمن فريق ترامب الفني، بحجة تقويم ميزان العدل المختل و"مكافحة الإرهاب".

التعليقات

أضف تعليقك