مفاهيم ومفردات في المنهج....مفهوم الإصلاح (1)

محمد يتيم
قراءة : (408)
السبت, يناير 27, 2018 - 19:30
مفاهيم ومفردات في المنهج....مفهوم الإصلاح (1)

"لا مشاحة في المصطلح " ليست قاعدة مطلقة

هكذا كان يقول علماء المسلمين، لكنهم كانوا يقررون أيضا بوجود ما يسمى بـ"اللفظ المشترك" وهو اللفظ الواحد الذي يستخدم للدلالة على معاني متعددة بتعدد السياقات التي يتم استخدامه فيها، وهو نفس المعنى الذي قرره علماء اللغة المعاصرين وهم يتحدثون عما سموه بـ"حركيّة الدليل اللغوي" أي قابليته للاستعمال للدلالة على مدلولات متعددة بتعدد سياقات استخدامه، ولذلك فقاعدة "لا مشاحة في المصطلح" تنطبق على المصطلحات المتعددة التي تشير إلى الشيء المعنى الواحد، ولا تعني أن المصطلح غير متحرك، أو حمال لأوجه، أو أنه غير قابل للتأويل وأنه يحتمل أكثر من دلالة.

المشاحة لازمة في مصطلح "الإصلاح"

المصطلحات إذن تكتسب قوتها ومعانيها من الحقل الدلالي الذي تنبثق وتصدر عنه، وقد يكون هذا السياق حقلا معرفيا كما قد يكون سياقا ثقافيا أو حضاريا أو اجتماعيا.

هذه المقدمة تصلح لتناول مفهوم "الإصلاح" بحمولته المختلفة انطلاقا من المرجعية الإسلامية، وتمييزه عن مفهوم الإصلاح كما يستخدم اليوم في القاموس السياسي السائد، فحين يتم الحديث عن الأحزاب الإصلاحية واليسار الإصلاحي اليوم مثلا في المغرب، فإنه يطلق للدلالة على الأحزاب المندمجة في المؤسسات السياسية القائمة، والتي تسعى لإصلاحها وللإصلاح من داخلها، وهو تعريف يحمل طابعا قدحيا في قاموس اليسار الجذري، حيث إن "الإصلاح" في هذه الحالة ليس سوى محاولة "ترقيعية"، وتجميلا لصورة الأنظمة الاستبدادية وإضفاء للشرعية عليها، ومن ثم فإن الطريق الأسلم بالنسبة إليها هو الدعوة إلى تغيير قواعد اللعبة من أساسها، والدعوة إلى تغيير جوهري في بنية النظام السياسي برمته بغض النظر عن أسلوب هذا التغيير ووسائله سواء مدّا ثوريا شعبيا مدنيا أو حراكا مسلحا، أو كان عبر تغيير دستوري شامل ينتهي في حالة الأنظمة الملكية بإقرار ملكية برلمانية على غرار الملكيات الأوروبية، وبالنسبة لحركات جذرية أخرى الدعوة إلى ميثاق تأسيسي يعيد تأسيس قواعد الاجتماعي السياسي، ويتعاقد الجميع على طبيعة النظام السياسي الذي سيحكمهم.

وحيث أن المصطلحات ليست بريئة، وأنها ينبغي على العكس ينبغي من ذلك الوقوف عند حمولتها الفكرية والثقافية وخلفيتها القيمية وتفكيكها، وأنه في حالة الحركات التي تستلهم المرجعية الإسلامية وجب تحرير هذا المصطلح من حمولات أخرى ناتجة عن التأثر بمناهج في التغيير، لها مرجعيات أخرى، فمن من اللازم العودة إلى تحرير مفهوم الإصلاح في ظل المرجعية الإسلامية وبعده الثقافي والحضاري الأصيل.

بين مصطلح الإصلاح ومصطلح التغيير

وبالرجوع بهذين المصطلحين واستخدامهما في السياق القرآني وفي السنة النبوية نستطيع الخروج بالخلاصات التالية :

-إن مصطلح التغيير قد يطلق للدلالة على الفعل الإصلاحي الساعي إلى إقرار المعروف وإزالة المنكر من الأوضاع والتصرفات، وهو ما يتضح في الحديث الصحيح: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، حيث يتضح من سياق الحديث أن التغيير هنا هو تغيير نحو الأحسن ومقاومة للمنكر والفساد، كي يحل محله المعروف والصلاح، إن التغيير هنا مرادف للإصلاح.

- ليس كل تغيير هو بالضرورة إصلاح، فالتغيير قد يكون عملا سلبيا وإفسادا في الأرض، فساد يبدأ بفساد الفكر والمنهج وفساد الإرادة فتكون نتيجة هذا التغيير الذي يبدأ بذات الإنسان مدخلا لاضطراب الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ولعل ذلك مما يشير إليه قوله تعالى : "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".

-الإصلاح في المنظور القرآني تبعا لذلك ليس ترقيعا أو مهادنة مع الفساد بل هو مقاومة له حتى وأنت تخالطه وتتعايش معه اجتماعيا وسياسيا، فالمخالطة والعيش المشترك داخل مجتمع هو ضرورة إنسانية وعمرانية لا غنى عنها مادامت هناك إمكانية لهذا العيش وحرية في التعبير والدعوة إلى الإصلاح والتنظيم من أجل ذلك، فتلك الضرورة لا تعفي من مقاومة الفساد والتصدي له بكافة الوسائل الممكنة والمشروعة حسب الوسع والطاقة والاستطاعة، كل بحسب موقعه ومسؤوليته كما في الحديث المشار إليه أعلاه "من رأى منكم منكرا فليغيره ...".

- العمل السلمي المدني هو الأصل في الإصلاح بالنسبة للفرد والجماعة المدنية أي التي لا توجد في السلطة السياسية ولا تتحمل مسؤوليتها، في حين أن مسؤولية التغيير بـ"اليد" في غالب ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة هو مسؤولية الحاكم .

-جدلية الصلاح والفساد والحاجة المتواصلة للتدافع بينهما :

وهو معطى أساسي وضروري في فهم منهج الإصلاح وطبيعته ودور الإنسان فيه فردا وجماعة، فلا توجد حالة صلاح كاملة ونهائية سواء على صعيد الفرد أو على صعيد الجماعة، وإنما هي حالة مراوحة ومدافعة وجهاد ومجاهدة واجتهاد. وهي حالة المراوحة التي نبه عليها القرآن المسلمين في البدايات الأولى لتشكل المجتمع المسلم الأول في المدينة في قوله تعالى : "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فَطَال عليهم الأمد فَقَسَت قلوبهم وكثير منهم فَاسِقُون . اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات إن كُنتُم تعقلون ".

عن ابن مسعود قال : ما كان ما بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بَعضُنَا إلى بعض ويقول : ما أحدثنا؟ قال الحسن : استبطأهم وهم أحب خلقه إليه ".

وفي المجتمعات الإنسانية لا توجد "مدينة فاصلة"  كتلك التي حلم بها أفلاطون ولا "خلافة راشدة " بالمعنى الذي يتداوله بعض الإسلاميين، حيث إن الأمر يتعلق بـ"خلفاء راشدين " وليس بــ"خلافة راشدة " لسبب بسيط هو أنه لا يوجد نظام سياسي اسمه الخلافة الراشدة، وتدبير المسلمين الأوائل لقضية خلافة النبي صلى الله عليه وسلم كان تدبيرا بشريا محكوما بما توصل إليه الفكر البشري آنذاك وبالثقافة الإنسانية السائدة دون أن ننفي تأثير القيم الجديدة التي جاء بها الإسلام  . وهذه مسألة كبيرة وعريضة تحتاج إلى معالجة خاصة.

ومعنى التدافع هذا مقرر بوضوح في القرآن الكريم في قوله تعالى: "ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض "

وهذه الجدلية ثابتة في عدد من النصوص القرآنية والحديثية ومنها ما ورد في الحديث الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي بعثه الله في قومه إلا كان له أصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خرذل ".

الطبيعة اللولبية لمسار الإصلاح

وبالنظر إلى ما سبق فإن مسار الإصلاح لا يسير وفق خط تصاعدي مطرد، وهذا الأمر كما يصدق على المستوى الفردي حيث تتصارع في نفس الإنسان نوازع الخير ونوازع الشر، وعوامل الصلاح وعوامل الفساد، وكما أنه تهب على الإنسان في اليوم الواحد والعمر فترات من التوهج والألق وأخرى من الكسل والفتور كما في الحديث الصحيح: "إن لكل عمل شِرة،ولكل شِرة فترة ( فتور ) فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت شرته إلى غير ذلك فقد هلك".

ومعنى ذلك أن المسار العام للصلاح والإصلاح في حياة الفرد والمجتمع هو مسار تصاعدي، علما أنه قد تأتي على الفرد والجماعة – وهذا من سَنَن الله الكونية – فترات وعثرات وتراجعات، والعبرة بالمنحنى العام هل هو التقدم المطرد في مواقع الصلاح أو الإصلاح أم العكس ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو : هل منحنى الصلاح والإصلاح في المجتمع في تقدم أم في تراجع؟ وهو ما يمكن من تملك نظرة إستراتيجية لا تقف عند بعض حالات التراجع غير المؤثرة في مسار التدافع بين عوامل الصلاح والإصلاح وعوامل الفساد والإفساد.

ومن الناحية التاريخية يتوقف بعض الإسلاميين مثلا عند ما يسمونه ب"الانقلاب الأموي" ويعتبرونه "نهاية التاريخ الإسلامي" باعتباره يسجل نهاية لـ"النموذج الإسلامي" في الحكم ويمسحون كل التجربة التاريخية والحضارية للإسلام والمسلمين من بعد التي بقيت متوهجة وفي صعود الى عصر الموحدين حسب مالك بن نبي الذي يعتبر أن بداية التراجع الحضاري الإسلامي تبدأ بـ"ما بعد عصر الموحدين ".

الطابع التراكمي وقانون التدرج في الإصلاح

إن الزمن معامل أساسي في الإصلاح، وأن سَنَن الله في المجتمعات والتجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن الإصلاح لا يتم بين عشية وضحاها، وأن البناء عكس الهدم يحتاج إلى عمل هادئ متواصل، وأن ما يحل فجأة هو الكوارث والصواعق، أما الكيانات الحية سواء كانت بيولوجية أو اجتماعية فإنها تخضع لمنطق النمو وسنة " الأطوار".

وهذا التدرج فضلا عن كونه سنة طبيعية واجتماعية، فإنه يفرض نفسه عن الطبيعة المركبة للفساد في الدول والمجتمعات، وقد واجه المجتمع الإسلامي هذا الواقع في وقت مبكّر واستحضره خامس الخلفاء الراشدين في ما تروي كتب السير.

فقد دخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه، فقال: يا أبت، مالك لا تنفذ الأمور؟ فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق! قال له عمر: لا تعجل يا بنيّ؛ فإنّ الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعونه جملة ويكون من ذلك فتنة".

ودخل عليه مرة أخرى، وقال: " يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربِّك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعةً فلم تُمِتْها, أو سنةً فلم تُحْيِها؟!"  فأجابه والده: "رحمك الله, وجزاك من ولدٍ خيراً, يا بني؛ إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدةً عقدةً, وعروةً عروةً, ومتى أردتُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمَنْ أن يفتقوا علي فتقاً يكثر فيه الدماء, والله لزوال الدنيا أهون عليَّ من أن يُراقَ في سببي محجمة من دمٍ, أَوَ ما ترضى ألَّا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت بدعة, ويُحيي سنة."

ولابن خلدون كلام نفيس في مراعاة سَنَن العمران البشري ( مستقر العادة ) وقوانين التغيير الاجتماعي ومراعاة قاعدة التدرج والتراكم فكان مما قرره في كتابه العظيم "المقدمة" في الفصل السادس تحت عنوان : الفصل السادس" في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم " قوله : " ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتشبثون بهم من الغوغاء والدهماء، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك.

وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين، لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم، وإنما أمر به حيث تكون القدرة عليه. قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه). وأحوال الملوك والدول راسخة قوية، لايزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر كما قدمناه.

وهكذا كان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب، وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة والله حكيم عليم".

جدلية الإصلاح الثقافي والتربوي والاجتماعي والإصلاح السياسي :

إنه على الرغم من أهمية السلطة السياسية وموقعها في الإصلاح، السلطة في أبعادها المختلفة تشريعيا وتنفيذيا وقضائيا "إن الله ليزع بالقرآن ما لا يزع بالسلطان ، إلا أن الإصلاح السياسي والمؤسساتي لا يكتمل بدون إصلاح ثقافي وتربوي، بل إن الأعطاب الثقافية قد تكون عرقلة لجهود الإصلاح السياسي والاجتماعي ( انظر تفصيل دك في كتابنا " نظرية الإصلاح الثقافي " . وقد توسع عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" في كشف الطبيعة المركبة للاستبداد، وكيف ينتج الاستبداد السياسي منظومة متشابكة من علاقات الاستبداد على المستوى العلمي والثقافي والديني والاقتصادي والأخلاقي، وكيف تمكن هذه الأنماط من الاستبداد في مظهره السياسي . وكما انه هناك استبداد نازل فهناك استبداد صاعد، كما أن هناك استبدادا أفقيا، وفي كثير من الأحيان يتم التركيز على الاستبداد النازل ويتم غض الطرف عن الأنماط الأخرى من الاستبداد (كتابنا نظرية الإصلاح الثقافي).

في الحلقات القادمة ( الشراكة في الإصلاح )

 

التعليقات

أضف تعليقك