ملتقى الشبيبة..ومدرسة العدالة والتنمية

محمد يتيم
قراءة : (2777)
السبت, أغسطس 12, 2017 - 20:15
ملتقى الشبيبة..ومدرسة العدالة والتنمية

أود في البداية التوجه بالتهنئة للأخ خالد البوقرعي، ورفاقه في قيادة شبيبة العدالة والتنمية وكل القيادات التي تداولت على رئاستها منذ جيل التأسيس إلى اليوم.

وعلى الرغم من أنني لم أتابع كل العروض والمحاضرات، إلا أنه قد تابعت قدرا مهما منها يجعلني في وضع يمكنني من الخروج بعدة خلاصات وبضعة ملاحظات، وبعض عتاب لا يقلل من نجاح هذه المحطة، بقدر ما ينبه من طرف خفي إلى ما ينبغي الحذر منه والاحتياط له في المستقبل، وبعضها لا يرتبط بهذه اللحظة بل ما فتئت أعبر عنه منذ تأسيس الشبيبة !!

في العدالة والتنمية فقط

في العدالة والتنمية ينتظم ملتقى شبابي سياسي وفكري وثقافي، امتد طيلة أسبوع تقريبا وحج إليه مناضلو الحزب الشباب من كل فج عميق دون درهم ولا دينار، ملتقى يمكن اعتباره جامعة صيفية للتكوين السياسي والعلمي والفكري، تناوبت على منابرها أسماء وازنة علميا وفكريا وسياسيا من قبيل الريسوني وَعَبَد الفتاح مورو والحمداوي وبن كيران والعثماني والبوحسيني وحسن طارق وَعَبَد الصمد بلكبير والقائمة طويلة ...

في العدالة والتنمية فقط يجلس بن كيران - الذي أعفي نتيجة " بلوكاج " كان من الممكن أن لا يكون لو أن سفينة الانتقال الديمقراطية كانت قد رست بصفة نهائية على شاطئ الأمان، إلى جانب رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني، وأن يوصي الأمين العام خيرا برئيس حكومتهم، وأن يؤكد  لهم أمام الأشهاد أنه لا خيار أمامهم إلا مساندة الحكومة ، وأن يعيد رئيس الحكومة أنه إنما أصبح رئيساً للحكومة كذلك بموافقة الحزب، وقرار مؤسساته، وأنه يوم يقرر الحزب غير ذلك فلا قرار إلا قراره.

في العدالة والتنمية فقط يتم الاعتراف بالاختلاف والتفاوت في التقدير وفِي قراءة واقعة تشكيل حكومة العثماني ورواية تفاصيل أحداثها، يعترف الجميع دون مواربة بأن الحزب مر بظروف صعبة بعد إعفاء الأستاذ بن كيران وتعيين الدكتور سعد الدين العثماني، وتشكيل الحكومة بالشروط والظروف التي يعرفها الجميع.

وفِي  العدالة والتنمية قرر الجميع أيضا، أنه لا فائدة ترجى في اللحظة الحالية على الأقل من الوقوف عند التفاصيل وتحقيق الروايات وتمحيص التأويلات، إذ لا فائدة ترجى من وراء ذلك، فذلك يمكن أن يكون عمل المؤرخ أو عالم الاجتماع، بما أن كل واحد من الرواة هو ذات وموضوع، راوية وفاعل صانع للحدث، وأن الأمر يحتاج إلى قراءة موضوعية كلية للمرحلة تستحضر عناصر القوة وعناصر الضعف في الأداء الجماعي، وتستشرف المستقبل وتتجاوز الأشخاص والأفراد  !!

في العدالة والتنمية فقط يوصي الأمين العام الشباب بأن الملكية ركن ركين من أركان هذا البلد، ودوام لاستقراره ونجاحه وصموده في وجه الأزمات، دون أن يمنعه ذلك في نفس الوقت من طرح أسئلة كبيرة وصريحة صراحة مرة أحيانا، بطريقته الصادقة وسريرته التي لا تكاد بطبعها أن تخفي شيئا تدعو بعيدا في تحديد المسؤوليات وربط المسؤولية بالمحاسبة !!

مدرسة الحرية الفكرية والاستماع للمخالفين

في العدالة والتنمية تُمارس الحرية الفكرية في أبهى صورها، حيث يتسع صدر الحزب بالرأي المخالف، إذ يثبت أنه لا يخاف الأفكار المخالفة، فهو يقدر أنه من الطبيعي أن تختلف التقييمات والتحاليل باختلاف المنطلقات والمرجعيات، هو حزب لا يضيق بها بيت أبنائه ومناضليه، ولا يضيق بها إذ هي صادرة عن مخالفيه بل يفسح لهم ملتقى شبابه ويجعل لهم كلمة فيه .

لكل اختيار أسسه ومقدماته .. وكل اختيار ينبغي أن يحاكم بناء عليها !

يفعل ذلك وهو متيقن من نفسه، محدد بوعي لموقعه واختياراته . الحزب لم يدع  يوما بأنه حزب ثوري أو راديكالي، ومن أراد الحكم على الحزب ويقيم أداءه فعليه أن يفعل ذلك من  داخل منطقه ومنطلقاته ومرجعياته، لا على أساس منطق ومنطلقات ومرجعيات لم يسلم يوما بها حتى يسلم بالنتائج التي يمكن أن تترتب عنها.

لم يقل الحزب يوما بالملكية البرلمانية، ويعتبر أنه ما تزال هناك  ممكنات في التنزيل الديمقراطي للدستور  لم تستنفذ بعد. وأن من بين أهم  المنطلقات المنهجية للحزب التدرج  والتعاون والشراكة في بناء الوطن.

ينبغي للمنتقدين من خارج منطق الحزب أن ينتبهوا أن الخيار الإصلاحي التراكمي للحزب  قد اثبت نجاعته وأظهر مردوديته، وهو الخيار الذي استند على أعمق ما توصل له الفكر الإسلامي من قواعد أصولية في تدبير تعارض المصالح والمصالح والمفاسد، والمفاسد والمفاسد، والمصالح قائمة على التقدير والترجيح، وهي قواعد عقلية فطرية يقر بها كل عقل سليم . وينبغي لأعضائه وشبابه خاصة أن يحاكموا ويقيموا أداء الحزب.

 

وإذا كانت المناضلة الغيورة السيدة البوحسيني أو السيد حسن طارق أو السيد عبد الصمد بلكبير لهم رأي آخر، أو كانوا - لا سمح الله - يبحثون في العدالة والتنمية عن ذلك الحزب الذي افتقدوه في اليسار، وفِي أمينه العام عن المهدي بن بركة، أو ابراهام السرفاتي، فليس حزب العدالة والتنمية الذي خشية أن ينعت بـ"المخزنية" سيرضى لنفسه أن يضطلع بدور كاسحة ألغام، ولا بالذي سيتطوع بالعودة بالبلاد إلى تاريخ تنازع وصدام مع الملكية أكل فيه أوفقير الثوم بفم حركة بلانكية وأنتجت سنوات رصاص كان يضرب في الاتجاهين .

ينبغي لأعضاء الحزب ومتعاطفيه وشبابه أن ينتبهوا أنه بذلك الخيار - الذي وصف تارة بالانبطاح وتارة أخرى ب"المتنازل " ، ونال بسببه "بن كيران " في التاريخ القريب والبعيد ما نال من تهمة "التمخزن" والتفريط في الصلاحيات - تصدر الحزب المشهد السياسي بصبر ومثابرة ومعاناة ومكابدة، وأنه بهذا الخيار وعلى الأرجح بسببه لم يسلم من حرب السلطوية وأدواتها وإعلامها، لأنه لم يقدم نفسه ولن يقدم نفسه ولن يسمح لخصومه أن يقدموه في موقع المنازع للملكية ولشرعيتها الدينية والتاريخية،  كما أنه لم  يسلم ولن يسلم من الجهة الأخرى من السنة حداد من أقصى اليمين أو من أقصى اليسار !!

حزب يشبه المجتمع المغربي

حزب العدالة والتنمية حزب يشبه المجتمع المغربي، ليس فقط من زاوية الانطلاق من نفس المرجعية، بل من حيث خياره الإصلاحي التوافقي، فهذا الخيار هو خيار المجتمع وهو جزء من ثقافته ولذلك المجتمع المغربي مطبوع على الاعتدال ونبذ التنطع، ولم يسلم نفسه للغلو أو للتفكير الحدي والراديكاليات التي تنحو في الغالب إلى تبسيط  القضايا والتفكير من خلال ثنائيات أبيض وأسود، والواقع أن شهادات التاريخ القريب والبعيد على أن الغلو والراديكالية في جميع صورهما وأشكالها قد تحولت مع الزمن إلى أشكال هامشية لا تأثير لها في مسار الإصلاح ومدافعه مع الفساد، ورحم الله عبد الله بها الذي كان يقول: "المتطرفون يحركون التاريخ والمعتدلون يصنعونه "، والذي كان يقول إن الاعتدال يستهدف من الغلاة في الطرفين، وهو ما يفسر أن جزءا كبيرا من جهد الراديكاليات ينصرف للنيل من الحركات السياسية المعتدلة، وتسفيهها واتهامها بشتى أفدح النعوت التي تصل أحيانا إلى حد التخوين !! فتلتقي موضوعيا بخصومها من الغلاة في الضفة الأخرى .

الديمقراطية الداخلية وأخلاقها في العدالة والتنمية، ليست شعارا أو مجرد آليات بل هي ثقافة وأخلاق . في العدالة والتنميةً فقط لا احد يستطيع أن يتنبأ إلى آخر لحظة من لحظات  التداول بخصوص الذين تم ترشيحهم لمسؤولية من المسؤوليات، بمن سيستقر عليه التصويت وينتخب أمينا عاما أو مسؤولا جهويا أو إقليميا أو مسؤولا عن منظمة موازية.

وذلك يعني أن المسؤولين في العدالة والتنمية يرشحون ولا يترشحون، ويتم اختيارهم  بعد عملية تداول جماعي عقلاني، مبني على ترجيحات مركبة يغلب فيها منطق العقل على منطق العاطفة، ومنطق الأصلح للمرحلة إيمانا أن كل المتبارين هم أهل لذلك، وأن من لم يتم اختيارهم من رجال وقيادته، ينبغي أن يظلوا في خدمة الحزب من أي موقع كان، إن كانوا في الساقة كانوا في الساقة وان كانوا في الحراسة كانوا في الحراسة.

 

في العدالة والتنمية فقط يعتبر مستهجنا مواجهة الهيئات والمؤسسات بمواقف ومقررات مسبقة، بما في ذلك الدعاية المسبقة لانتخاب شخص، ولما تجتمع الهيئة المعنية ولما توضع القاعدة القانونية والمسطرة المنزلة لها في العدالة والتنمية، يستهجن اُسلوب التهييج العاطفي الذي من طبيعته القفز فوق كل القواعد بل فوق القيم والأخلاق.

في العدالة والتنمية فقط تمت تنشئة أجيال على توقير الكبير واحترام الصغير، على تقدير السابقة واعتبارها دون خنق التعابير الشبابية الحرة، شريطة أن تنضبط بالقواعد المنهجية وتمتلك الأدوات المعرفية وتلتزم بالضوابط الأخلاقية، ويجب على شبيبة العدالة والتنمية أن تكون قدوة ومنارة، لا أن تكون صدى للإعطاب التي أنتجتها ضحالة التكوين اللغوي والمنهجي والأخلاقي نتيجة أزمة المدرسة والجامعة المغربية !!

في العدالة والتنمية فقط يتم احترام شرعية المؤسسات والهيئات، ويعتبر من المستنكر الاستقواء بمواقع وصداقات في بعض المنابر والمواقع الإعلامية، لتهيئ الرأي العام الداخلي للحزب والتأثير فيه في هذا الاتجاه أو ذاك، ناهيك أن يتم تقاسم أوصاف منكرة وشتائم ساقطة في حق قياديين أو أعضاء، وتربيتنا قد علمتنا دروسا أخلاقية متضمنة في سورة الحجرات التي تنبه إليها الأستاذ العربي بلقايد بعمقه التربوي، وأصالته المنهجية، حين تلا بضع آيات تشير إليها في افتتاح آخر دورة للمجلس الوطني ومنها قوله تعالى:

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، وقوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ".

 في حزب العدالة والتنمية يتنفس المناضلون الصادقون أخلاق التواضع المعرفي، ويتعلمون من خلال التداول الجماعي، أن الأحكام نسبية وظنية خاصة في عالم السياسة، هذا العالم الذي تختلط فيه المفاسد بالمصالح، وأن الترجيح فيها مزلة إقدام ومضلة إفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب كما نقل ابن القيم عن ابن الجوزي، ومن ثم ينبغي أن يحملوا تصرفات إخوانهم دوما على حسن الظن ويصرفونها على أحسن الوجوه والتأويلات، وفِي أسوأ الحالات على الخطأ في الاجتهاد والتقدير، لو افترضنا أنهم اجتهدوا خارج ضوابط العمل داخل الحزب، وان عليهم إن لم يتمكنوا من ذلك أن يلجئوا إلى الدليل الوجداني المسمى عند العلماء " قياس الأولى"، الذي يقوم على أساس أنه لا يجوز أن ارمي أخا بباطل وأن أتصور في حقه وأجاز ما لا أتصوره، أوجزه في حق نفسي، بالرغم من أنه قد يكون أعلم وأتقى، وذي سابقة تشهد له بالكفاح نصرة لقيم الحزب وثوابته والله أعلم بمن اتقى، لقوله تعالى "لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ".

وهو الموقف التلقائي النبيل الذي صدر عن الصحابي الجليل صفوان بن المعطل وزوجته أم أيوب حين تردد حديث الإفك في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لما قالت أم أيوب ‏:‏ يا أبا أيوب، ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟‏ قال:‏ بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ‏؟‏ قالت‏:‏ لا والله ما كنت لأفعله؛ قال:‏ فعائشة والله خير منك ".

هنات انزلاقات تحتاج إلى استدراك

هذه هي الأخلاق التي ضمنت وستضمن إن شاء الله، استمرار حزب العدالة والتنمية في أداء دوره، غير أن ذلك لا يعني أن العدالة والتنمية محصن ضد عدد من الانزلاقات التي لها صلة بكل ما تمت الإشارة إليه.

ملتقى الشبيبة الأخير كان فرصة لتأكيد هذه المعاني. لقد قدم الملتقى دليلا حيا على أننا أمام حزب حي حق له أن يفتخر بشبيبته التي رابط مناضلوها في عز الصيف، وقيظ مدينة فاس في أشد الشهور حرارة، ليس من حيث  فصل الصيف ولكن من حيث الحرارة السياسية التي ارتفعت بعد خطاب العرش، غير أن الملتقى  لم يسلم من بعض الهفوات والانزلاقات التي تحتاج إلى معالجة استنادا على أسس المنهج، الذي أشرنا لبعض معالمه والذي  ينزعج البعض من التذكير به ويسخرون منه، ومن المتحدثين عنه، وكما يقال " فالماء إذا بلغ قلتين لم ينجس " ..

وقيادات الشبيبة وقيادة الحزب مسؤولون عن تصحيحها.  وبالمناسبة فهي خاصة بالشباب، وهي إن وجد لها عذر في شباب حديثي عهد بالانتماء لتنظيمه الشبابي، فلا عذر أن تصدر عمن يعتبرون من أصحاب السابقة، ولا عذر لهم إن سكتوا عنها .

التعليقات

أضف تعليقك