هل تنجح الحكومة في إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار؟

عبد اللطيف بروحو
قراءة : (67)
الاثنين, أبريل 23, 2018 - 21:30
هل تنجح الحكومة في إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار؟

على إثر البلاغ الملكي بتاريخ 24  أكتوبر 2017، والذي تضمن أوامر ملكية للمجلس الأعلى للحسابات لدراسة وتقييم عمل المراكز الجهوية للاستثمار، كان الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، قد رفع تقريرا مفصلا حول الاختلالات التي تشوب عمل هذه المراكز، أاعقب ذلك تكليف ملكي لرئيس الحكومة بإعداد مقترح لإصلاحها.

وبناء على ذلك، تقدم رئيس الحكومة يوم الخميس 19 أبريل 2018 بمقترح مفصل لإصلاح هذه المراكز، يعتمد من جهة على المحاور الكبرى للإصلاح، ومن جهة ثانية على آليات جعل هذه المراكز قاطرة لتحفيز وإنعاش الاستثمار عوض أن تبقى أداة بيروقراطية كما كان عليه الحال في السابق.

فمن أجل بلورة مشروع إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، تم من جهة اقتراح إحداث لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة، مكونة من وزير الداخلية والأمين العام للحكومة ووزير الاقتصاد والمالية والوزير المكلف بالاستثمار، تتكلف بقيادة مشروع إصلاح مراكز الاستثماروتتبع تنفيذه، وهي إحدى الآليات الرئيسية لضمان تنزيل مشروع الغصلاح وتحقيقه للأهداف المحددة له.

ومن جهة ثانية، تضمن المشروع الحكومي اعتماد تدابير أساسية ترتكز على:

تحويل المراكز الجهوية للاستثمار إلى مؤسسات عمومية بقانون؛

إحداث اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار بقانون؛

التنزيل التنظيمي للإصلاح عبر قرارات نقل السلط المتعلقة بالاستثمار وبالرخص الإدارية القطاعية من الإدارات المركزية إلى المستوى الجهوي؛

تجميع التحفيزات ضمن إصلاح منظومة الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال؛

رصد الاعتمادات المالية اللازمة من ميزانية الدولة لتنزيل مشروع الإصلاح.

وعلى هذا الأساس، تتضمن رؤية الحكومة لإصلاح المراكز الجهوية للإصلاح، أربعة محاور رئيسية، تبدأ من المجال القانوني والمالي، وتشمل آليات إنعاش الاستثمار وتبسيط المساطر، بالغضافة غلى تأهيل المراكز لتصبح جاذبة للاستثمار على المستوى الترابي.

وبالنظر للأهمية القصوى التي يكتسيها إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار ومراجعة دورها ومهامها وطريقة اشتغالها،  تبدو الحاجة ملحة للوقوف على تفاصيل المحاور الأساسية المقترحة من قبل رئيس الحكومة على هذا المستوى، والتي سيتم تنزيلها على المستويات التشريعية والتنظيمية والعملية.

أولا: إعادة هيكلة المراكز الجهوية للاستثمار:

يعتبر الإطار القانوني لأي إصلاح محدّْدا لمضمونه ومآلاته، ولهذا الغرض يعتبر اعتماد نظام قانوني خاص بهذه المراكز وبآليات اشتغالها أحد الشروط الاساسية لنجاحها ولضمان استقلاليتها الوظيفية والتدبيرية.

ولهذه الاعتبارات يعتبر "تحويل هذه المراكز إلى مؤسسات عمومية وتوسيع نطاق مهامها واختصاصاتها"من بين أهم محاور الإصلاح المقترحة، بالنظر للحاجة لتحويلها مؤسسات ذات استقلالية تدبيرية ومالية، سواء على مستوى ممارسها لوظائفها في إطار القانون الذي سينظمها، أو بخصوص تأهيلها لممارسة اختصاصات حقيقية على مستوى"المعالجة المندمجة لملفات الاستثمار في كافة مراحلها".

فهذا الإجراء التشريعي سيجعل من المراكز مؤسسات مستقلة وأكثر فعالية في أدائها لمهامها، وتكون مكلفة بشكل أساسي بالعمل على ضمن الإطار العام لسياسة الدولة في مجال تحفيز الاقتصاد ودعم لقطاع الخاص. كما أن توسيع مجالات عملها لتشمل مواكبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة ودعمها فنيا وتقنيا وقانونيا، إضافة إلى إمكانيات التدخل لتسوية النزاعات الإدارةوالمستثمرين.

من جهة ثانية، وفي ظل الازدواجية التي تعرفها المجالات الترابية، يستحسن أن يتضمن مجلسها الإداري، بالإضافة إلى مدير يتم تعيينه من قبل رئيس الحكومة، من والي الجهة ورئيس مجلس الجهة ومدير الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بالجهة، والمسؤولين الجهويين التابعين للقطاعات الوزارية والمؤسسات والمنشآت العمومية المعنية بالاستثمار (تحدد بنص تنظيمي).

ومن جانب آخر يعتبر الحديث عن "اعتماد هيكلة تنظيمية عبر إحداث قطبين أساسين وهما قطب دار المستثمر" وقطب تحفيز الاستثمار والعرض الترابي" محاولة حقيقية لتجاوز أعطاب المراكز الحالية التي لم تستطع أن تحقق نتائج ملموسة على مستوى جاذبية المجالات الترابية وتحفيز الاستثمار بمختلف جهات المملكة.

وبالتالي يعتبر الاشتغال على إعادة هيكلة المراكز الجهوية للاستثمار، في إطار تحويلها لمؤسسات عمومية، منسجما مع المعايير الدولية على هذا المستوى، ومستلهما لعدد من التجارب الناجحة على المستوى العالمي، خاصة وأن مذكرة رئيس الحكومة تؤكد على تعزيز الموارد البشرية وتأهيلها من خلال اختيار أفضل الكفاءات والخبرات في مجال تدبير الملفات الاستثمارية.

ثانيا: إحداث اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار

إن السياسات العمومية في مجال التنمية الاقتصادية وتحفيز الاستثمار، ومن ضمنها استقطاب ودعم القطاع الخاص وتعبئة العقار العمومي لفائدته، تتطلب بشكل توضيح آليات الاشتغال وتوحيدها، وذلك في إطار جعل ميثاق الاستثمارات بمثابة الآلية القانونية الرئيسيّة لتنفيذ هذه السياسات ذات الطابع الأفقي، وإحداث تغيير جذري للإطار المؤسساتي وإعادة النظر في الوضع القانوني للمراكز الجهوية للاستثمار.

ويعتبر مقترح رئيس الحكومة ذَا أهمية بالغة، سواء فيما يتعلق بدمج كافة اللجان الجهوية السابقة المرتبطة بالاستثمار في لجنة جهوية موحدة بهدف تحسين وملاءمة مساطر اتخاذ القرار، أو باعتبار القرارات المتخذة على مستوى هذه اللجنة ملزمة لكافة أعضائها،مع إمكانية الطعن في قرارات اللجنة أمام والي الجهةأو أمام لجنة يرأسها رئيس الحكومة.

لذا تبدو الحاجة ملحة، من جهة، لإدراج هذا المحور أيضا ضمن مجال مشروع القانون الإطار المتعلق بميثاق الاستثمار، والذي وصلت صياغته من قبل الوزارة المكلفة بالصناعة والتجارة مراحلها الأخيرة.

 ومن جهة ثانية، لابد من ضمان تناسق وانسجام المحاور الأساسية لهذا الميثاق بين الإجراءات التشريعية والتنظيمية اللاحقة له، وبين الإصلاحات المؤسساتية التي يتطلبها، وبشكل خاص اعتبار اللجان الجهوية للاستثمار بشكل رسمي وقانوني كهيآت فرعية على المستوى الجهوي للجنة الوطنية للاستثمارات، وذلك بهدف ضمان انسجام منهجية العمل على هذا المستوى بين المجالين الوطني والمجالي على مستوى تنفيذ السياسات الاقتصادية.

فالمغرب عرف خلال العشر سنوات الأخيرة صياغة واعتماد العديد من السياسات العمومية والاستراتيجيات القطاعية المرتبطة بشكل مباشر بتحفيز بالاستثمار ودعم القطاع الخاص (المغرب الأخضر، أليوتيس، تسريع التنمية الصناعية، الصناعة التقليدية، السياحة…)، غير أن تدبير هذه الاستراتيجيات بقي محتكرا بشكل كبير من قبل القطاعات الوزارية المعنية.

وقد كان يفترض أن يتم اللجوء لتفكيك هذه المركزة المفرطة للمهام والوظائف التنموية، عبر تفويض جزء من محاورها للمراكز الجهوية للاستثمار وللجان الجهوية موضوع هذا الإصلاح، طلبا للفعالية والناجعة في التدبير المجالي للمخططات والسياسات الحكومية في المجال الاقتصادي. 

وبالمقابل، تم تخويل مجالس الجهات اختصاصات تنموية كبرى، بموجب قانونها التنظيمي، بما يجعلها فاعلا أساسيا في مجال الاستثمار ودعم القطاع الخاص، في حين نجدها غائبة كليا عن اللجان الجهوية للاستثمار، ومغيبة عن منهجية اشتغال المراكز الجهوية للاستثمار، رغم أن المجال الترابي المعني بعمل هذه الهيآت جميعها هو نفسه، أي تراب الجهة الذي يمثله مجلسها المنتخب.

وعلى هذا الأساس، ومن أجل تفادي الاستمرار في هذه المقاربة المتناقضة بين المستويات الحكومية واللامركزية في مجال تحفيز ودعم وتنمية الاستثمارات، يبدو من الضروري التنصيص صراحة على مسؤولية جميع هذه المؤسسات الدستورية عن تنفيذ وتنزيل التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة (والتي تم اعتمادها وفق أحكام الفصل 49 من الدستور) في مجال تحفيز وتنمية ودعم الاستثمارات، وذلك ضمن الآليات القانونية والمؤسساتية المقترحة ضمن محاور الإصلاح.

فالقانون التنظيمي المتعلق بالجهات ينص صراحة في المادة 80 على اختصاص الجهات في مجال "جاذبية المجال الترابي للجهة وتقوية تنافسيته الاقتصادية" وذلك بانسجام مع "السياسات والاستراتيجيات العامة والقطاعية للدولة في هذه المجالات".

كما أن إعداد برنامج التنمية الجهوية بتنسيق مع والي الجهة يتم وفق "التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ويعمل على بلورتها على المستوى الجهوي" (المادة 83 من القانون التنظيمي)، وهو ما يجعل الوظيفة التنموية للجهة تتقاطع مع الدور المفترض للجان والمراكز الجهوية للاستثمار.

 وبالتالي يتعين، من جهة، الأخذ بعين الاعتبار دور الجهات في مجال تنمية القطاعات الاقتصادية وتحفيز الاستثمار، والتنصيص على التقائية السياسات التنموية الحكومية والجهوية على مستوى صياغتها وتنفيذها، انسجاما مع القانون التنظيمي للجهات والقانون التنظيمي للمالية.

ومن جهة ثانية ضمان تمثيلية مجالس الجهات في المجلس الإداري للمراكز الجهوية للاستثمار، وفِي عضوية اللجان الجهوية للاستثمار التي يفترض أن تكون هيآت فرعية للجنة الوطنية للاستثمار.

ثالثا: تبسيط مساطر وإجراءات ملفات الاستثمار جهويا ومركزيا:

يعتبر ضبط الجوانب المسطرية أهم مداخل الإصلاح، باعتبار خطورة العوائق البيروقراطية ودورها السلبي في مجال استقطاب الاستثمارات وتسويق المجالات الترابية.

وتكمن أهمية هذا المحور، الذي ورد في مذكرة رئيس الحكومة، على مستوى تركيزه على البعد الجهويعبر اللاتمركز الإداري الذي يعتبر معضلة حقيقية لم تستطع الحكومات السابقة معالجتها أو إيجاد صيغة ملائمة لصياغة ميثاق التمركز إداري ينسجم مع إكراها المجالات الترابية ويستوعب الأهداف والتوجهات الكبرى لإصلاح منظومة تدبير الشأن الحكومي على المستوى الترابي.

فقد نهج المغرب، منذ سنة 2002، سياسة التدبير اللامتمركز للاستثمار، والمقصود به هنا تفويض الولاة والعمال جزءا من الاختصاصات الوزارية المتعلقة بالترخيصات لفائدة المستثمرين.

وصدرت في هذا الإطار مجموعة من النصوص التنظيمية سنتي 2002و2003، وذلك على أساس التوجيهات الواردة في الرسالة الملكية المتعلقة بالتدبير اللامتمركز للاستثمار، إلا أن هذا الإجراء بقي معزولا عن الأهداف الكبرى للرسالة الملكية، وبقيت الإجراءات حبيسة مقاربة الشباك الوحيد للمراكز الجهوية للاستثمار.   

في حين أن الهدف الأساسي من هذه الدينامية التي أعقبت الرسالة الملكية كان يُفترض أن تركز على تحفيز الاستثمار، والاشتغال على جاذبية المجال الترابي واستقطاب الاستثمارات، وكذا تعبئة العقار العمومي لفائدة القطاع الخاص المنتج.

وبالتالي يتعين أن يتضمن ميثاق اللاتمركز الإداري نوعية الاختصاصات التي يتعين تفويضها من قبل القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية لفائدة اللجان أو للمراكز الجهوية للاستثمار، أو فيما يخص التفويض لفائدة المصالح الخارجية للوزارات بانسجام مع ذلك، إضافة إلى التأكيد على ربطها بتنزيل وتنفيذ السياسات الحكومية والاستراتيجيات القطاعية المتعلقة بدعم وتحفيز الاستثمارات، وكذا بعض القواعد التفصيلية لتدبير العقار العمومي المخصص للاستثمار.      

ومن جانب آخر، فقد تضمنت مذكرة رئيس الحكومة مقاربة أفقية ومركزية تنطلق من البعد التشريعيوفق معايير وشروط أثبتت نجاعتها على المستوى الدولي، وتتعلق بالأساس بأربعةمجالات أساسية:

التبسيط الشامل والممنهج للمساطر الإدارية؛

مكافحة التعسفات عبر إلزامية التنفيذ وتقنين آجال منح الرخص؛

مكافحة البيروقراطية الإدارية؛

اعتماد سياسة حديثة لتدبير الموارد البشرية.

 

التعليقات

أضف تعليقك