يونس مجاهد: رجلان في معارضة حزب العدالة والتنمية

محمد يتيم
قراءة : (134)
السبت, يوليو 29, 2017 - 15:00
يونس مجاهد: رجلان في معارضة حزب العدالة والتنمية

التحامل على حزب العدالة والتنمية، ليس جديدا على السيد "يونس مجاهد"، بل هو ماركة مسجلة عنده تتجاوز اختلافات سياسية طارئة بل ترجع  إلى تاريخ تخندق جذري متياسر!! وهو ما يسير في الاتجاه المعاكس لتقارب ما فتئ يتوسع وتقاطعات في التحاليل وفي المواقف مع عدد من رموز ومناضلي الاتحاد الاشتراكي، ومن احترام متبادل حتى في لحظات الاختلاف السياسي الكبيرة، حيث كان لنا وما يزال احترام لهذا الحزب الوطني الكبير وتاريخه النضالي وما قدمه من تضحيات، خاصة أنه قد احتضن على مر التاريخ رموزا ومكونات ذات توجهات عروبية للتعامل مع المرجعية والهوية الحضارية من منظور ايديولجي متحامل كما فعلت بعض التيارات اليسارية المتطرفة ذات يوم، وإنما أكدت على ضرورة قراءتها قراءة "تقدمية"، وخاصة أن روادا كبارا منهم من خلفوا رصيدا هائلا من التنظير في هذا الاتجاه ، قد بشروا بــ"الكتلة التاريخية"، ومنهم على سبيل المثال الدكتور عابد الجابري الذي كانت لنا معه جلسات مطولة، والحبيب الفرقاني رحمه الله ، والدكتور جسوس رحمه الله .. والقائمة طويلة ...

ثم جاء الالتقاء في التحليل بعدما عرفه حزبنا من تطور متواصل على أرضية تقاسم منظور للعمل السياسي يتبنى أطروحة" النضال الديمقراطي " التي تم من خلالها إعادة تشكيل الرؤية السياسية للاتحاد خلال منتصف السبعينات، وهي نفس الرؤية التي خلصت لها العدالة والتنمية، خلال مؤتمرها السادس وضمنتها أطروحة صادق عليها المؤتمر  .

على هذا الأساس وترجيحا لدائرة المشترك على دائرة المختلف فيه، كان التوجه السائد لدى قيادة الحزب عندما كلف أمينه العام لتشكيل الحكومة سنة 2011، هو دعوة الحزب للمشاركة في الحكومة الأولى للسيد عبد الإله ابن كيران، حيث كان قد وجه عرضا واضحا آنذاك للاتحاد الاشتراكي ولأحزاب الكتلة، لولا أنه قد كان للاتحاد الاشتراكي آنذاك تقدير آخر.

ونفس الشيء عند بداية التشاور لتشكيل الحكومة، بعد انتخابات السابع من أكتوبر 2016 وبقية القصة معروفة،  إلى أن تم تشكيل حكومة الدكتور سعد الدين العثماني وإدخال الاتحاد الاشتراكي لها، دون أن يكون من بين وزرائها الاتحاديين السيد "يونس مجاهد" الذي كان اسمه متداولا، والذي كان يمني النفس دون شك بحقيبة من حقائبها !!

السيد يونس مجاهد على عكس عدد كبير، من رموز الاتحاد الاشتراكي عبر كم من مرة،  في كتاباته أنه لا يُكن ودّا للعدالة والتنمية، ودون شك فإنه لم يتخلص من ميراث ايديولوجي وهو الذي مر ذات زمن من مسار يسار جذري!!

وحتى لما دخل حزبه الحكومة وأصبح جزءا من الأغلبية الحكومية التي يقودها الدكتور سعد الدين العثماني رئيس المجلس للحزب الوطني، الذي يصف مواقفه بالازدواجية، فقد واصل قصفه للحزب دون هوادة من خلال ركنه غير "الفصيح " !!

من المقرف حقا أن ينتحل السيد "يونس مجاهد" صفة المعارض لحزب يقود الحكومة وقد كان من الممكن أن يكون عضوا فيها، وحزبه جزء لا يتجزأ من أغلبيتها؟؟ أليست هذه هي الازدواجية بعينها؟؟؟ أليس هذا أكثر من وضع رجل في الحكومة وأخرى في المعارضة ؟؟ أليس ذلك وضع الرجلين في المعارضة وليس فقط رجلا واحدة؟؟.

والآن بعد هذه المقدمة التي قد نفهم من خلالها الدواعي الحقيقية لكراهية "مجاهد" للعدالة والتنمية دعونا نفحص ادعاء الازدواجية ونكشف بالملموس أن هناك اليوم محاولة لممارسة نوع من الإرهاب الفكري على مناضلي الحزب وخاصة على نوابه البرلمانيين بدعوى أنهم يضعون رجلا في الأغلبية وأخرى  في المعارضة؟.

ولذلك وجب أن نسجل في تفنيد هده الدعوى وبيان طابعها المغرض الملاحظات التالية:

أولا: واهم من ينتظر أن تتحول الأحزاب المكونة للأغلبية وهي في حالتنا هذه ست، نسخا طبق الأصل من حزب واحد وأن تتماهي مع بعضها البعض. .من الطبيعي أن تقع هناك اختلافات في الرأي والتقدير، والأمر غير الطبيعي هو أن يسعى البعض إلى إنكار هذه الحقيقة واعتبار أي تعبير عن رأي أو انتقاد لتدبير حكومي أو لمضمون نص قانوني ومقتضياتها واقتراح تعديل حوله ازدواجية أمرا يقتضي التهجم والاتهام ب" الازدواجية ".

ثانيا:  واهم من ينتظر أن يتماهى النواب البرلمانيون مع بعضهم البعض حتى داخل نفس الفريق فيخرسون ولا يتكلمون وتملى عليهم التدخلات والمواقف من خارج ضمائرهم واقتناعاتهم . نحن في العدالة والتنمية لن نفعل هذا ، ولا نؤمن بانضباط مفروض يمنع حرية التفكير والتدبير، برلمانيونا ينضبطون فقط للقرارات المؤسسية الصادرة بطريقة صحيحة سواء تعلق الأمر بقرارات الفريق أو بقرارات الأمانة العامة حين يرجع إليها في تصويت أو موقف يتجاوز ما هو تشريعي محض أو يمكن أن تترتب على التصويت معه أو ضده نتائج سياسية تتجاوز الفريق كي تمس الحزب وتعاقداته والبلد ومصالحه.

ثالثا: في العمل البرلماني وفي الالتزام داخل الأغلبية والتزام النائب البرلماني داخل فريق العدالة والتنمية، العبرة بالخواتيم كما يقال، والخواتيم هنا هو موقف أحزاب الأغلبية وأي حزب من أحزابها من المشاريع التي تحيلها الحكومة على البرلمان، هل صوتت معها أم ضدها؟ هل وفّى برلمانيوها بالحضور خلال جلسات التصويت أم استهانوا بهذه المسؤولية وبالرجوع إلى الوقائع والحقائق سنجد بما لا يدع مجالا لجاحد أن الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية هو الأكثر انضباطا في التعامل مع مشاريع الحكومة والأكثر التزاما بمساندتها عمليا. برلمانيو حزبنا هم الأكثر حضورا والأكثر التزاما والأكثر تصويتا على المشاريع التي تقدمها الحكومة. وإذا كان هناك عدم انضباط على هذا المستوى ينبغي البحث عنه في جهة أخرى!!

رابعا:  حين أعطى المشرع للبرلماني الحصانة فإنه أراد أن يكون البرلمان فضاء للتعبير الحر وأن يحرر البرلماني من أي ضغط أو إكراه أو من أي  شعور بالخوف أو من أية قيود اللهم ما كان من القيود، التي يفرضها عليه الدستور والقانون، وتقديره السياسي الحر وانضباطه للقرارات الصادرة عن  فريقه أو عن حزبه، ولذلك من المستنكر أن نمنع البرلماني من حرية التعبير وحرية الانتقاد، مع العلم أن هؤلاء هم ممثلو الأمة بنفس المستوى وبنفس الدرجة مع برلمانيي المعارضة، برلمانيو الأغلبية لديهم نفس التعاقد شأن برلمانيي المعارضة مع الشعب الذي انتخبهم وعلى الحكومة أن تستمع إليهم،

مطلوب منهم أيضا أن يساهموا بنفس القوة في التشريع والرقابة على الحكومة وليس ذلك حكرا على المعارضة، ولهم أن يأتوا بتعديلات على المشاريع والحكومة يجب أن تتفاعل معها، والأكثر من ذلك، على الحكومة أن تتفاعل حتى مع المعارضة، إن جاءت بتعديلات معقولة.فعملية التشريع والرقابة هي عملية تفاعلية،

البرلمانيون في الأغلبية هم جزء لا يتجزأ من السلطة التشريعية وهم  في ذلك سواء بسواء مع برلمانيي المعارضة والسلطة التشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية، وفِي نفس الوقت متعاونة معها وهو توازن دقيق ينبغي الحرص على إقامته باستمرار .

 

لذا فالحديث عن الازدواجية والترويج لهذه الفرية منكر، ومن يروجونه يجب أن يراجعوا تصورهم لعمل البرلماني وطبيعة تفويضه ومن أين يستمده، ثم لمفهوم الأغلبية وللأسلوب الذي  ينبغي أن تتعامل به الحكومة مع أغلبيتها الحكومية

إن البرلمانيين عموما وبرلمانيو الأغلبية ليسوا  "قطعانا" أو مجرد آلة للتصويت.  وفي مثل هذه النظرة إهانة واستهانة بالأحزاب السياسية ودور البرلمانيين الذين لديهم انتداب من الشعب.

رابعا:  إن المعيار الوحيد للحكم على الالتزام السياسي لأي فريق من فرق الأغلبية هو اللحظة النهائية من العملية التشريعية، لكن أن نمنع نائبا برلمانيا أو فريقا نيابيا من أن يأتي بتعديلات يراها صائبة، ونمنع نائبا أن يعبر عن رأي داخل اللجنة أو خلال الجلسة العامة ونتضايق منه ونعتبره ازدواجية، يصبح هذا تحكّما في البرلمان وفي البرلمانيين، وهذا ليس من مصلحة أحد.

والذين يروّجون باطلا حكاية الازدواجية بإمكانهم أن يرجعوا إلى مداخلات فرقهم خلال مناقشة البرنامج الحكومي، أو مشروع قانون المالية أو الميزانية الفرعية التي كان بعضها أكثر انتقادا من فرق المعارضة، بما في ذلك الفريق الاشتراكي، فعن أي رجل يتحدث السيد يونس مجاهد؟؟!

عليهم أن يرجعوا أيضا إلى التجارب السابقة، التي تبين أن مشاريع قوانين كثيرة جاءت بها الحكومة وقع فيها نقاش كبير وانتقاد لمواقف الحكومة بما في ذلك قانون المالية، والوزراء كانوا يتفاعلون مع النقاش بكل مسؤولية، حيث تنتهي باعتماد الحكومة لعدد من التعديلات للأغلبية وللمعارضة على السواء، وهذا هو التوجه الأسلم حين يكون النقاش مبنيا والتعديلات مؤسسة وفِي هذا تثمين للمؤسسة التشريعية وتثمين لعمل الأغلبية البرلمانية.

خامسا: ما بلغني هو قوة تدخلات أعضاء الفريق على عادتهم ومستواها الراقي وخاصة بالنسبة للنواب الجدد والشباب منهم ممن أخذوا يتمرسون بالعمل البرلماني، وهؤلاء حتى في حالة تجاوزهم أو سوء تقديرهم ينبغي مواجهتهم بالحجة والإقناع لا إرهابهم فكريا من خلال رفع تهم من قبيل ازدواجية الخطاب.

سادسا: إن الذين يمارسون الازدواجية حقا هم الذين يصرفون مواقف شخصية ذاتية ايديولوجية وربما خيبة أملهم حين وجدوا أرجلهم خارج الحكومة فوضعوها في "المعارضة"، وعوض أن يساعدوا الأغلبية على التماسك، اختاروا منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة العمل ليل نهارا من أجل خلق الفتنة داخل مكونات الأغلبية، وعوض المساعدة في تسهيل مأمورية الأغلبية يسعون لصب الزيت على النار .

التعليقات

أضف تعليقك