سعيد يقطين: الجمهور الثقافي

سعيد يقطين
قراءة : (18)
الأربعاء, نوفمبر 8, 2017 - 15:45
سعيد يقطين: الجمهور الثقافي

أذهب عادة بعد العصر إلى المقهى للاشتغال حتى المغرب. حملت حاسوبي، يوم السبت 4 نوفمبر/تشرين الثاني، وفي حوالي الساعة الخامسة بدأ المقهى يغص بالزوار، بينما شرع النادل في جلب المقاعد من ممون الحفلات، ويعيد ترتيب فضاء المقهى. سألته متى ستبدأ مباراة الوداد والأهلي من باب التأكد، فأخبرني بأنها ستكون في الثامنة.
بعد برهة كان المقهى غاصا عن آخره، وبين الفنية والأخرى يتحرك النادل جهتي، جالبا الماء أو ماسحا الجزء المتبقي من الطاولة، إيحاء منه إلى المغادرة، لأنه اعتاد على إفراغي مقعدي كلما كانت مباراة تستقطب جمهورا خاصا.

سبق لي أن اهتممت بالعلاقة بين اللاعب والجمهور، الثنائية التي أراها تلخص بامتياز علاقة العصر الذي نعيش فيه. وهي تتأكد لي باستمرار كلما كانت ثمة مناسبة رياضية تغص فيها الفضاءات بالجمهور، الذي يحج لمؤازرة اللاعب. إن هذه العلاقة تجعلني أطرح أسئلة من قبيل لماذا يمكننا فعلا أن نتحدث بدون تردد عن جمهور رياضي، في الوقت الذي لا يمكننا أن نتحدث عن جمهور ثقافي بالحدة والثقة نفسها؟ وتتولد عن هذا السؤال: أزمة القراءة، أزمة التواصل مع الكاتب، والناقد، وحتى السياسي في وطننا العربي. لا أشكك في قيمة الرياضة وأهميتها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ولكنني أتساءل عن القيمة التي يمكن أن تكون للثقافة في الواقع الذي بدونه لا يمكننا الحديث عن مجتمع جدير بهذه الصفة.

لا أجدني أتكلف الجواب حين أرى المقومات التي تسهم في تكوين الجمهور الرياضي، ولا تشارك في خلق الجمهور الثقافي. فالجرائد اليومية تخصص من ثلاث إلى خمس صفحات يوميا للرياضة، والقنوات الفضائية المتخصصة في الرياضة يخطئها العد. بينما نجد بالمقابل الصفحات الثقافية هزيلة جدا، وكذلك الأخبار الخاصة بالثقافة شبه منعدمة، إلى جانب كون القطاعي الثقافي مهيكلا ومنظما بشكل لا علاقة له بالقطاع الثقافي. فالمقارنة شبه مستحيلة، ويكفي أن نتحدث عن علاقة اللاعب بالجمهور بكل اطمئنان، في حين يصعب تأكيد الثنائية نفسها بين الكاتب والقارئ، إذا تحدثنا عن الكتاب، أو عن «المثقف» والجمهور الثقافي بصفة عامة. فهل يمكننا تأويل طرفي العلاقتين بكون إحداهما تتأسس على «سياسة رياضية» في حين تغيب «السياسة الثقافية» في حال الثقافة؟ وبما أن الأمر كذلك، نسبيا، لتعقد العلاقات، كيف يمكننا تفسير هذا الاهتمام الذي يصل إلى حد إمكان الحديث عن «سياسة رياضية»، في الوقت الذي يكاد يكون من المستحيل الإشارة إلى وجود سياسة ثقافية؟ فهل يتعلق الأمر على مستوى التوجه السياسي العام بمحاولة إحلال الرياضة مكانة خاصة لدى أفراد المجتمع، بهدف الإلهاء عن الاهتمام بالشأن السياسي، وبالمقابل العمل على تهميش الثقافي، لأنه لا يمكن إلا أن يوّلد الوعي الذي يمكن أن يدفع في اتجاه الانخراط في مجال يريد السياسي أن يبقى حكرا عليه هو فقط.

لا شك في أن الإلهاء (من اللهو)، وهو يتأسس على الترفيه، أي صرف الوعي عن الانشغال بالأمور المهمة، يتعارض مع التوجه نحو تنمية الثقافة (التثقيف) التي تنبه الوعي، وتدفع إلى المشاركة، والانخراط في الحياة العامة. يبدو لنا هذا واضحا في الفرق بين جمهور الرياضة وجمهور الثقافة، ولو على مستوى الكم، من جهة، والاهتمام اليومي، من جهة ثانية. وليس لذلك من معنى سوى أن النجاح في خلق هذا الجمهور الرياضي على حساب الجمهور الثقافي تأكيد على هذا المقصد الذي يدعم الإلهاء، بواسطة الرياضة، والإقصاء للفعل الثقافي. ويقدم لنا الواقع العديد من المؤشرات الدالة على هذا التوجه.
غير أن هذا التفسير لوحده غير كاف. فالعمل الثقافي لا ينهض فقط على أساس «الجد» الذي يولد الوعي بما ينبغي أن يكون عليه المجتمع بهدف التطور والتقدم. إن جزءا أساسيا من الفعل الثقافي يقوم بدوره على الترفيه. وهنا سنجد أن الاهتمام بما هو ثقافي من خلال هذا البعد الترفيهي يلقى المزيد من الدعم الذي يبرز لنا بوضوح في تشجيع الغناء والموسيقى (موازين، الموسيقى الروحية، غناوة)، ونسبيا السينما.

عندما نعاين مهرجانات الغناء، وأخبار نجومه التي تملأ صفحات الجرائد وبرامج القنوات الفضائية نجدنا أمام الاهتمام نفسه، مما يؤكد التفسير الذي أولينا لتغليب ما هو ترفيهي، على ما هو تثقيفي.
كيف يمكن للترفيه أن يكون تثقيفيا في الوقت نفسه؟ فلا يتعارض «الجد» و»الهزل»، ويكون لكل منهما زمانه الذي يسهم في خلق الجمهور الذي يمكن في آن، أن يملأ فضاء ملعب لكرة القدم، وفي الوقت نفسه يملأ قاعة اجتماعات تتحدث عن رواية؟ هذا التوازي هو ما نجده في المجتمعات المتطورة والمتقدمة التي تهتم بالجمهور (المواطن) فتجعل سياستها الثقافية نظير سياستها الرياضية بلا تشجيع لإحداهما على حساب تهميش الأخرى، وتوفر لكل منهما ما يحقق لها إمكانية إثبات الحضور وخلق المواطن المنخرط في الحياة العامة بكل جزئياتها وقطاعاتها.
تتحمل الدولة في بلداننا مسؤولية تغييب السياسة الثقافية التي تسهم في خلق الجمهور الثقافي. ويشترك معها «اللاعب» الثقافي في غياب هذا الجمهور.

التعليقات

أضف تعليقك