عبد الباري عطوان يودع قراء "القدس العربي"

قراءة : (1879)

13,07,11

 فاجأ عبد الباري عطوان، رئيس تحرير صحيفة "القدس العربي"،  قراء الصحيفية بافتتاحية موسومة بـــ"إلى القرّاء الأعزاء… وداعًا.. وإلى لقاء قريب بإذن الله"، معلنا فيها استقالته من الصحيفة التي تولى إدارة تحريرها منذ إنشائها سنة 1989.

وفيما يلي النص الكامل للافتتاحية التي من المتوقع أن تثير بعض الجدل عن خلفيات استقالة إسم إعلامي من صحيفة ارتبط إسمه بها منذ انطلاقها و"لم ينقطع خلالها عن الكتابة يوما واحدا" :  

"ليس هناك أصعب على المـــرء من لحظات وداع قرائه المحبين، خاصة على كاتب مثلي كان ولاؤه دائما لهم طوال رحلة صحافية امتدت لما يقرب من ربع قرن، وعلى صفحات ‘القدس العربي’، لم ينقطع خلالها عن الكتابة يوما واحدا.

 لم أكن أتمنى مطلقا أن تأتي لحظة الوداع الأخيرة في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، الذي انتهز فرصة قدومه لأهنئ جميع أبناء الأمتين العربية والإسلامية، ولكنها الظروف ومتطلباتها، خاصة عندما تكون هناك أطراف أخرى لعبت دورا بالدفع باتجاه هذا القرار.

 اليوم تنتهي علاقتي كليا كرئيس مجلس ادارة ورئيس تحرير ‘القدس العربي’، الصحيفة التي أعتز بها لوقوفها ومنذ اليوم الأول لصدورها في خندق أمتنا وعقيدتها، وخاضت معارك شرسة في مواجهة الاحتــــلالات والهيمنة الأجنبية والديكتاتوريات القمعية الفاسدة، وانتصرت دائما للمظلومين والمضطهدين.

كل رحلة لها نهاية، بما في ذلك رحلة الإنسان في دار الفناء، ومن الطبيعي أن يصل قطاري إلى محطته الأخيرة، وأن أترجل منه مُرهقا من وعثاء سفر لم يكن مريحا أوسلسا في معظم مراحله.

 تلقيت تهديدات بالقتل، من أجهزة أنظمة بوليسية عربية وأجنبية واسرائيلية، وخضت حربا شرسة ضد أنصار اللوبي الإسرائيلي في أوروبا وأمريكا قبل أن تمنعني من زيارتها، الذين حاولوا وما زالوا تشويه صورتي وكتم صوتي، ومنع ظهوري على محطات التلفزة العالمية، وإلقاء محاضرات في الجامعات الغربية المشهورة، حتى أن أحد الملحقين الإعلاميين الإسرائيليين تباهى في حديث أدلى به إلى صحيفة ‘جويش كرونيكل’ اليهودية البريطانية أن أبرز إنجازاته في لندن هو تقليص ظهوري في المحطات الشهيرة مثل ‘سي.ان.ان’ والبي بي سي’ و’سكاي نيوز′ كخبير في شؤون الشرق الأوسط، وهذا هو الوسام الوحيد والرفيع الذي تلقيته في حياتي.

تعرضت لحملات تشويه شرسة وما زلت، من مخابرات عربية، فقد صوروا مبنى ‘القدس العربي’ كناطحة سحاب، وهو شقة صغيرة، أذهلت في تواضعها الكثير من زوارنا من وزراء إعلام وخارجية وسياسيين وزملاء، حتى أن الشاعر الكبير محمود درويش أصيب بالصدمة عندما عرج علينا للقائنا، وقال كلمته الشهيرة ‘صحيفة كبيرة تصدر من كهف صغير’، ولكنه استدرك وقال ‘إنكم لستم من أهل الكهف وإنما أصحاب رسالة حضارية.

أغادر ‘القدس العربي’ اليوم مرفوع الرأس، فقد تحولت من صحيفة هزيلة ضامرة مصابة بفقر دم في أيامها الأولى، إلى واحدة من أهم الصحف العربية والعالمية، تترجم افتتاحياتها إلى معظم اللغات، ويحج إليها الكثير من طالبي المقابلات والاستفسارات والتعليقات.

نفتخر بأننا، ورغم الحجب في عدة دول مثل المملكة العربية السعودية وسورية (مفارقة غريبة) والبحرين، أصبحنا الأكثر انتشارا وربما نفوذا، ونتقدم في هذا المضمار على جميع منافسينا من حيث عدد الزوار، فنحن نُقرأ في 208 دولة وكيان على طول العالم وعرضه، ونحتل المرتبة 4500 تقريبا على مستوى العالم على الأنترنت، حسب احصاءات وكالة اليكسا وغوغل.

هذا النجاح الكبير ما كان ليتحقق لولا أسرة هذه الصحيفة الصغيرة في عددها (18 شخصا من السكرتيرة حتى رئيس التحرير)، الكبيرة في إمكانياتها وعزيمتها، وقدرتها على مواجهة التحديات. فالصحافة بالنسبة إليهم كانت دائما رسالة قبل أن تكون من أجل لقمة العيش، ولهذا رفض معظمهم اغراءات مالية كبيرة للانتقال إلى مؤسسات أخرى، رغم أزمات مالية حرمتهم من رواتبهم لبضعة أشهر في بعض الأحيان.

هذه الكوكبة الصغيرة من الزملاء الصحافيين والكتاب والمراسلين صنعت معجزة في عالم الصحافة، عندما استطاعت، بميزانية صغيرة أن تحافظ على الحد الأدنى من المهنية والموضوعية وعفة القلم، والاستقلالية في الطرح، والإصرار على نشر الحقيقة كاملة.

 آمنت دائما، وطوال مسيرتي الصحافية أن الحياة ‘وقفة عز’، لم أتردد مطلقا في اتخاذها، فلم أساوم مطلقا على ما أومن به، وتربيت عليه من قيم ومبادئ وقناعات سياسية، ودفعت بسبب ذلك، وما زلت، وسأظل، أثمانا باهظة ربما يأتي يوم لذكرها إذا طال بنا العمر.

اعترف بأنني اجتهدت، أخطأت وأصبت، ولكنني ظللت دائما أتعلم من أخطائي، واعتذر عنها دون خجل، فلا أحد يحتكر الحقيقة، ولكل قضية وجهتا أوعدة وجهات نظر تجاهها، ولهذا حرصت دائما أن لا أحجب رأيا مخالفا طالما التزم صاحبه بأدب الحوار وابتعد عن القضايا الشخصية، واتهامات العمالة والتخوين، وما أكثرها هذه الأيام. 

ربما يسأل قارئ محب بكل براءة ويقول والآن ما هي خطوتك القادمة يا ابن عطوان؟ جوابي وبكل بساطة إلى بيتي لأقضي وقـــتا أطول مع أســـرتي الأصغر (الأكبر هي ‘القدس العربي’)، وأتعرف مجددا على أبنائي الذين سرقتني الصحافة منهم، فأطول إجازة سنوية قضيتها معهم لا تزيد عن عشرة أيام.

لم أمتهن مهنة أخرى غير الصحافة بعد دراستي لها، ولم أجمع بينها وبين أي مهنة اخرى، ولم أحاول مطلقا الدخول في ميدان ‘البيزنس′ رغم العروض الكثيرة، فالصحافة هي ‘أم المهن’ وأكثرها رقيا واشباعا في رأيي الشخصي، ولو عاد بي العمر الى الوراء فلن اختار غيرها.

 لدي مشروع واحد في الأفق ربما أعكف على إنجازه في أيام التيه الأولى بعد خروجي من ‘القدس العربي’، وهي أيام ستكون صعبة وطويلة حقا، هو تأليف كتاب جديد باللغة بالانكليزية تعاقدت عليه مع دار نشر اوروبية، وأفكر في الوقت نفسه في استمرار التواصل مع القراء من خلال كتابة مقالات عبر التويتر والفيس بوك.

الكتابة هي إدماني الوحيد، وأكبر فرحتين في حياتي هما مولد طفلي الاول وصدور كتابي الأول.

 أتمنى لـ’القدس العربي’ في مرحلتها الجديدة، والزميلة سناء العالول رئيسة التحرير بالوكالة التي ستقود سفينتها في هذه المرحلة كل التقدم والتوفيق والنجاح.

وأخيرا أكرر شكري المفعم بالمحبة والعرفان لكل زميل في أسرة ‘القدس العربي’، الأسرة التي ساندتني دائما وتحملتني في أوقات صعبة، كما أشكر امبراطوري الأول والاخير، أي أنت قارئي العزيز الذي لا أخاف من أحد غير الله إلاّ أنت، ولا أطيع إلا رغباتك، وبوصلتي دائما متجهة إليك، وأقسم بالله أنني لم أسع مطلقا إلا لرضائك بعد الخالق جلّ وعلا.

 وداعا.. والى اللقاء.. وحتما عائدون بإذن الواحد الأحد.