الرباح : نراهن على شراكة بين القطاعين العام- والخاص لإنجاز الأوراش الكبرى

قراءة : (133)

07-08-2013
 
يراهن عزيز الرباح وزير التجهيز والنقل، على الشراكة بين الخاص والعام للمضي قدما في درب استراتيجية الأوراش الكبرى، "في الوقت الذي تعاني فيه المالية العمومية من ضغط  كبير".
كما تحدث رباح في حواره مع شهرية Economie & Entreprises في عدد غشت- شتنبر 2013، عن انخراط الحكومة الحالية في ظل استمرارية المؤسسات والاستقرار السياسي والحوار البناء.
وفي ما يلي نص الحوار
 
يعاب كثيرا على العدالة والتنمية، تجنبه المخاطرة في المضي في تنفيذ رؤيته، بل ويبدو أنه لا يتوفر عَلى أي رؤية، ما هو ردكم؟
لدينا رؤية، غير أننا ننخرط في الاستمرارية، بمعنى التغيير في ظل استمرارية المؤسسات والاستقرار السياسي والحوار البناء وهذا هو شعارنا، ولم نتوقف يوما عن التذكير به والتأكيد عليه.
فهذا الخيار ليس خيار العادلة والتنمية وحده، بل خيار الشعب المغربي الذي جعل من ثورة  الملك والشعب ضد الاستعمار هدفا مجتمعيا ونموذجا للحكامة السياسية.  وقد تأكد ذلك من خلال الربيع العربي حيث سارت بعض الدول على درب القطيعة، في الوقت الذي اختار فيه المغرب التغيير في إطار الاستقرار. وانطلاقا من هذا المبدأ، فإننا نعاين البرامج الموجودة والمدروسة ونحاول أن ندخل عليها تعديلات جديدة إذا لزم الأمر ذلك. من طبيعة الحال يجب الأخذ بعين الاعتبار بعض البرامج التي تتطلب تكييفا مع الظرفية الحالية ولكن لا يجب تغيير الإستراتيجيات والتوجهات الكبرى.   
 
وكيف ينعكس هذا على وزارتكم؟
وجدنا، عند قدومنا إلى الوزارة، برامج نعمل على وضع آخر اللمسات عليها لأن الأمر يتعلق بالتزام يجب احترامه حتى لا يفقد أي شريك ثقته في البلاد. وعندما نتكلم عن برنامج فهذا يعني وجود منظور وإستراتيجيات وتمويلات ومعاهدات موقعة وأمور أخرى تنتظر معالجتها. وعملا بهذه الخطى الحثيثة، استطعنا إنهاء إستراتيجية النقل البحري والموانئ في أفق 2030.
ونحن بصدد تهيئ ثلاث برامج للفترة ما بين 2015-2035 وتهم النقل السككي، والتصميم الطرقي والرؤية حول النقل الجوي وتطوير المطارات.
 
بالنسبة للنقل البحري، أطلقت وزارتكم دراسة من أجل تشخيص القطاع ووضع خطة عمل، ألا ترون بأنها دراسة أخرى إضافية في الوقت الذي يعرف فيه المهنيون جيدا مشاكل القطاع والتدابير التي يجب اتخاذها؟   
لا ليست بدراسة إضافية، لأنه بالحديث عن قطاعات تعاني كالنقل البحري أو الطرقي لا يتعلق الأمر فقط  بتشخيص الحالة الراهنة لهذه القطاعات بل بتشخيص مختلف مخططات الإقلاع ومعرفة سبب عجزها عن العمل. هل الدولة هي التي لم تقم بواجبها؟ هل المهنيون هم الذين تنصلوا من التزاماتهم؟ أم هل كل هذا يعود لفرامل غير مرئية وضعت لمقاومة التغيير؟ لا يمكنكم وضع استراتيجية تحقق أهدافها دون تشخيص الوضع لمعرفة الأسباب.
 
وما هي أولى سبل الإقلاع التي قمتم بتحديدها؟
سنقوم بوضع برنامج عقد بين القطاعين الخاص والعام والذي نتوقع من خلاله تشجيع الاستثمار في القطاع. بالنسبة للفاعلين الموجودين نحن بصدد مواكبتهم لتخطي الصعوبات الحالية وتطوير إمكانياتهم. وبالنسبة للقطاع الجوي وخاصة شركة الخطوط الجوية المغربية، يجب التذكير بأنها تتوفر على برنامج عقد للفترة ما بين 2011-2016.  والنتائج واضحة اليوم للعيان بفضل سياسة إعادة تركيز ناجحة، إلا أنه على العموم وبغض النظر عن نوعية النقل فإننا نبني استراتيجياتنا حول سبعة محاور متمثلة في: الإصلاح المؤسساتي، والجانب التنظيمي، وتنمية للبنيات التحتية للنقل، ورد الاعتبار لدور القطاع العام، وتطوير الموارد البشرية، وتنمية الصناعة المرتبطة بالنقل، وتنمية مؤشرات الجودة والأمان في وسائل النقل.
 
بالنسبة لمحور الإصلاح المؤسساتي نعتقد أن هناك هياكل تنظيمية تعمل بكيفية جيدة ويجب تعزيزها. وأقصد، بهذا الخصوص، الوكالة الوطنية للموانئ والمكتب الوطني للمطارات ومديرية الملاحة التجارية. ثم هناك مؤسسات يجب خلقها كما هو الحال بالنسبة لوكالة مختصة في أمن وسلامة النقل. بالنسبة للجانب التنظيمي، نطمح إلى تحيين الترسانة القانونية لأن أغلبية القوانين المنظمة لقطاع النقل والتجهيز تعود إلى نصف قرن إذا لم نقل قرن من الزمن. ولا يمكن استمرار العمل بهذا الإطار القانوني في هذا الزمن الذي تغيرت فيه كل المعطيات. هكذا قمنا ببلورة مدونة الطيران المدني التي دخلت دائرة التشريع، كما نحن الآن منكبون على ميثاق النقل البحري وعلى قانون حول النقل الأرضي وآخر حول المقالع.
 
على ذكر المقالع هل الغاسول يعد منجما أم مقلعا؟ 
حسب القانون، يتعلق الأمر بمقلع يحكمه ظهير ينسب تدبيره إلى وزارة المالية من خلال إدارة القطاعات. وفي الحقيقة، لقد تم استغلاله منذ عشرات السنين من قبل مستفيد واحد وهو أمر غير معقول. اليوم لدينا توجه يقضي بفتح هذا الاستغلال أمام المنافسة عن طريق الإعلان عن طلب إبداء الاهتمام.
 
لكن من كان يديره هل وزارتكم أم وزارة الطاقة والمعادن؟
هذه مسألة ثانوية بالنسبة لي، لأننا نعمل ضمن حكومة واحدة وملتزمون بالعمل وفق نفس التوجهات في ما يخص مبدأي الشفافية وتكافؤ الفرص. لسنا ضمن منطق الصراعات بين الوزارات والحال أن كل صاحب حقيبة وزارية اليوم يمكنه أن يتقلد حقيبة أخرى غدا. ولهذا فعندما صرح الزملاء في وزارة المعادن بأن الغاسول يعد منجما وافقتهم الرأي ودون اعتراض. وأظن أن المهم، أكثر من الحديث عن كونه منجما أم لا، هو الكيفية التي سيتم بها تدبيره.
 
وعودة إلى محور تنمية البنيات التحتية للنقل، فالأعمال جارية على مستوى قطاع الموانئ حيث انتهت الأعمال في الشطر الأول من ميناء طنجة المتوسط، وانطلقت الأعمال في الشطر الثاني من نفس المشروع بهدف الوصول إلى ثمانية ملايين ونصف من الحاويات. كما سيتم فتح الرصيف الرابع قريبا، وانطلاق الأعمال في الرصيف الثالث.   
 
فمن جهة أخرى، عرف القطاع انطلاقة جديدة بفضل تحقيق أولى الإنجازات برسم استراتيجية الموانئ الجديدة التي تنص على إنشاء عدد من الموانئ في كلتا الواجهتين البحريتين. وهكذا فقد انطلقت الأعمال بميناء آسفى والتي دشنها الملك محمد السادس في 19 أبريل 2013، وقريبا ستنطلق الأعمال في ميناء الناظور المتوسطي الجديد، ثم يليه ميناء القنيطرة الأطلسي. فبالنسبة للقطاع السككي، المغرب جد فخور لأنه يدخل عالم السرعة الفائقة من خلال المخطط المديري لخطوط القطار الفائق السرعة وهو مشروع يهدف إلى إنجاز 1500 كيلومتر من الخطوط السككية الخاصة بهذه القطارات السريعة في أفق 2035.
 
هذا المخطط يشمل محورين، وهما المحور الأطلسي الذي يمتد بين طنجة - الدار البيضاء - مراكش- وأكادير حيث انطلقت الأعمال في شطره الأول الممتد بين طنجة والدار البيضاء.  ثم المحور المغاربي الذى سيربط الرباط  بوجدة والذي ستنطلق الأعمال به على مستوى شطره الأول بين الرباط والقنيطرة.  أما ما يخص المشاريع الأخرى فهناك توسيع الطاقة الاستيعابية لمحور القنيطرة البيضاء ومضاعفة الخط الرابط بين سطات ومراكش ليتسع لقطارين دون توقف، وكهربة الخط الرابط بين فاس ووجدة. في ما يخص قطاع المطارات فقد عرف هو بدوره عدة إنجازات همت بالخصوص توسيع مدرجات بعض المطارات كمراكش والدار البيضاء . وحاليا هناك دراسة قيد الإنجاز لبلورة مخطط مديري جديد للمطارات. ولا بد من الإشادة بالجهود التي تبذلها الوزارة الوصية بهدف تشجيع النقل الجوي خاصة إنعاش وتعزيز النقل الجوي الداخلي من خلال الاتفاقية الموقعة بين الحكومة والجهات الجنوبية وشركة الخطوط الجوية المغربية.
 
وماذا عن النقل الطرقي؟ 
بالإضافة إلى الأوراش المفتوحة حاليا من أجل إنجاز 400 كيلومتر من الطرق المعبدة، تعتزم الوزارة إنجاز طرق سيارة جديدة كما هو منصوص عليه في التصميم الطرقي 2035 وهي الطريق السيار آسفى- مراكش- بنى ملال- فاس  والطريق السيار الناظور كرسيف، والطريق السيار القاري الرباط – الدار البيضاء. وتنوي الوزارة كذلك تهيئة وعصرنة عدد من المحاور الطرقية كالطريق الوطنية رقم 9 مراكش- ورزارات و طريق عرضي يربط بين الأقاليم المتواجدة ما وراء سلسلة جبال الأطلس... ومن المهم التذكير هنا بالمكانة التي يحتلها العالم القروي في استراتيجية الوزارة من خلال التعجيل بإنهاء البرنامج الثاني للطرق القروية وبرنامج تهيئ التراب الوطني وتحديد معالم برنامج جديد للمناطق القروية. في ما يخص قطاع اللوجيستيك فإن منطقتي زناتة وميتا تعتبران حاليا كأول منجزات الإستراتيجية الوطنية اللوجيستيكية التي سجلت تقدما ملحوظا، وستعرف سنتي 2013 و 2014 تقديم المخططات اللوجيستيكية الجهوية والتوقيع على الاتفاقيات المرتبطة بها.  
 
العقار العمومي يهمكم بصفة خاصة،  لماذا؟
إنه المحور الرابع، فالوزارة تتوفر على أراضي  عمومية جد هامة وهي التي تقوم عليها الموانئ والمطارات والطرق بكل أنواعها والسكك الحديدية. المرحلة الأولى سوف يتم فيها تطهير هذا الملك العمومي من كل المشاكل العالقة به وهي العملية التي سوف تنتهي في بحر السنة القادمة 2014. المرحلة الثانية ستكون بتعريف وبرمجة وإنجاز المشاريع المهيكِلة  في هذه القطاعات. إنجاز هذه المشاريع سيتم في إطار الانفتاح على مبادرة الاستثمار الخاص، والمحور الخامس يهم الموارد البشرية. نحن مصرون اليوم على الارتقاء إلى مستوى آخر في ما يخص إعادة تثمين وتعزيز المؤهلات في القطاع من خلال خلق أقطاب للتكوين لكل نمط على حده من أنماط النقل. فالمغرب يتوفر على مدارس كبرى كالمدرسة الحسنية للأشغال العمومية والمعهد العالي للدراسات البحرية والأكاديمية الدولية للطيران المدني. ولكن هذه المدارس تكوّن فقط الأطر المغربية ولا يتعدى عدد الخريجين سنويا المائة خريج. اليوم يجب تحويل المغرب إلى مركب جهوي وإفريقي ضخم متخصص في التكوين في مجالات الملاحة الجوية والبحرية والأشغال العمومية والسكك الحديدية واللوجيستيك.
 
تفكرون أيضا في الصناعة!
بالفعل. لقد انتبهنا إلى ضرورة فتح فرع صناعي لكل نوع من أنواع النقل. يتعلق الأمر بتطوير الوحدات المتواجدة وتحويلها إلى دعامات أساسية للتصنيع وخاصة في مجال اللوجيستيك. وعلى هذا المستوى فبلادنا تتوفر على تقليد كبير في اللوجيستيك الجوي والسككي. فشركة الخطوط الجوية للملاحة  تتوفر على معمل يعالج قرابة أربعين طائرة لأنه كان يؤمن حاجيات الشركة فقط. اليوم وبفضل الشراكة مع فرنسا فإن هذا المعمل يستقبل حوالي مائة طائرة من ضمنها نوع إيرباس. وهناك استثمارات لبعض الخواص في إصلاح طائرات الأعمال، وهو ما يمكن المغرب من أن يصبح مركبا دوليا في المجال. كذلك هو الشأن بالنسبة إلى النقل السككي. والحقيقة أن التخصص في اللوجيستيك ما هو إلا الطريق المعبد من أجل تسلق أدراج سلسلة القيمة في اتجاه تخصصات أكثر تعقيدا.
 
لدينا الإرادة لخلق وتطوير الصناعة البحرية وأوراش الملاحة البحرية. إذ من غير المعقول أن لا يتوفر بلد بحري كبلادنا على صناعة بحرية في الوقت الذي نسعى إلى تطوير أسطولنا البحري. وفي هذا الصدد فقد أعلنت الوزارة الوصية عن طلبات عروض لتحسيس الراغبين، بالإضافة إلى التفاوض مع مستثمرين دوليين للمجيء إلى المغرب. فالبلاد في حاجة لمثل هذا التعاون وإذا لم يقم به القطاع الخاص فعلى الدولة أن تستثمر مواردها من أجل إنجاح هذا المشروع. بالنسبة لمواد البناء الفكرة اليوم هي خلق مناطق صناعية بالقرب من المقالع المستغلة. هذا يمكن من  تنمية الجهات التي تتوفر على مقالع وفي نفس الوقت توفير فرص شغل لشباب الجهات.  
 
المحور السادس يروم تحسين خدمات الأمن وجودة وسائل النقل في المطارات والموانئ. النتائج الأولية جد مرضية بالنسبة لحوادث السير التي تقلصت بمعدل 15 %. فقد تقوت وسائل المراقبة واتجهنا نحو عملية الاستهداف والقرب عبر السياسة التحسيسية. والوزارة تعمل حاليا على دفتر تحملات خاص بالنقل الطرقي. أما النقل السككي فسوف يعرف تقوية الخط  القنيطرة - الدار البيضاء ليصبح متكونا من ثلاثة خطوط سككية بدل اثنين حاليا والخط  سطات- مراكش إلى خطين بدل خط واحد حاليا وهو ما يسمح بمضاعفة عدد القطارات وعدد الرحلات وتقليص مدة السفر. هذه الأعمال ستكون مناسبة لتحسين جودة الخدمات على هذه الخطوط كإصلاح المحطات وتعزيز الأمن والسلامة حتى تصبح فضاءات جميلة.
 
كيف ستقومون بتمويل هذا المخطط الضخم؟
نفكر في الشراكة بين القطاعين الخاص والعام وجلب الاستثمار الخاص الخارجي من خلال خلق امتيازات على مدى ثلاثين سنة. وهذا النوع من الشراكة يجري حاليا في قطاع التعليم العالي مع مدارس أجنبية كبرى وفي قطاع الصحة العمومية مع مستشفيات خاصة. لماذا لا يشمل هذا النوع من الشراكة البنيات التحتية؟ هذا لا يعني توزيع الامتيازات بكيفية عشوائية بل سيخضع الأمر لاختيار الشريك الأمثل حتى نتجنب أخطاء الماضي على مستوى التدبير المفوض.
 
للأسف المستثمرون المغاربة غير مستعدون للاستفادة من هذه الامتيازات، أليس كذلك؟
لا أعتقد أن هذا صحيح، لأنه في إطار الأفضلية الوطنية والتي نفرضها حتى على الحالات التي يفوز فيها مستثمر أجنبي بصفقة عمومية حيث يلتزم بتكليف مغربي للقيام بالأعمال التي سيطلبها الأجنبي من شركة مختصة. ولدينا مقاولات في المستوى المطلوب بإمكانها خلق فرص تبادل الخبرات مع شركات دولية من أجل استغلال أمثل للبنيات التحتية ومن أجل البحث عن أسواق جديدة. إفريقيا تعطي فرص استثنائية ومن الخطأ إهدار هذه الفرصة في وقت يتمتع فيه بلدنا بسمعة جد طيبة ويرى فيه الأفارقة نموذجا للدولة وللمجتمع الذي يتعين عليهم مسايرته.
 
لنتكلم عن الشراكة خاص عام، هل هناك مقاولات قابلة للخصخصة؟  
وزارة الاقتصاد والمالية هي المؤهلة للنظر في هذا الشأن. في اعتقادي الشخصي، يجب الانتقال اليوم إلى نوع جديد من الخصخصة ومن الشراكة عام – خاص في ما يخص بعض الشركات. فهناك شركات برؤوس أموال مائة في المائة عمومية والتي يمكنها أن تنفتح على رؤوس أموال خاصة.  أفكر في الشركة الوطنية للبث الإذاعي والتلفزيوني وفي  مرسى المغرب والشركة المغربية للخطوط الجوية والمختبر العمومي للأبحاث و التجارب.... حتى المطارات يمكن لها أن تتحول إلى شركات وتفتح رأس مالها في وجه المساهمات.  فميناء طنجة المتوسط سينفتح في المستقبل على شركاء خواص بكل تأكيد.
ترجمة pjd.ma