خالد رحموني يكتب : التجربة الحكومية، بين شرعية الانجاز وزيف أطروحة التسويق

قراءة : (79)

13-11-13

يغلب على أفهام كثير من الناس أن من بين مآزق الحكومة الحالية هو العجز على تسويق منجزاتها المعتبرة –بالنظر لعمرها الدستوري ووظائفها وسياقها وحتى إكراهاتها - وأن من مكامن الخلل والزلل هو قصورها الذاتي في ترويج منتجها العمومي، في محاولة منهم للاستعاضة عن الخصاص غير المفهوم في مساحة الانجاز الفعلي والعيني والمادي المباشر، الذي يراكم لشعبنا المنافع ويسد بعضا من العجز والعوز والهشاشة التي تغلب على مجتمعنا الجريح، والذي يراهن على ركوب هذا الأمل الذي انبلج في سماء هذا الوطن بعد ردات الحراك الشعبي والربيع الديمقراطي الذي طالت نسائمه فضاء مغربنا العزيز.

لكن المؤكد أيضا–من جهة أخرى –أن الانطباع الذي يستخلصه المراقب والمتابع لمجمل الأداء التنفيذي لحكومتنا في أثناء ممارسة مهامها الدستورية وعملها الإصلاحي وفي مباشرتها لتدبير الشأن العام لحد الآن – بإرادتها أو بغير إرادتها – هو نهج سلوك مفاده أن الإشكال في رؤية بعض من مكوناتها وعديد من مشايعيها يكمن بالأساس في عدم امتلاك ناصية التواصل العمومي مع الناس والجمهور والمحيط وافتقاد الرؤية المدركة للأبعاد الحيوية لمجمل العملية التواصلية تلك في هذا المستوى،

وحسب هذا التقدير الفكري والسياسي، فأن المبادرة إلى تحريك آليات وأقنية الإعلام وتحفيز العلاقات العامة يمكن-لوحدهما وفقط- أن ينشِئا فهماً لدى الجمهور وتقديراً في وعي النخبة للمسائل والقضايا والأفكار والوقائع والسياسات والقرارات والاختيارات التي تجترحها الحكومة،

لكن بالمقابل يلعب خصوم التجربة الحكومية من القوى المضادة لدينامية الإصلاح الديمقراطي على ذات المستوى من الايقاع وينشطون في نفس المساحة، وذلك بمحاولة منهم للعمل على احتكار الاعلام ونهج سبيل العلاقات العامة، للامعان في تبخيس المنجز حكوميا في سبورة الإصلاح العام للبلد،

غير أن ما يريده خصوم التجربة الحكومية للمشهد السياسي والاجتماعي العام أن يكون وفق منواله، هو ما ترغب فيه كثير من المؤتمرات الحزبية  والندوات الصحفية، ووسائط النشر الإعلامي الدعائية، واللقاءات الاحتفالية العامة والإعلامية، أن تصوره وتدفع في اتجاهه من خلال الاستهداف المتوالي والقصف المكرور للتجربة الاصلاحية قصد إفشالها والعمل على نسفها، وكذلك من خلال العمل على توجيه التركز- وبإلحاح- على خلق فكرة يُراد لها أن تكون هي صورة الواقع المراد تصويره، وليس الواقع كما هو بالطبع، وهذا أمر متوقع وطبيعي ومتفهم

لكن عندما يكون الضحك على الذقون واللعب بمصائر الناس كبيرا، يكون الفرق بين الواقع والإعلام بزاوية مفتوحة مستساغا إلى حد ما .

إنما أن يصل الفرق بين الإعلام-العمومي منه والخاص- والواقع إلى حد الزيف وتشويه الحقائق، فهذا حال غير محتمل بل وانفصال صارخ عن الواقع، حتى و لو ظنت الحكومة نفسها أن الناس مقتنعة ببعض من منجزاتها ومدركة لإكراهاتها وتصدق بالفعل المشهد كما قدمته لها هي بوسائلها العمومية غير الطيعة والرتيبة والبيروقراطية إلى حد القرف والبطيء غير البريئ، أو أرادت لها بعض الأطراف الكامنة من الخصوم أن تقدمه على منوالها ورؤيتها .

لكن الأكثر خطورة ولبساً عندما يكون الفرق بين الواقع والمشهد المسوق يساوي العدم بل العتم، أي أنهما-الواقع والمشهد المرسوم أو المقدم- يتطابقان ويتماثلان، برغم أنهما مختلفان تمام الاختلاف في الطبيعة والماهية، الواقع الافتراضي الذي يقدم على أنه الحقيقة الصلبة.

وربما يلتبس الأمر حتى على صانعي المشهد وينسون القصة الأصلية. ، قصة أن الاعلام أداة ووسائط ليست بريئة ولا سهلة الانصياع ، وأنه من أدوات السلطوية ، وهو لحد اللحظة لم يلج زمن الاصلاح الديمقراطي بعد ، ولم يعانق آمال الشعب في الانعتاق والتحرر من الاستلاب والتبعية ، وفي أحيان كثيرة، تكون محاولة التذكير بالأصل والرمز معركة مهزوم فيها بطل القصة الذي هو الشعب وممثلوه، بل وتتحول محاولات الإصلاح نفسها  إلى خطأ جسيم وخيانة،

لكن هل تعتقد الإدارة الحكومية للمرحلة على هذا الصعيد، بمختلف مستوياتها ومجالاتها، أنها قادرة، بمجرد الإغراق الإعلامي  للسوق لترويج المنتج الحكومي ، وسلوكها نهج أسلوب العلاقات العامة في التسويق وبيع السلعة الإنتاجية، هل تقدر على إنشاء رأي عام كما تريد وترغب، أو تقدر على كسب معركة العقول والقلوب، معركة القصف للذاكرة والرموز والمبادئ والأصول؟

 أم أنها تعتقد أن الحقائق والإنجازات ليست ناطقة بنفسها، بل ينشئها الإعلام إنشاء، وأنها إذا كانت حاضرة في الإعلام تكون موجودة أيضا في الواقع، واقع الناس مباشرة وبلا وسائط أو تسويق؟

بمعنى أنها لم تعد تميز بين الواقعي والافتراضي في بناء الصورة وتسويقها في وعي الناس ووجدانهم، بالرغم من محاولات استثمار قوى الردة الديمقراطية في تهشيم الصورة وتزييفها، وترويج نقيضها وادمانها على إشاعة الكراهية والعدم ضد تجربة الإصلاح برمتها؟

لكن في النهاية، لا مفر من مواجهة الحقائق بصلابتها وقسوتها وفجاجتها وعنفها وصراحتها الكاشفة، كما هي بلا مساحيق ولا عمليات تجميل مزيفة، وسيكون ذلك مكلفا بشكل أكبر بكثير من مواجهتها منذ البداية بعفوية وصراحة وبساطة.

إن هذه العبقرية الإعلامية-في كل الاتجاهات - ليست أكثر من لعب في الوقت الضائع وفي الهامش من الزمن السياسي، تماماً كما توهم شركة ما جملة المساهمين والجمهور بأرباحها ونجاحها، ولكنها في النهاية تُفلس وتنهار ويعرف ذلك الجميع ولو بعد حين، حتى من غير أنة يعترفوا بالنتيجة .

إن العلاقة بين الحكومة والشعب –أصل المشروعية ومصدر السلطات - مبنية في الأساس على أن الأولى –الحكومة- مفروض فيها أن تدير الموارد العامة التي وكّلها بها الشعب، وفق الأهداف والأولويات والمصالح والبرامج التي يحددها هذا الشعب، وكل ما ينتظره منها هو أن تحسن حياة الناس وتقوم بعملها بكفاءة وعدالة وفعالية على الأرض .

لكن إدمان البعض لهذا الخروج الدائم عن النص، في الحديث بشأن كل شيء عدا المسألة الأساسية، -الانجاز والمبادرة لمجابهة الإشكاليات بكل جرأة ومسؤولية ووضوح وصلابة- لن يتحول إلى أصل مهما بذلت الحكومة من جهد، بل إن ما تبذله في التهرب من الجواب عن منطق العمل والانجاز هو أكثر ألما وقسوة من الالتزام بالمهمة.

عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية