الرميد لـ"أخبار اليوم": موقف المحامين من إصلاح العدالة تحكمت فيه اعتبارات خارجة عن المهنة

قراءة : (101)

13.11.22
قال المصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، في حوار له مع يومية أخبار اليوم المغربية في عدد السبت 16 نونبر 2013 إن موقف جمعية هيئات المحامين من ميثاق إصلاح العدالة تحكمت فيه اعتبارات خارجة عن المهنة. وأضاف: إن ميثاق إصلاح منظومة العدالة تضمن مخططا إجرائيا للتنفيذ، وهكذا فمقابل ستة أهداف إستراتيجية كبرى هناك 16 هدفا فرعيا تنتظر تنزيلا عبر 200 آلية.
وفي ما يلي نص الحوار:


عبرت جمعية هيئات المحامين عن رفضها التام لميثاق إصلاح منظومة العدالة. ما رأيكم؟
إن ميثاق إصلاح منظومة العدالة، تأسس على حوار وطني شارك فيه القضاة والمحامون وكتّاب الضبط وباقي المهن القضائية، كما شاركت فيه مكونات واسعة من المجتمع المدني والأساتذة الجامعيون، بالإضافة إلى ثلة مهمة من رجال الدولة، كما تمت الاستفادة أيضا من آراء خبراء في الداخل والخارج وتم تتويج ذلك بنقاشات عميقة من قبل أعضاء الهيأة العليا للحوار الوطني الأربعين، حيث تمخض كل ذلك عن توصيات الميثاق الوطني لإصلاح العدالة، والذي حظي في النهاية بالمصادقة الملكية. وقد استغرق هذا الجهد أربعة عشر شهرا من العمل والحوار، في مقابل ذلك ماذا فعل مكتب جمعيات هيآت المحامين لتقييم نتائج هذا الحوار؟ وما هي الندوات التي عقدها من أجل ذلك؟ ومن هم المساهمون في بلورة هذا الموقف؟ هل تم بالفعل استشارة عموم المحامين في الموضوع؟...


إن موقف مكتب جمعية هيئات المحامين جاء مطبوعا بطابع الارتجال إن لم تكن قد تحكمت فيه اعتبارات لا علاقة لها بالمهنة وبمصالحها ولا بمصالح المجتمع الذي يهمه شأن العدالة.
وجدير بالذكر أن رئيس جمعية هيئات المحامين السيد حسن وهبي، حضر جل أطوار الحوار ومداولات الهيأة العليا ولم يعبر عن اعتراضه في أي مرحلة على مشاريع التوصيات، وإن سجلنا غيابه وقت المصادقة الأخيرة عليها، كما أنه سبق أن حرر وثيقة بخط يده تثبت أنه لم يكن له أي اعتراض سوى على توصيتين بشأن عقد التوكيل والتعاقد على الأتعاب، وقد تم اعتماد رأيه بالحرف، وقد ورد في هذه الوثيقة ما يلي: "إلى السيد المدير المحترم: ملاحظات حول ورقة تأهيل المهن القانونية فيما يخص مهنة المحاماة".
بخصوص النيابة:
العمل على اعتماد عقد مكتوب بالنسبة إلى النيابة، يستدل به عند المنازعة وليس سندا من موجبات النيابة في الملف، وذلك نظرا إلى إكراهات عملية في الموضوع.
بخصوص الأتعاب:
التعاقد المسبق حول الأتعاب بدلا من التحديد المسبق لها، لاستحالة تحديد الأتعاب مسبقا في كل القضايا."
وتلاحظون أن السيد رئيس الجمعية يفيد أنه اطلع على ورقة تأهيل المهن القانونية بما فيها مهنة المحاماة وليس له رأي مخالف إلا فيما يخص الموضوعين المشار إليهما آنفا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه لا يعقل أن يكون ميثاق من هذا المستوى وساهم في إنجازه حوار من هذا الحجم ثم يأتي البعض ليعبر عن رفضه التام له جملة وتفصيلا، مع العلم أنه لو تم التحفظ على بعض التوصيات لكان ذلك مفهوما ومقبولا، مع العلم أن نقباء ومحامين محترمين وهم النقيب عبد العزيز بنزاكور والنقيب عبد الرحيم الجامعي والنقيب محمد شهبي والأستاذين عبد اللطيف الحاتمي وعبد العزيز النويضي ساهموا في بلورة توصيات الميثاق، وهم ليسوا متهمين في غيرتهم المهنية ولا في كفاءتهم العلمية، وكان يتعين عقد لقاء معهم للاستيضاح والتوضيح قبل اتخاذ الموقف المتسرع. كما أن الميثاق ليس وثيقة منزهة ولا هي قرآنا منزلا، ولكن المؤكد أنها وثيقة تاريخية تضمنت خارطة طريق جد مهمة لإصلاح منظومة العدالة.


في رأيكم ما هو الباعث إذا على إعلان هذا الرفض التام؟
إن موقف مكتب جمعية هيآت المحامين لا يحظى حسب علمي بالإجماع من قبل السادة النقباء، وهو موقف متسرع كما سبق بيانه، وكان يمكن بدله فتح حوار مع وزارة العدل والحريات ليتبين للسادة النقباء أن الحوار سيظل مفتوحا إلى غاية وضع النصوص التي تجسد الإصلاح المنشود، وإننا منفتحون على كافة المقترحات. لكن الملاحظ أن المواقف المعلنة لمكتب الجمعية تنحو منذ مدة نحو التصعيد والرفض وتأزيم العلاقة مع وزارة العدل والحريات بدون سبب في غالب الأحيان، وهذا ما أدى إلى التأثير على اجتماعات اللجان المشتركة، وسيؤثر لا محالة على مصير العلاقة بين الوزارة ومكتب الجمعية في المستقبل أيضا، وسيجعل مهنة المحاماة ومسيرة الإصلاح هي الخاسرة في النهاية. وتذكروا أن مكتب جمعية هيآت المحامين سارع إلى رفض مرسوم المساعدة القضائية بالرغم من مشاركة لجنة منتدبة من قبله في بلورة النص، وقد كنا مضطرين إلى إلغاء مرسوم كان سيمنح المحامين محدودي الدخل تعويضات لا بأس بها ... وليس بين أيدينا اليوم أي اقتراح بديل مقبول.
أعتقد أن موقف الرفض الممنهج الصادر عن مكتب الجمعية له خلفيات لا علاقة لها بمصالح مهنة المحاماة، ولا يندرج في سياق الإصلاح المنشود بالنسبة إلى البعض، وهو بالنسبة إلى البعض الآخر بسبب ما يعتقد أنه مس بمواقعهم ومصالحهم، وعلى سبيل المثال التوصية المتعلقة بمراجعة طريقة ومدة انتخاب النقيب وأعضاء مجلس هيأة المحامين، بما يحقق المناصفة والتمثيلية للفئات العمرية والأقدمية في المهنة، وحصر مدة انتخاب النقيب في ولاية وحيدة غير قابلة للتجديد، وأيضا تخويل المشتكي (المواطن) حق الطعن في قرارات المجالس التأديبية للمهن القضائية وغيرها.


لكن هناك من يرى أن توصيات الميثاق جاءت عامة ومجملة ولا تتضمن تدابير عملية للإصلاح، كما أن هناك عدة مطالب مهنية لم يستجب لها الميثاق.
أولا: إن المواثيق بطبيعتها تتأسس على التوصيات العامة والمجملة التي تكون منطلقا لصياغة النصوص القانونية والتدابير الإجرائية التفصيلية اللازمة لتفعيلها .
ثانيا: إن ميثاق إصلاح منظومة العدالة تضمن مخططا إجرائيا للتنفيذ، وهكذا فمقابل ستة أهداف استراتيجية كبرى هناك 16 هدفا فرعيا تنتظر تنزيلا عبر 200 آلية، كما أن هذه الأخيرة سيتم اعتمادها عبر 351 إجراءً تفصيليا وكل هذا جاء مقرونا بآجال محددة للتنفيذ تبدأ سنة 2013، ويتركز الجزء الأكبر منها عبر سنوات 2014-2015-2016، ويبقى ما يتعلق بالإدارة الإلكترونية ممتدا إلى غاية سنة 2020.
ثالثا: إنه لا يمكن مقاربة إصلاح منظومة العدالة من زاوية المطالب الفئوية والمصالح الذاتية لأصحاب المهن...، إن الإصلاح يستهدف تحقيق مصالح عامة أولا، أما مطالب الفئات المهنية، فإنها تروم تحقيق المصالح الخاصة قبل كل اعتبار...، وإذا كان ميثاق إصلاح منظومة العدالة قد تأسس على الأخذ أولا بما يحقق إصلاح منظومة العدالة، فإن مطالب المهن القضائية سواء تعلق الأمر بمحامين أو غيرهم يبقى مجالها ليس ميثاق إصلاح منظومة العدالة، وإنما مجالها الحوارات مع الوزارة وإبرام الاتفاقات الثنائية، لذلك، يمكن القول بأن المطالب المهنية شيء، والإصلاح بمفهومه العميق والشامل شيء آخر. وكلٌّ له مجاله ومستوى التعاطي معه، مع العلم أن هذا لا يلغي ذاك.
رابعا: إن البعض يريد أن يحمل الميثاق ما لا يحتمل، إذ لا يجوز لأصحاب المهن البحث في توصيات الميثاق عن المطالب والمصالح الخاصة، والحكم على الميثاق من خلال ذلك، لا: الميثاق لا يقدم نفسه باعتباره قاموسا مفصلا لكل مشاكل المهن وحلولها... إن ميثاق إصلاح منظومة العدالة يبقى كأي ميثاق يتضمن العناوين الأساسية للإصلاح، وإذا تطرق إلى إجراء جزئي، فمن منطلق أهمية ذلك الإجراء في الإصلاح دون أن يعني ذلك اعتماد منهجية التفصيل الميثاقي. 
وهكذا، فإن ما قيل في هذا الصدد يُنمُّ عن أحكام متسرعة وبخلفيات لا تتوخى الحقيقة والإنصاف.


لقد اتخذ مكتب جمعية هيآت المحامين مبادرة تنظيم ندوة حول مهنة المحاماة يومي 15 و16 من الشهر الجاري، ما هو موقفكم؟
كنت أتمنى أن لا يتخذ مكتب الجمعية أي موقف من ميثاق إصلاح منظومه العدالة إلى غاية تنظيم هذه الندوة والوقوف على آراء المحامين وتقديراتهم خلالها، أما وقد عبر مكتب الجمعية عن رفضه التام للميثاق، فإنه سيعمل جاهدا على استصدار توصيات منسجمة مع موقفه المعبر عنه سابقا، وبالتالي، فإن أشغال هذه الندوة ستكون تحصيل حاصل، ثم إنني كنت أتمنى أن يعتبر مكتب الجمعية أن المحاماة هي مهنة بقدر ما يهم شأنها المحامين يهم أيضا مؤسسات الدولة وكذا المواطنين، لذلك، فإن التوصيات المنتظر صدورها عن هذه الندوة لن تكون لها قيمة كبيرة مادامت ستصاغ دون مساهمة كافة الأطراف المعنية وهي القضاة والإدارة والمواطنين في شخص جمعيات المجتمع المدني المختصة وغيرها.
وكما تلاحظون، فإن التوصيات التي تصدرها هيئة مهنية بشكل أحادي لا يمكن أن ترقى في أهميتها إلى توصيات شارك في بلورتها كافة الأطراف المعنية كما هو الحال بالنسبة إلى ميثاق إصلاح منظومة العدالة، ومعلوم أن الميثاق ساهم في صياغته على مستوى الهيئة العليا 13 قاضيا و6 محامين و4 أساتذة جامعيين و4 ممثلين للمجتمع المدني ومسؤولون من مستويات مختلفة في الدولة، كما أنه تأسس على حوارات ساهم فيها المئات من المهنيين والخبراء والجمعويين، خلال 14 شهرا، فهل هناك مجال للمقارنة بين هذه الحصيلة وحصيلة ندوة مغلقة على أصحاب المهنة خلال يومين فقط؟
ومع ذلك، فإننا لن نقابل السيئة بمثلها، أي لن نتعامل مع ما يمكن أن يصدر عن هذه الندوة من توصيات بالرفض المطلق كما فعل زملاؤنا أعضاء مكتب جمعية هيآت المحامين، بل سندرسها ونعتمد الصالح منها كما هو دأبنا في التعامل مع الجميع، كما هو معلوم، فإنه بالنسبة إلى القانونين التنظيميين المتعلق أولهما بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وثانيهما بالنظام الأساسي للقضاة، فقد أعددنا مسودتي المشروعين وعرضناهما على الجمعيات المهنية للقضاة لإبداء الرأي وفتحنا حوارا مباشرا مع السادة القضاة والقاضيات عبر أرجاء المملكة واستفدنا كثيرا من كل ذلك وسنقوم بمراجعة المسودتين على ضوء ما توصلنا به من ملاحظات واستدراكات، مما سيؤدي إلى تحسين النصين وجعلهما أقرب إلى تحقيق تطلعات الجميع في إطار من التشاركية البناءة والمسؤولة، وهو ما سنحرص عليه مع الجميع.


إن المحامين متضايقون من التوصية رقم 49 من الميثاق المتعلقة بحضور الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو من يمثله في المجلس التأديبي للمحامين. فما هو ردكم؟
إن هذه التوصية وردت في إطار الهدف الرامي إلى تعزيز مبادئ الشفافية والمراقبة والمسؤولية في المهن القضائية.
وفي هذا الصدد ينبغي استحضار أن الدستور المغربي أسس لمنظور جديد للمؤسسات التأديبية المهنية بالإشارة من خلال اعتماده في الفصل 115 منه في تأليف المجلس الأعلى للسلطة القضائية على هيئة مختلطة قوامها 13 قاضيا و7 شخصيات من غير القضاة وهو ما لقي استحسانا من  الجميع بمن فيهم المحامين، فهل يعتبر ذلك مسا باستقلال القضاء أو تحجيرا على القضاة؟ إنه وبناء عليه، فإن اجتهاد الهيئة العليا للحوار الوطني ذهب إلى اعتماد هيآت مختلطة في تكوين المجالس التأديبية الخاصة بالمهن القضائية جميعا ماعدا المحاماة حيث اعتمد ذلك على مستوى غرفة المشورة ولم يعتمد على مستوى المجلس التأديبي للمحامين حيث تم الاقتصار على حضور الوكيل العام للملك أو من يمثله للمناقشات دون المداولات واتخاذ القرارات.
وهنا أريد أن أؤكد أنه لا يمكن مناقشة التوصية رقم 49 الخاصة بحضور الوكيل العام للملك للمناقشات دون استحضار التوصية رقم 50 التي تنص على هيئة قضائية ومهنية مختلطة على مستوى محاكم الاستئناف تتكون من ثلاثة قضاة من بينهم الرئيس ومحاميين اثنين يختارهما مجلس هيئة المحامين للبت في الطعون المقدمة ضد القرارات التأديبية والتي يمكن أن تتوسع مهامها لتبت في قضايا الأتعاب وكافة ما يهم مهنة المحاماة، وإذا كان البعض يعتبر ذلك مساً موهوما باستقلال المهنة، فإنه من باب أولى ينبغي أن يعتبر مشاركة محاميين في غرفة المشورة بصفة تقريرية مساساً باستقلال القضاء، والغريب أن هذه التوصية كانت من التوصيات المهمة التي ينادي بها المحامون، فهل يمكن اعتبار أن غرفة المشورة وحدها تعاني من اختلالات ينبغي أن يفتح المجال للمحامين للمساهمة في تجاوزها دون اعتبار أن مجالس هيئة المحامين بدورها تعاني من اختلالات من شأن حضور ممثل النيابة العامة أن يساهم في معالجتها؟
أضف إلى ذلك أن النيابة العامة طرف أصيل في كافة المحاكمات الجنائية، فهل مشاركتها في المناقشة اعتبر في يوم من الأيام مسّاً باستقلال القضاء أو ضمانات المحاكمة العادلة؟ أعتقد أن البعض اعتاد على الحلول السهلة وتعود على انتقاد الغير والمطالبة بإصلاحه، بل يعتبر أن لا إصلاح دون مشاركته وحين يتعلق الأمر بموضوع إصلاح شأنه أو مهنته، فإنه لا يقابل ذلك إلا بالرفض والممانعة والانغلاق على الذات، واعتبار أن أي دعوة لإصلاح مهنة المحاماة هو تهديد لها، وهنا يبدأ أسلوب التجييش والإثارة حيث تعتمد في ذلك كل الأساليب بما فيها الكذب والافتراء من قبيل ما قيل أن الدولة تريد أن تتراجع عن حساب الودائع وغيرها من الأكاذيب.


لكن، ما الباعث على تخويل المشتكي حق الطعن في قرارات المجالس التأديبية للمهن؟
لقد أصبح للمواطن دور أساسي في بلورة أداء المؤسسات ومراقبة قراراتها، وعلى سبيل المثال، فإن الفصل 14 منه يمنح للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع مع أن له ممثلين يفترض أنهم يعبرون عن إرادتهم، كما أن الفصل 15 من الدستور أيضا، ينص على حق المواطنين والمواطنات في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية، فضلا عن ذلك، فإن الفصل 13 نص على وجوب اعتماد السلطات العمومية لهيآت للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها. إذا كانت هذه بعض حقوق المواطن التي أمّنها له الدستور في علاقته بمؤسسات الدولة، فهل يمكن أن نحرم هذا المواطن وقد رفض طلبه من طرف مجلس تأديبي مهني من أن يطعن أمام الهيأة القضائية الأعلى طلبا لما يعتبره إنصافا؟ أعتقد أن حرمان المواطن من حق الطعن في القرارات التأديبية التي تهمه انتقاص من حقوقه وتحجيرا غير مبرر عليه، وهنا أفيد أن المسطرة الجنائية يشوبها عيب كبير إذ للمتضرر حق تحريك الدعوى العمومية وليس له حق ممارستها، لذلك، فإن هذا النوع من التشريعات التي تحجر على حقوق المواطنين في سلوك المساطر التي تهمهم مباشرة لا مجال لاستمرارها وقد آن الأوان لمنح المواطن المكانة التي يستحقها في كافة المستويات والصعد.
حاوره أنور بنعليلو