التليدي يكتب: إسقاط الميزانية وخلفيات الصراع

قراءة : (30)

 بقلم: بلال تليدي
13.12.23
نشرت يومية التجديد في عدد الاثنين 23 دجنبر 2013 مقالا للكاتب الصحفي بلال التليدي في افتتاحية العدد بعنوان: "إسقاط الميزانية وخلفيات الصراع"، هذا نصه:
لم يأخذ حدث إسقاط مجلس المستشارين لمشروع ميزانية 2014 أي بعد سياسي يذكر، بقدر ما أدخل البلد في تمرين ديمقراطي ودستوري جديد، يخص طبيعة المشروع الذي سيتم عرضه على  مجلس النواب في القراءة الثانية، وهل هو المشروع الخالي من التعديلات التي تم قبولها، أم المشروع الأول، بحكم أن المعارضة أسقطت المشروع المتضمن للتعديلات التي تقدمت بها.
ورغم أن هذا النقاش مهم للديمقراطية الجديدة في المغرب، إلا أن الوضعية الانتقالية التي يعرفها مجلس المستشارين تحول النظر عن الطبيعة للسياسية للحدث إلى مناقشة الأهم مما هو مرتبط بجوهر الصراع الذي عبرت عنه الدينامية التي عرفتها محطات مرور مشروع قانون الميزانية بمجلس المستشارين، انطلاقا من تقديم المعارضة للتعديلات في لجنة المالية، ومرورا بقبول الحكومة لأكثر من 40 بالمائة منها، وانتهاء  بقرار المعارضة إسقاط الميزانية !والواقع، أن استقراء التعديلات التي أصرت عليها المعارضة ورفضتها الحكومة، يعطي صورة واضحة عن جوهر الصراع السياسي الذي أفضى لهذه النتيجة، ويكشف الوعي الزائف التي حاول البعض من خلاله التغطية على حقيقة هذا الصراع.
عمليا، يمكن الحديث عن أربع نقاط أساسية تخص جوهر الصراع:


1.الدفاع عن اللوبيات والمصالح على حساب صحة المواطن ومنظومة قيمه: وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال تمسك المعارضة بتجميد مسار الرفع التدريجي للضريبة على السجائر الذي انطلق مع حكومة العدالة والتنمية، ورغم أن المعارضة حاولت التعلل في تعديلاتها بهذا الخصوص بأثر هذا الإجراء على تيسير عملية تهريب السجائر، إلا أنها لم تخف دفاعها عن لوبيات شركات التبغ المحلية والدولية حينما تحدثت عن حماية حق المستهلك، بل إنها لم  تدفع بمقولة التهريب حينما طالبت برفع  نسبة تضريب الخمور "الرفيعة".


2.الدفاع عن اللوبيات المصالح ضدا على المصلحة الوطنية: وقد اتضح ذلك بشكل واضح من خلال التعديلات التي تقدمت بها في شأن رفض تضريب كبار الفلاحين ضدا على التوجهات الملكية، وعلى الخلاصات التي انتهى إليها المجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي بهذا الخصوص، ودون مراعاة المصلح الوطنية في توسيع الوعاء الضريبي والمساهمة في رفع مداخيل الدولة في هذه الظرفية الاقتصادية الصعبة التي يمر منها المغرب.


3. مقاومة الإصلاح والحفاظ على مواقع الريع: وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال التعديلات التي تقدمت بها الحكومة بخصوص المشاريع الإصلاحية لوزارة التجهيز والنقل لاسيما منها ما يتعلق بالخطة التدبيرية التي اعتمدها عبد العزيز رباح في القضاء على الريع في أفق ثلاث سنوات، إذ اعتبرت المعارضة أن الحكومة تعاني من نقص في الموارد وتضطر إلى تبديد الأموال في شراء المأذونيات، مع أنها كانت أول من اعترض على قرار نشر لوائح المأذونيات بحجة أنه يندرج ضمن الشعبوية السياسية التي لا تقترح أي سياسية عمومية تدبيرية لحل المشكلة، فلا هي قدمت بديلا، ولا هي أسندت هذا المشروع، مفضلة الدفاع عن مواقع الريع، ومنع هذه الحكومة من تسجيل أي نقطة تقدم في محاربة الريع والفساد.


4.منع الحكومة من تحقيق أي نقطة تقدم في اعتماد سياسية عمومية لاسترجاع لأموال المهربة: وقد برز ذلك من خلال الحملة الشعبوية التي قادتها بعض قيادات المعارضة فيما يخص  الإجراءات التي تضمنها مشروع قانون المالية والتي تضمنت إعفاء الأشخاص الذين يمتلكون ممتلكات أو أموالا خارج المغرب بطرق غير قانونية من العقوبات والمتابعات، مع أن المغرب ليس بدعا في انتهاج هذه السياسية العمومية التي تقصد استرجاع الأموال المهربة وحقنها في الاقتصاد الوطني، لاسيما وأنه لا توجد بدائل تدبيرية لمعرفة خارطة هذه الأموال وأصحابها فضلا عن  وجود إمكان للوصول إليها واسترجاعها وإيقاع العقوبات بأصحابها.


بكلمة، لقد برزت بوضوح طبيعة المعركة، رغم دخان الوعي الزائف التي حاولت بعض قيادات المعارضة أن تنشره، واليوم، المطلوب من قوى الإصلاح، أن تجعل من التمرين الديمقراطي والدستوري الذي فتحه قرار المعارضة في مجلس المستشارين سلاحا قويا لتقوية مواقع الإصلاح بحكم أن مجلس النواب يتمتع أولا بالشرعية الانتخابية، والشرعية الدستورية للحسم في قانون المالية في القراءة الثانية، وبحكم أن ما تضمنه مشروع قانون المالية ينطلق من التوجهات الكبرى للدولة المساندة للإصلاح والداعمة له.