سليمان العمراني يكتب:هَزُلَتْ..

قراءة : (46)

08-01-14

شهدت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين يوم الثلاثاء 7 يناير الجاري وقائع مخجلة لا تشرف المؤسسة التشريعية، تمثلت في الصراخ والضجيج والفوضى في النقاش وعرقلة السير السليم للجلسة وإرباك تسييرها، وكان سبب ذلك احتجاج فرق المعارضة على رسالة رئيس الحكومة لرئيس مجلس المستشارين التي يخبره فيها بقرار الحكومة وقف البت التلفزي لتدخلات أعضاء المجلس في إطار ما يسمى ب''الإحاطة علما".

إن تلك الوقائع فضلا عن نشازها عن الممارسة المؤسساتية السليمة على مستوى الخطاب وعلى مستوى التصرفات، ومَسِّها بصورة مؤسسة دستورية محترمة هي البرلمان والتي تعتبر الفضاء الأول والحقيقي للديمقراطية، وبالرجوع لوقائع سابقة شهدها مجلس المستشارين، فإن كل ذلك يدعونا لإثارة الملاحظات الآتية:

1)     إذا كان من حق الحكومة، اعتبارا لما خوله لها الدستور والقانون أن تتخذ القرارات التي تقدرها ملائمة في مجال اختصاصها ومنها نازلة الحال، حيث أسست قرارها على منطوق قرار سابق للمجلس الدستوري نص على أن ''حجية هذه القرارات(أي قرارات هذا المجلس) لا تقتصر على النص الذي صدرت في شأنه بل تمتد إلى أي نص آخر تجمعه وإياه وحدة الموضوع والسبب كما هو الحال في النظام الداخلي لمجلس المستشارين بالنسبة إلى النظام الداخلي لمجلس النواب". وبخصوص موضوع "الإحاطات"فحين بت المجلس الدستوري في دستورية النظام الداخلي لمجلس النواب أقر بعدم دستورية الإحاطات كما تتم اليوم في مجلس المستشارين، لذلك من حق المعارضة في هذا المجلس أن تعترض على قرار الحكومة، لكن أن تلجأ بعض مكوناتها إلى الاحتجاج بالأسلوب المُقْرِف الذي تابعه الرأي العام فأمر يدعو للاشمئزاز، وكان يسع المعارضة أن تقارع دفع الحكومة بالحجة وفي إطار الاحترام الواجب وبالخطاب اللائق أو أن تلجأ إلى الأدوات التي يكفلها لها القانون ومنها التوجه إلى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، أمَّا أن تتصرف بمثل ما تصرفت به في تلك الجلسة فأمر  يثير الاستهجان. 

وبالمناسبة لا بد أن نقر أن التعامل بين الحكومة ومجلس المستشارين يحكمه منطقان متنافران، فبقدر ما تحرص الحكومة على بناء علاقة تعاون وتوافق مع المجلس ولو كان على حساب حقوق الحكومة أحيانا والواضحة دستوريا، من قبيل المحاصصة الزمنية في جلسات الأسئلة الشفوية حول السياسات العامة، فإن المعارضة في المقابل تأبى أكثر من مرة أن تبادل التحية على الأقل بمثلها، ومنها هذه النازلة، وفي الحقيقة إذا كان من مأخذ على الحكومة فهو تأخرها في تفعيل هذا الإجراء منذ مدة وليس اليوم..

2)     إن الوقائع الحالية والسابقة تثير سؤال أهلية المعارضة بمجلس المستشارين لممارسة وظائفها الدستورية، وخصوصا قدرتها على إنتاج نصوص سليمة من العيب أو الطعن، والحال أنه تواترت العديد من الأمثلة في الآونة الأخيرة دليلا على ذلك آخرها تعديلها الغريب والعجيب لمشروع قانون المالية 2014، وهنا لا بد أن نشير أن المعارضة بمجلس النواب هي أيضا من مشمولات سؤال الأهلية، حيث إن نظر المجلس الدستوري في طعن المعارضة بهذا المجلس على مشروع قانون المالية 2014 لهو دليل آخر على تواضع المعارضة بالبرلمان وكونها لم ترتفع بعد إلى الأفق الذي رسمه لها الدستور الجديد. 

3)     إن ما أثارته الصحافة الوطنية حول شبهة توظيفات مقربين لمسؤولين في مجلس المستشارين انتهاكا لمبادئ الاستحقاق والشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، لمؤشر آخر على الوضعية التي انحدرت إليها الممارسة في هذا المجلس في الوقت الذي يفترض فيه أن يقدم إلى جانب مجلس النواب الدليل والقدوة على احترامهما أولا للقواعد القانونية التي ينتجانها خصوصا تلك المتعلقة بالتوظيف، وقد بقي الرأي العام تائها حول حقيقة تلك التوظيفات في الوقت الذي لم تتكلف رئاسة المجلس عناء التوضيح والبيان. 

4)     إن هذه الفصول المتتابعة للأداء الغريب للمعارضة بمجلس المستشارين والناشر عادة عن الممارسة المؤسساتية والدستورية السليمة، يعيد طرح ما يتداوله الرأي العام الوطني حول استمرار هذا المجلس في الاشتغال خارج منطق المرحلة السياسية الجديدة واستفادته من التمديد العمري الذي أتاحه له الفصل 176 من الدستور الجديد والذي استمر أكثر من اللازم، لذلك وجب التأكيد اليوم أن هذا المجلس والذي يوجد ثلثه خارج القانون قد تأخر تجديده فوق اللزوم، ولولا تهديد الزعيم الجديد لحزب الاستقلال بنسف الأغلبية الحكومية السابقة إذا مضت الحكومة في إجراء انتخابات جماعية سابقة لأوانها لكان هذا المجلس وكانت ممارساته المختلة من قبيل ما ذكرناه وما لم نذكر في خبر كان.

وختاما، لا بد من التأكيد أن الذي يساهم في قتل السياسة اليوم في المغرب ويعمل على إطفاء الجذوة التي انطلقت مع الحكومة الجديدة وعلى نسف الانبعاث الذي عرفته السياسة في عهدها، هو مثل الجلسة/ الفضيحة لمجلس المستشارين التي أشرنا إليها آنفا، وهي فضيحة كرستها التصرفات التي عاينها الرأي العام والصادرة من جهات يفترض أن تضفي الحيوية والدينامية والعمق في النقاش البرلماني غير أنها ربما لا تحسن غير قذف غيرها بالحجر..