محمد الطويل يكتب : في الحاجة إلى خطاب سياسي: مثالي دون طوباوية... وواقعي دون انحطاط

قراءة : (1845)

محمد الطويل*

18-01-14

يقولون بأن المناسبة شرط.. والمناسبة هي رفع الحظر الإعلامي المضروب على السياسي/ المناضل الأستاذ عبد العزيز أفتاتي، الذي كان مضروبا عليه ردحاً من الزمن بسبب مواقفه المشاكسة. فها هي القناة الثانية ("المغربية") تجرأت على استضافة رئيس لجنة النزاهة والشفافية لحزب العدالة والتنمية بالبرنامج الحواري "مباشرة معكم" الأربعاء الماضي.

وتكاد تجتمع آراء المتتبعين على أن السيد أفتاتي قد استطاع، بتلقائيته وصراحته المعهودتين، أن يستقطب متابعة معتبرة من لدن شباب حزبه وعموم المشاهدين المغاربة، وظهر ذلك، في مواقع التواصل الاجتماعي، والتعليقات على مداخلته في مجموعة من المواقع الالكترونية، بعدما نجح في تقديم خطاب شعبي بسيط في صياغته،"حارا" وعميقا في صيغته، قَليلٌ ما تابعه المغاربة طيلة العقدين الأخيرين على الأقل.

والظاهر أن مُعدي البرنامج بعد أن خلطوا بين الخطابة السياسية والخطاب السياسي، قد عملوا على إعداد روبرتاجات مفبركة و(مخدومة) مسبقاً، لإخراج حلقة تكون بمثابة محاكمة خطاب حزب العدالة والتنمية، مما يكرس القناعة بأن "دوزيم" لازالت قناة متحزبة ومتحيزة لمغاربة دون آخرين، وما انفكت تعي بأنها في أمس الحاجة لأن ترقى لتصبح "قناة عمومية" لكل المغاربة على حد سواء.

بيد أن النباهة السياسية والحس السياسي المرهف الذي يتمتع بهما الأستاذ أفتاتي مكناه من كشف اللعبة منذ بدايتها، ولعله ما دفع بالقائمين على شؤون البرنامج إلى أن يعدلوا بالمرة عن بث روبرتاجات أخرى، إذ جرت عادتهم على أن يقدموا لمحاور البرنامج بروبورتاجين اثنين أو ثلاثة، ليباغثهم الضيف الاستثنائي، وليعيد التأكيد على أهمية احترام قواعد إدارة النقاش العمومي بنزاهة وديمقراطية.

لقد استطاع السيد أفتاتي أن يمرر عدة رسائل قوية لم نعهدها في كثير من نخبنا السياسية والمناضلة، ولعلنا نقف عند بعضها شكلاً من قبيل:

·   جلبابه الأمازيغي البسيط الموشح بكوفية فلسطينية تعبيراً عن أنه لا تناقض بين الانتماء  الأمازيغي للمغاربة وانتمائهم العربي. فقضايانا الوطنية لا تنفك أن تكون امتدادا لقضايا أمتنا العربية الإسلامية وشوقها للتحرر من أسر التجزئة والتبعية والاستعمار الخفي والظاهر.

·   حرصه على افتتاح مداخلته بتهنئة المغاربة بمناسبة ذكرى المولد النبوي التي تزامنت مع السنة الأمازيغية الجديدة بكلا اللغتين العربية والأمازيغية. مؤكدا على أن قيمة المغرب في وحدته الحضارية والتاريخية والوطنية والغنية بتعدد روافدها العربية والأمازيغية والإفريقية والأندلسية.

·   تقديره لقيمة الاستماع إلى الآخر، فما سُجل عنه مقاطعة لأي متدخل مخالف، بالرغم من حدة الهجوم عليه وعلى اختياره الإصلاحي. وهو ما عبر عن حاجتنا للتحلي بخلق القبول بالآخر واحترام حقه في التعبير عن آرائه، لأن الحوار في عمقه هو أن تقنع نظيرك بأذنيك فقط.

·   توظيفه للغة تمزج، من دون تعسف، بين عمق الخطاب الإيديلوجي المتحيز وسلاسة الخطابة ولغة التواصل. وهو ما من شأنه أن يقرب السياسة من المواطن ويجعله قادرا على استيعاب مضامين عميقة بلغة صريحة وبسيطة، لأنه لا تناقض بين العمق والبساطة.

·   استحياؤه الحديث عن نفسه مخافة شرك خفي، ولا نزكي على الله أحدا.خاصة لما نفذت حيل المناوئين فاختاروا أن يفصلوا بين أفتاتي الشخص وأفتاتي المناضل، حتى يورطوه في لعبة أفتاتي ضد أفتاتي. فالنقاش السياسي النبيل يرقى عن مناقشة الذوات، ذلك أن العقول الكبيرة تناقش الأفكار والعقول المتوسطة تناقش الأحداث والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص.

أما حيث المضمون، فنستطيع أن نقف على بعض الرسائل:

·   انفتاحه على الرواد والقادة السياسيين المغاربة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من دون حرج. فهو ينهل من معين تجربة منفتحة على التراث والأدب السياسي المغربي، فقَلت إحالته على المفكرين والساسة المشارقة أو الأجانب، مؤكدا مغربيته من دون أن يتبجح ويتعسف ليؤكد ذلك، أو يدفع عنه تهمة هو ليس في أي حاجة لدفعها.

·   قدرته على الاستدلال بعناوين لكتب ومؤلفات، بما كان له دور بيداغوجي مهم للمغاربة من ضرورة الاطلاع على ما دبجه النبوغ السياسي المغربي؛ ومؤكدا على ضرورة حرص مناضلين السياسي على تأصيل وإسناد مقاربتهم للشأن العام من خلال الإقدام على المطالعة والمراكمة العلمية والتعاطي المنهجي.

·   صراحته الواضحة التي لا تهاب أحدا، فكان يجيب عن الأسئلة من دون داع لمواربة أو تخف، فهو لم يعهد الحديث بالمرموز. فجابه من أراد أن يختبئ وراء مشاريع التقرير الخمسيني وغيره تأثيتا لخطابه. ذلك أن "التقرير الخمسيني" هو تقرير كل المغاربة وليس برنامجا انتخابيا لحزب دون آخر. وهو لا يعدو أن يكون فرصة لإثارة نقاش عمومي على أرضية علمية تقييما لإخفاقات وإيجابيات مسار النهضة والتنمية بالمغرب وارتيادا لمغرب المستقبل، والتقرير الخمسيني ليس بالضرورة مصادرة على المطلوب، إذ أن المطلوب هي أن تجتهد الفعاليات الحزبية والسياسية لإنتاج رؤية وبرنامج سياسيين قادرين على إقناع المواطن وتشجيعه على الانخراط في الشأن العام.

·   تأكيده حاجة المغاربة إلى أحزاب المشاريع والأفكار، لا أحزاب الطوائف المتهافتة على المصالح والمطامع والعوائد.، أو الأحزاب التي تكاد عقيدة أعضائها محصورة في مقولة: استفاد، يستفيد، سيستفيد.

·   توظيفه لمنهج المقارنة بين التجارب والانتقالات الديمقراطية وتوظيف خلاصاتها بعمق ووضوح، وهو ما تأباه العديد من الأحزاب التي تبقى أسيرة الرؤية المحدودة والقاصرة على رصد العلاقات الخفية بين المغاربة ومحيطهم الإقليمي والدولي، طمعا في تكريس عزلة المغاربة عن امتدادهم العربي والإسلامي والعالمي.

·   صدق الخطاب باقتحامه الحديث حول طابوهات ظل الكثيرون متهيبون من طرق أبوابها، خاصة عند تحليله لأعطاب واقع المشهد السياسي المغربي (فساداً وتحكماً وعدم اكتمال)، حيث وجه دعوة صريحة إلى ضرورة إنجاح تجربة الانتقال الثالثة، بما سيشكل خطوة أخرى لاستيعاب قوى أخرى إسلامية ويسارية للانخراط في مسار النهضة بالمغرب ورقيه، لأن المغرب لكل المغاربة، ولا مستقبل لتهريب القرار الوطني واستحواذ فئة محدودة مستفيدة من واقع الفساد والاستبداد.

·   وعيه بأن مهمة إنجاح مهمة الانتقال وواجب الإصلاح هو أمر أكبر من حزب العدالة والتنمية، بل هي مهمة كل المغاربة الشرفاء والفضلاء الديمقراطيون، فلا إصلاح من دون مصلحين، ولا ديمقراطية من دون ديمقراطيين. 

أكيد أن أفتاتي غير منزه عن شوائب النقصان والخطأ، كما أن مشروع حزب العدالة والتنمية، بما هو مشروع فكرة، ليس في حاجة إلى تمجيد الأشخاص وتعظيم الرجال وتوثينهم. ولعل من بين أهم ما تعلمناه أن قيمة الأفكار في ذاتها ورساليتها لا في رجالها وهيئاتها. ولكنه واجب الوفاء لهامات مناضلة تستحق منا كل تقدير واحترام.

لقد استطاع أفتاتي في إطلالته الإعلامية المحدودة أن يعاود بعث الدفئ للخطاب السياسي موضوع الحلقة، بما من شأنه أن يعزز من اقتناع عموم المغاربة بأهمية دعم مسار الإصلاح السياسي، لأنها مهمة عظيمة لا يطيقها فاعل دون آخر.

 

*عضو المكتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية