التليدي يكتب: إجراء العفو الجبائي أو مكاسب الإصلاح بمنطق المصالحة

قراءة : (37)

14.01.20
نشرت يومية التجديد في عدد الاثنين 20 يناير الجاري مقال رأي للكاتب بلال التليدي بعنوان "إجراء العفو الجبائي أو مكاسب الإصلاح بمنطق المصالحة"، هذا نصه:
الأرقام التي تم الكشف عنها بخصوص حصيلة الإجراء الحكومي في القانون المالي لسنة 2013، بمنح عفو جبائي على العقوبات والغرامات والزيادات وفوائد التأخير وصوائر التحصيل "شريطة قيام الملزمين المعنيين بأداء الرسوم والمكوس المذكورة قبل 31 دجنبر 2012،  تؤشر على نجاح حكومي كبير، إذ  بلغت نسبة التحصيل 5.65 مليار درهم، أي تقريبا نفس الرقم الذي سبق للحكومة أن توقعته، أو أقل منه  قليلا.
هذه الحصيلة الإيجابية قد تقرأ من منظور سياسي، وتحسب نسبة الاستجابة الكبيرة للمواطنين والشركات والمؤسسات المعنية على رصيد الحكومة التي نجحت في استخلاص نسبة مهمة من المتأخرات التي  قاربت 30 مليار درهم.


ومع أن هذه القراءة مشروعة، لاسيما في هذه الظرفية الاقتصادية المحكومة بتحديات البحث عن موارد مالية إضافية لمعاجلة العجز في الموازنة العامة، إلا أن الدلالة الأعمق فيها، ليس هو  المضمون السياسي، وإنما هو  الرؤية الفكرية والتصورية المؤطرة لهذا الإجراء. ذلك أن هناك مقاربتين اثنتين في معالجة هذا الموضوع: المقاربة القانونية لحمل المعنيين بالزجر على أداء ما بذمتهم للدولة، وخلق جو من الاحتقان والاصطدام الاجتماعي الذي ينتهي إلى بؤر صراع سياسي قوي يبرر استمرار حالة التردد في مواجهة مختلف أشكال  الفساد، ومنها، التملص الضريبي. والمقاربة التصالحية التي تميل إلى الاستيعاب والإدماج مع قدر من التخفيف الذي لا  يعفي المعنيين من أداء مستحقات الدولة.
الأرقام التي تم الكشف عنها، تدل على أن  المقاربة التصالحية، تضمن أعلى نسب نجاح الإصلاح، وتضمن الالتفاف المجتمعي الواسع على إجراءاتها، دون اللجوء إلى الحلول التي تخلق شروط التوتر والاحتقان المجتمعي والصراع بين الدولة والمجتمع.


لكن، هذه المقاربة الاستيعابية الناجحة، لا تستند على منطق العفو والتخفيف لحمل المخالفين على  التصالح مع الدولة بأداء مستحقاتها، لا يعني أن تعطيل أو تعليق  مقتضيات المقاربة القانونية الزجرية، فإجراءات العفو، كما هو معمول بها دوليا، إنما تتم في ظروف خاصة، وذلك حين يكون لها مضمون تصالحي في ظرفية انتقالية، تماما مثل الحالة التي يوجد عليها المغرب، والتي يتم فيها تجديد التعاقدات بين المجتمع والدولة، وترسيخ منطق جديد في التعامل بينهما قائم على الثقة والتعاون المشترك.
معنى ذلك، أن المكاسب التي يتم تحقيقها  بهذه الإجراءات، لا تقيم فقط بمنطق الموارد المالية التي تم تحصيلها بهذا الإجراء الاستثنائي، وإنما تقيم بمنطق آخر، يعتمد حجم الثقة التي بدأت تسود العلاقة بين المجتمع والدولة، والتي تقاس رقيما بمدى  ضيق أو اتساع الفجوة بين ما ينبغي تحصيله وما تم تحصيله في المرحلة المقبلة.


اليوم أمامنا تحد كبير، فما تم استخلاصه من الجبايات المحلية لا يساوي سوى 30 بالمائة، ولا تزال موارد الدولة تنتظر استخلاص ما يزيد على 24 مليار درهم، وهو رقم ضخم يمكن أن يسد ثغرات كبيرة، ويلبي حاجيات أكبر لم تستطع الحكومة الوفاء بها بسبب عجز المواد المالية.
نعم، هناك إشكالات قانونية ومسطرية قلصت من  فاعلية هذا الإجراء في استخلاص بعض المبالغ المهمة، سبق  للسيد ادريس الأزمي الإدريسي، الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية أن وضع الأصبع عليها، لاسيما يتعلق برسم النظافة، ومدى شمول الإجراء له، لكن، ما هو أهم من ذلك اليوم، هو تتبع آثار هذه السياسة الاستيعابية التصالحية، وجعلها أداة لبث عنصر الثقة، وليس فرصة يتم الاستناد إليها لتبرير استمرار عقلية التملص الضريبي.


بكلمة مختصرة، لقد قامت الحكومة بواجبها، وتقدمت خطوة مهمة إلى المجتمع من أجل التصالح، ومطلوب منها أن تخطو خطوات أخرى تتعلق بإزالة كل العوائق القانونية والمسطرية لتيسير عملية التحصيل، وترتبط الثانية وتقوية وتفعيل أدوات التحصيل، وفرض احترام القانون، لكن، ما بعد ذلك، تبقى مهمة المجتمع في  تحصين هذه الثقة وتعزيزها، والتعبير عن ثقافة مواطنة، تقطع مع منطق الاستقواء والاغتناء على ظهر الدولة، وتجعل تقوية الموازنة العامة للدولة بنفس الدرجة  من الأولوية بالمقارنة مع المصالح الربحية للأفراد أو الشركات أو المؤسسات.