بلال التليدي يكتب : مساجلات رقمية مع الزميل عبد الله البقالي

قراءة : (24)

10-02-14
مبدئيا، ينبغي أن نثمن كل الانتقادات التي توجه إلى الحكومة وتحرص على أن تكون مشفوعة بحجج وأدلة وأرقام ومعطيات علمية، فهذا فضلا عن كونه يعطي مصداقية للنقد، فإنه يؤسس لمنطق جديد في المعارضة السياسية، يبتعد عن  أساليب التبخيس والافتراء والاتهامات المجانية.
لكن أحيانا، وحتى في الاستناد إلى المؤشرات والأرقام يقع نوع من الانزياح الخطير إلى لغة الاتهام والقذف الذي يفترض أن يتنزه السياسي عنه، وأن يسهم  بدلا عن ذلك في تخليق لغة الخطاب، والارتفاع بها إلى اللغة العلمية أو على الأقل القريبة منها.
مناسبة الحديث، هو ما كتبه الزميل عبد الله البقالي في  جريدة العلم في ركن "حديث اليوم" متهما الحكومة بممارسة التحايل والنصب والاحتيال والافتراء والتغليط والتلبيس على المغاربة.
ملخص  حديث الزميل البقالي وحججه كالآتي:
1 -  ألا علاقة لحكومة عبد الإله ابن كيران بزيادة 600 درهم في رواتب جميع الموظفين العاملين في الوظيفة العمومية، وأن هذه الزيادات تقررت وصرفت في عهد  حكومة عباس الفاسي.


2 -  ألا علاقة لحكومة عبد الإله ابن كيران بالزيادة  في رواتب المتقاعدين، وأنها تقررت في حكومة عباس الفاسي.


3 -  أن حكومة عبد الإله ابن كيران تقول إن الدين الخارجي انخفض من 52 في المائة إلى 14 في المائة وتلبس على المغاربة حين تدعي أن ذلك تم ما بين سنة 2000، وسنة 2013،  مع أن هذا الانخفاض حصل في عهد حكومة عبد الرحمان اليوسفي وحكومة عباس الفاسي، في حين أنها في حكومة عبد الإله ابن كيران أخذت في الارتفاع.


طبعا لا يخفى البعد السياسي في هذا النقاش، فالزميل البقالي يريد أن يجرد الحكومة  من أي إنجاز، وينسبه إلى الحكومات السابقة، وفي الوقت ذاته، يعلق  أي مؤشر للأزمة على حكومة عبد الإله ابن كيران، والحقيقة أن هذا المسلك لا عيب فيه، فمقتضى السياسة وطبيعتها، تفرض على المعارضة السياسية أن تنتج هذا الخطاب الذي يبرر أحقيتها في التدبير الحكومي في المرحلة المقبلة، وفشل الحكومة الحالية. لكن مع الإقرار بمشروعية هذا المسلك، فإن ذلك يتطلب ويشترط الاستناد إلى مؤشرات علمية صلبة تقوى على الاحتجاج، وهو ما لم  يستطع الزميل عبد الله البقالي أن يثبته كما سنبين.


- ففي الموضوع الأول،  المتعلق  بزيادة 600 درهم،  لا جدال في أن الذي قرر الزيادة هي حكومة عباس الفاسي، ليس  بمنطق  السياسة العمومية المخطط لها سلفا، وإنما بتقدير للدولة المغربية، التي تجاوبت بطريقة إيجابية مع الحراك الديمقراطي. ومع ذلك، فإن حكومة عباس الفاسي التي قررت هذه الزيادة، لم تصرف منها إلا مقدار 7 أشهر بالتمام والكمال، ومبلغ يقدر بـ 4.9 مليار درهم بالنسبة لموظفي الدولة، فيما لم تصرف أي شيء لموظفي المؤسسات العمومية، في حين، تحملت حكومة عبد الإله ابن كيران هذه الزيادة كاملة، وهي بالمناسبة زيادة قارة ومستمرة في الزمن، ففي سنة 2012 وحدها، تحملت حكومة عبد الإله ابن كيران ما يقرب من 9 ملايير درهم، هذا دون احتساب المبالغ التي صرفتها للترقيات المتعلقة بالرفع من حصيص الترقية على مرحلتين، والترقية برسم التسقيف، والتي التزمت بها حكومة عباس الفاسي بمقتضى اتفاق 26 أبريل، لكنها لم تنفذ منه حرفا واحدا، مع أن المرحلة الأولى من الترقية المتعلقة بالرفع من الحصيص في مرحلتها الأولى دخلت حيز التنفيذ منذ يناير 2011، وجاءت حكومة عبد الإله ابن كيران ونفذت هذه الالتزامات كلها مع فاتح يناير 2012، فكان الرقم المسجل، هو مليار ونصف بالنسبة للترقيتين، و2.8 مليار مخصصة للحوارات القطاعية، أي ما مجموعه، بالنسبة لكلفة الربيع العربي 13 مليار درهم  صارت شبه قارة – مع تغير  في الأرقام- في ميزانية الدولة منذ  تولي حكومة عبد الإله ابن كيران.


الخلاصة في هذه النقطة، وبلغة علمية، خالية من أي مزايدة سياسية، أن حكومة عباس الفاسي قررت، لكن الذي تحمل الكلفة هي حكومة عبد الإله ابن كيران، وأن ما صرفته حكومة عباس الفاسي في هذا الذي قررته، لا يعادل ثلث ما صرفته حكومة عبد الإله ابن كيران في سنة 2012، مع العلم أن ما قررته حكومة  الفاسي ولم تنفذه، أو نفذت جزءا ضئيلا منه، صارا التزاما سنويا بالنسبة إلى حكومة عبد الإله ابن كيران، رفع  نسبة الكتلة الأجرية، وكان له أثره البالغ في التوازنات المالية، وكان محددا حاسما في ارتفاع  العجز سنة 2012.
- أما الموضوع الثاني، المتعلق بالرفع من رواتب المتقاعدين،  فما قاله الزميل عبد الله البقالي صحيح نسبيا، ونقول نسبيا، لأن الذي قرر الزيادة لمتقاعدي النظام الجماعي لمنح ورواتب التقاعد هي حكومة عبد الإله ابن كيران، ثم ما قيل سابقا نعيد قوله في هذه النقطة، فالعبرة ليست بالذي قرر وفي نهاية الولاية، وإنما العبرة بمن صرف، فالذي صرف هذه الزيادات هي حكومة عبد الإله ابن كيران، أما الذي قررها، فهي حكومة عباس الفاسي، وفي السنة الأخيرة، مع تعليق دخولها حيز التنفيذ إلى الحكومة المقبلة.


-أما الموضوع الثالث، الخاص بالدين الخارجي، فحسب معلوماتنا، فلا أحد صرح بما زعمه الزميل البقالي، والمعطيات التفصيلية، تؤكد ما يلي: أن  انخفاض الدين الخارجي عرف ارتفاعا منذ سنة 2009، أي في عهد حكومة عباس الفاسي، إذ سجل سنة 2008  نسبة 9.9 بفضل المداخيل الجبائية الاستثنائية التي سجلت في هذه السنة، مسجلا في سنة 2009 نسبة 10.7 في المائة، و 12.3 سنة 2011 مع أن هذه السنة سجلت فيها مداخيل الخوصصة 5.11  مليار دولار، لتزيد في الارتفاع سنة 2012 بـ 13.6 في المائة بسبب الحيثيات التي سلف ذكرها. فهذه المعطيات، تفيد بأن الارتفاع حصل في عهد حكومة عباس الفاسي رغم الامتيازات التي خصت بها دون هذه الحكومة التي كتب عليها أن تواجه تداعيات الأزمة الاقتصادية وارتفاع الكلفة الطاقية ومخلفات التزامات حكومة عباس الفاسي التي قررت وألزمت حكومة ابن كيران  بتنفيذ وصرف كلفة اتفاق 26 أبريل.
هذه فقط توضيحات، تبين بأن النقاش العلمي مفيد للسياسة، وأن ما يضرها هو ضعف الإقناع وعدم القدرة على الإتيان بالأرقام، والتخفي وراء التهم الجاهزة، التي لا يستفيد منها أحد، وتعود على خطاب السياسة بالضحالة والهزال.