لكريني: التدبير المنغلق والأحادي "للصحراء" سبب إشكالات للقضية

قراءة : (1811)

14.03.06
نشرت يومية "العاصمة بوست" في عدد الأربعاء 5 مارس 2014 الجزء الثالث من الحوار الذي أجرته مع إدريس لكريني، أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش ومدير مؤسسة الأبحاث والدراسات حول إدارة الأزمات، وأجرى الحوار الصحفي عبد المجيد جبران،
وفيما يلي جزء الحوار المتعلق بسياسة العلاقات الدولية للمغرب:

لننتقل إلى السياسة الدولية للمغرب، التي صارت أكثر انفتاحاً على القضايا الدولية، خلافا للسنوات الماضية، حيث كان المغرب مركزا بشكل كبير على القضايا الوطنية. كيف ترون اهتمام المغرب المتزايد بالشأن الدولي، خصوصا العمق الإفريقي، لاسيما في ظل الزيارة الملكية الحالية لأربع دول إفريقية؟
فترة وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، يمكن أن نقسمها إلى مرحلتين في علاقتها بالسياسة الخارجية للمغرب. المرحلة، الأولى كان فيها نوع من التركيز على الشأن الداخلي، دون أن تنقطع فيها الاتصالات مع الخارج، خصوصاً وأننا في عالم متشابك، وتجمع المغرب فيه علاقات مع مختلف دول العالم.
هذه المرحلة ميزها أيضا التركيز على قضية الصحراء، أي أنها ظلت القضية المركزية ضمن السلوك الخارجي للمغرب، بل أكثر من ذلك أصبحت هذه القضية هي المحدد الأساسي للسياسة الخارجية المغربية. كما تميزت هذه المرحلة بطرح مشروع الحكم الذاتي، الذي نجح المغرب إلى حد كبير في الترويج له، بالصورة التي حصد معها استحسانا من مختلف القوى الدولية الكبرى، بل حتى الأمم المتحدة نفسها وخصوصا مجلس الأمن.
أما المرحلة الثانية، فهي في اعتقادي، بدأت قبل حوالي ثلاث سنوات حيث نلاحظ أن السياسة الخارجية المغربية أصبحت أكثر وضوحا ودينامية من قبل، على مستوى الوضوح، وأصبحنا أمام سلوكات واضحة لم تعد تقف في الوسط أو تنتظر التوجهات العامة للمواقف الدولية من أجل الردّ، كما أضحى يأخذ مواقف واضحة دون انتظار توجه معين. وقد ظهرت هذه الدينامية على مستوى تدبير مجموعة من المنازعات أو القضايا الدولية، كالملف الليبي، حيث كان المغرب من بين الدول التي أسهمت بدور كبير في تسوية المشكلة، وخصوصا قبيل سقوط نظام القذافي وبعده. وكما كان للمغرب دور كبير في تدبير الأزمة التي تفجرت في مالي، والمقاربة التي دافع عنها المغرب منذ البداية المتسمة بالصرامة العسكرية، بالإضافة إلى اهتمامه بالتحديات التي يطرحها النزاع الداخلي في مالي بالنظر، إلى تداعياته المستقبلية على المنطقة، وخصوصا مع تسرب السلاح الليبي ودخول بعض الجماعات المسلحة على الخط، كتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هي المقاربة التي اعتمدت وانتصرت في الأخير. وأعتقد بأنه على الرغم من الرفض الجزائري لهذه المقاربة، والدعوة إلى توخي الحوار، فيبدو بأنه في آخر المطاف، المقاربة المغربية كانت أكثر نجاعة، ونفذت بتعاون بين مجموعة من الدول وعلى رأسها فرنسا، التي أتاحت نوعا من الاستقرار في مالي التي شهدت زيارتين ملكيتين في الفترة الأخيرة.
من جانب آخر، فالمغرب ظل داخل مجلس الأمن يمثل مجموعة من الدول الإفريقية والعربية والإسلامية، وراكم تجربة دبلوماسية مهمة في هذا الشأن، طيلة هذه المرحلة. فهناك عودة للساحة الدولية، وهي العودة التي اتسمت بتحول في السياسة الخارجية المغربية، من خلال التوجه نحو العمق الإفريقي. وهناك إطار دستوري يدعم هذا التوجه، وهناك مصالح إستراتيجية تدعم هذا التوجه، كما أن هناك ترحيب من القوى الدولية الكبرى بالدور الذي يمكن أن يقوم به المغرب في إفريقيا، كدولة مستقرة ولها موقع إستراتيجي بما يدعم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصا وأن غياب الاستقرار في هذه المناطق له تداعيات مرتبطة بالهجرة والإرهاب والتهريب وتنامي الجماعات المسلحة إلى غير ذلك. وبالتالي فالدور المغربي في إفريقيا مرحب به دوليا، والذي يحرك المغرب في هذا التوجه هو مصالحه الإستراتيجية والاقتصادية ومصالح داعمة أيضا لقضية الوحدة الترابية، ولكن في الوقت نفسه، فالمغرب مطالب بتعزيز التعاون جنوب جنوب، والقيام بمبادرات إنسانية وتنموية في هذه المنطقة، ودعم الاستقرار في هذه المنطقة الإستراتيجية بالنسبة للعالم بالنظر لموقعه الحيوي.
 
قلتم إن قضية الصحراء كانت هي المحدد الرئيسي للسياسة الخارجية للمغرب في علاقته مع باقي الدول، سواء كانت إفريقية أو عربية أو غربية. كيف ترون التدبير الدبلوماسي لهذا الملف، خصوصا أن الكثيرين يتحدثون عن مجموعة من الأخطاء التي ارتكبتها الدبلوماسية المغربية في تدبير هذه القضية؟
قضية الصحراء ظلت لسنوات عدة تُدبر بشكل منغلق وأحادي، وهو ما خلف إشكالات كبيرة جدا، حاول المغرب في التسعينيات، وخصوصا في أواخرها أن يتجاوزها، حيث أصبح هناك انفتاح في تدبير الملف على النخب الصحراوية، من خلال المجلس الملكي للشؤون الصحراوية، وكذلك من خلال إعطاء بعض الأدوار لعدد من القيادات الحزبية، للقيام بدور في هذا الشأن، وكذلك الدبلوماسية البرلمانية، وبعض فعاليات المجتمع المدني إلى حد ما.
غير أن هذا الانفتاح ظل محدوداً، ولم يرق إلى مستوى الإشكالات المطروحة، لذلك نجد بأنه ما زالت هناك بعض الإشكالات التي ترافق تدبير الملف، سواء على المستوى الداخلي، أو على المستوى الخارجي. فعلى المستوى الداخلي، أعتقد بأن الرهان مطروح على خيارين، الأول يهم دعم التنمية الإنسانية التشاركية الحقيقية، خصوصا وأن معظم المطالب التي تكون وراء بعض الاحتجاجات أو بعض الارتباكات في الأقاليم الجنوبية مرتبطة بمطالب اجتماعية، أي أن هناك حاجة ماسة إلى بلورة تنمية اجتماعية حقيقية تتجاوز منطق الريع والمقاربة الأمنية، بالإضافة إلى الحاجة في تعزيز مسار الإصلاحات. فالمغرب قطع أشواطاً مهمة على مستوى الإصلاح الدستوري، وعلى مستوى إصلاح النظام الجهوي، فيما يخص طرح مبادرة الحكم الذاتي، التي سوف تشكل آلية ديمقراطية لتدبير الشؤون المحلية. أما على المستوى الخارجي، أعتقد بأن المغرب عليه أن يتجاوز الإشكالات المرتبطة بتدبير القضية الخارجية من حيث اعتماد سياسة خارجية منفتحة؛ فالمشاكل التي أصبحت مطروحة على مستوى تدبر المغرب لملف الصحراء، كلها لا تأتي من الحكومات، حتى لا نحملها وحدها هذه المسؤولية. فالكثير من المشاكل، في هذا الصدد، تأتي من منظمات مدنية وفعاليات جمعوية وهيآت غير حكومية، بالإضافة إلى دور الإعلام والبرلمان وبعض الشخصيات المثقفة. وقد لاحظنا ذلك في إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة، إذن فالمغرب في حاجة إلى بلورة دبلوماسية منفتحة وشفافة ومبنية على المبادرة وليس على رد الفعل، كما أنه في حاجة إلى بلورة دبلوماسية تشاركية من أجل الاستفادة من فعاليات المجتمع المدني في هذا الشأن، بالإضافة إلى الجالية المغربية في إسبانيا وفرنسا وكندا وروسيا وفي أي مكان، والتي لا نستثمرها بالشكل المطلوب. في حين أن الخصوم لديهم ربما جالية أقل بكثير، لكنها تُستثمر بصورة أفضل.
من جهة أخرى، ينبغي الاهتمام باللوبيات في هذا الإطار. فالسياسة الخارجية للمغرب ينبغي أن تتجاوز المنطق الأحادي إلى توخي قدر كبير من الانفتاح، فالأحزاب السياسية، والفعاليات الأكاديمية والمجتمع المدني والجماعات المحلية يمكنها أن تقوم بأدوار في هذا الشأن.
 
ما هو دور الدبلوماسية الموازية للأحزاب المغربية في الدفاع عن القضايا الوطنية، وخصوصا قضية الصحراء؟
عندما نتحدث عن الدبلوماسية الموازية، فهي دبلوماسية مواكبة ومكملة وداعمة للدبلوماسية الرسمية، والقيام بها ليس أمرا سهلا وبسيطا، وهو يتطلب أولا معلومات عن الملفات التي يفترض الدفاع عنها، بالإضافة إلى الكفاءة واللغات والإلمام بتقنيات التواصل والتفاوض.
كما أنها تتطلب رغبة من الفاعل المركزي في السياسة الخارجية المغربية للاستئناس بهذه الدبلوماسية، وإلا فإننا سنكون أمام دبلوماسية لن تكون موازية، وإنما دبلوماسية تسير في اتجاه مغاير للدبلوماسية الرسمية، وهو ما قد يسيء للسياسة الخارجية. نحن في حاجة إلى دبلوماسية موازية مفتوحة على مختف الكفاءات، والأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية جسيمة في هذا الاتجاه، باعتبارها مدارس تخرج النخب القادرة على تحمل المسؤولية في المستقبل.
فالسؤال المطروح في هذا الشأن هل أحزابنا على دراية بهذا الأمر؟ وهل تسمح لنخبها بتنظيم دورات في مجال الدبلوماسية الموازية والدبلوماسية بشكل عام؟.. كما أنه لا ينبغي أن نركز مهام الدبلوماسية الموازية في الدفاع عن قضية الصحراء المغربية فقط. لكن الدبلوماسية بشكل عام أصبحت حاليا ترتبط بجلب الاستثمارات وبتحسين صورة البلد في الخارج وبتسوية المنازعات في العالم. كما أضحت مرتبطة بالترويج لإمكانات الدولة الطبيعية والثقافية والسياحية، والدبلوماسية الموازية بهذا الشكل تسائل الدولة أيضا من أجل الإقرار والاعتراف بأهميتها، وانعكاساتها الإيجابية على الدبلوماسية الرسمية بشكل عام. مثلما تسائل مختلف الفاعلين، من حيث مدى استعدادهم وقدرتهم على القيام بهذا الدور الذي لا يخلو من صعوبات، خصوصا وأنه يتطلب إمكانات معرفية وتقنية هامة.