لطفي عياد: النقابات والاحتجاج في الزمن الخطأ

قراءة : (1811)

طلقات طائشة في وادي مهجور، أقل الأوصاف التي يمكن أن تنعت بها البهرجة التي تطلقها النقابات اليوم، وهي تقود مسيرة توحد في صفها ما ينعت بكبريات المركزيات النقابية، بأهداف معلنة، وأخرى يتأبطها القادة في الصالونات الفاخرة التي تركتها عقود من استغلال عرق العمال، وعقود أخرى من البيع والشراء خلف الكواليس، اليوم يبدو المواطن عملة ثقيلة في ميزان المزايدات، تعلو الأصوات التي تنادي بإسقاط حكومة العدالة والتنمية، لأنها لم تخرج المغرب من مرحلة الفقر والهشاشة و....

في الظاهر لا شيء تغير، زعماء الأمس هم زعماء اليوم، لكنهم لم يكونوا ليحتجوا على الأحزاب السياسية التي يستظلون بظلها، ولم يحتجوا على الحكومات التي أغرقت المغرب في الفقر لعقود من الزمن، منذ أيام توزيع البونات، وإغراق المؤسسات الحكومية بموظفين مقربين من حزب الاستقلال وفلان وعلان، وتوزيع الدقيق المدعم بالمعارف، واللجوء إلى الاقتراض في كل المناسبات وبدون مناسبات، ونهج اقتصاد ريعي يغني الغني ويفقر الفقير، كان حينها الزعيم النقابي مشغولا بالبحث عن "خبزته"، ركب الكثيرون على جماجم العمال وزايدوا على عرق الكادحين، بشعارات لم يبقى منها سوى رسوم بمقر شاسع بالجيش الملكي وقرب حي الليمون ومقرات كتبت بأسماء أشخاص، وعقارات تحولت إلى أملاك عائلية....

وحتى لا يُقدم الوصف الخطأ، فالنقابات التي تحتج اليوم بمدينة الدار البيضاء، على غياب حوار اجتماعي هي من أقفلت أبوابه وغادرت طاولته، لا تعاني فقط من تأخر استيقاظها من سبات طال أمده، حين تأخرت في فرص تاريخية عن الانتصار للطبقة العاملة بالمغرب وللمواطن المقهور والموظف...، وحين كانت تجلس في جلسات المساومات،... بل إنها تحتج في الزمن الخطأ.

ونعته بالزمن الخطأ أسبابه عديده، ودوافعه متعددة، ذلك أنها المرحلة الأولى التي يعيش فيها المغرب ملامح انتقال ديمقراطي فعلي، يؤسس له عبر المؤسسات، بعد انتخابات غير مطعون في نزاهتها، مهما كانت الأوصاف بشأنها من ضعف المشاركة، إلا أنها استطاعت أن تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ المغرب، يتحمل فيها حزب سياسي المسؤولية بتفويض شعبي، وفي سياق دستور يمنح صلاحيات أوسع من سابقيه لمختلف المؤسسات وعلى رأسها الحكومة.

وذلك ثانيا لأن الحكومة تقود مرحلة الإصلاحات المهيكلة، لمجالات تهالكت وكادت تتهاوى بفعل قيادة المراحل السابقة لسياسة الترميم، وكم من حاجة قضيناها بتركها، إلى أن تراكمت الأزمات وتعقدت وتزايدت، وأدت في بعض القطاعات إلى حافة تقارب الإفلاس. 

وهو زمن خطأ لأن العمال والعاملات والمواطنين عموما فقدوا الثقة في الخطابات التي تروجها النقابات، والتي تختلط فيها السياسة بالمطالب الاجتماعية، والتي لم تأتي إلى في ظل اصطفاف سياسي حاد، جراء انسحاب حزب الاستقلال والتحولات التي عرفها حزب الاتحاد الاشتراكي، والأدوار التي يقوم بها حزب الأصالة والمعاصرة...
كم كانت الوحدة ستأتي أكلها لو انطلقت في مراحل سابقة، حين لجأت الحكومات إلى السياسات الترقيعية في مقاربة المشاكل الاجتماعية، وكم كانت ستؤتي أكلها لو رفضت إثقال المالية العمومية بتحملات السياسات الحزبية الضيقة، التي أدت إلى تفاقم كتل الأجور واتساع رقعة الريع...ومختلف الآفات الاقتصادية والاجتماعية؟ لكنها اليوم مجرد فقاعات، يشبه من يتزعمها حاطب ليل، قد تأتي بشيء وقد لا تأتي..