الدكتورعبد الكريم الخطيب: كما عرفته في صفوف الوطنية والمقاومة وجيش التحرير

قراءة : (226)

21-04-14
نشرت يومية "المساء" في عددها الصادر يوم السبت 19 أبريل الجاري، مقال رأي تحت عنوان "الدكتور عبد الكريم الخطيب: كما عرفته في صفوف الوطنية والمقاومة وجيش التحرير"، لكاتبه المختار الزنفاري، عضو مكتب المجلس الوطني المؤقت لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
وفي ما يلي نص المقال كاملا :


تعرفت على الدكتور عبد الكريم الخطيب عن قرب عبر صداقة جمعتنا منذ لقائي به يوم 8 دجنبر 1952 بالدار البيضاء بمناسبة أحداث إضراب يومي 7 و8 دجنبر 1952 الذي خاضته جماهير مدينة الدار البيضاء ومعها جهات مختلفة من المغرب تضامنا مع الشعب التونسي الشقيق إثر اغتيال الزعيم النقابي المغاربي فرحات حشاد.
لقد كنت مكلفا رفقة جماعة من الوطنيين بتأطير الإضراب بكاريان سنترال، بالدار البيضاء، وبعد سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، في اليوم الأول من الإضراب، قام بعض الرفاق بالاتصال ببعض الأطباء قصد جلبهم لإسعاف الجرحى لكنهم لم يلبوا الطلب، وصباح اليوم الثاني للإضراب ذهبنا أنا وصديقي محمد نصيح بلمحجوب صوب عيادة الدكتور عبد الكريم الخطيب، التي كانت توجد فوق كراج العلم في طريق مديونة، وفيها وجدنا عددا من الزوار ينتظرون دورهم. استأذناهم في استعجال ملاقاة الطبيب بحجة أمر طارئ فوافقوا.
لما قابلنا الدكتور الخطيب على الساعة التاسعة صباحا من يوم 8 دجنبر1952 شرحنا له خطورة الوضع في كاريان سنترال، وأخبرناه بسقوط العديد من الشهداء والجرحى فتأثر لذلك، وطلبنا منه إسعاف الجرحى فوافق وقبل التطوع دون تردد.


جاء الدكتور عبد الكريم الخطيب إلى كاريان سنطرال على متن سيارته في خطوة شجاعة، حاملا معه كيسا من الأدوية، وقد كان جامع الحي مليئا بجثامين الشهداء، كما كان منزلا عبد الله بوتران واحمد السرعيني ملأى بالجرحى، فمنح شهادات وفيات لأهالي الشهداء حتى يتمكنوا من دفن فقداهم، وقام بإسعاف الجرحى ومنح شواهد لمن هم في حالة خطيرة كي يذهبوا إلى المستشفى للعلاج، وظل طوال اليوم يسعف الجرحى إلى أن أدى معنا صلاة العشاء على الرصيف.
ومنذ هذا اليوم توطدت علاقة الصداقة بيني وبين الدكتور الخطيب، فلازمته بمدينة تطوان بعد استقراري بها لما حكمت علي المحكمة غيابيا بعشرين سنة سجنا مع الأشغال الشاقة وبعشرين سنة أخرى نفيا، بسبب مشاركتي في العمل الوطني والمقاومة.
وفي مدينة  تطوان تولى الدكتور عبد الكريم الخطيب أمر قيادة جيش التحرير بتزكية من الزعيم علال الفاسي وإيعاز من صديقي الدكتور الخطيب في الدراسة بجامعة الجزائر، المغربي عبد الكبير الفاسي والتونسي حافظ إبراهيم. وخلال هذه الفترة كنت مكلفا في صفوف جيش التحرير بالتصوير وجمع المعلومات.
وقد واصل الدكتور عبد الكريم عمله الوطني، كما قام بمهام في الخارج لجلب المال والعتاد لجيش التحرير، وأذكر هنا على سبيل المثال زيارته إلى العراق رفقة المهدي بنعبود والغالي العراقي، وهناك التقوا نوري السعيد رئيس الحكومة العراقية، وحصلوا خلالها على جوازات سفر عراقية لاستعمالها في السفر إلى الخارج، وعلى دعم مالي تم به شراء كمية من الأسلحة سلمت للثوار الجزائريين.


لقد قام الدكتور عبد الكريم الخطيب بدوره في الوطنية والمقاومة وجيش التحرير خدمة للوطن والعرش، وكان صاحب كلمة والتزام دفاعا عن بلاده وأمته. وتحت قيادته كان جيش التحرير موحدا تنظيميا، وفي هذا الإطار كان عباس المساعدي واحدا من مسؤولي هذا الجيش المكون من المجاهدين وقد جمعت بين الرجلين أخوة الكفاح والوطنية.
وإنني أنزه الدكتور عبد الكريم الخطيب عن أن يكون عميلا، كما أنزهه عن أن تكون له علاقة باغتيال عباس المساعدي. فقد رحل هذا الأخير في ظرف اتسم بالتصفيات التي حصدت العديد من المقاومين وأعضاء جيش التحرير. وأتمنى أن ينكب المؤرخون الأكفاء على دراسة هذه الفترة في إطار البحث العلمي الرصين للوقوف على الواقع، كما هو وتخليص البلاد من الادعاءات الزائفة التي تزرع البلبلة في محاولة لإشعال الفتنة لإثارة النعرات وتحريف الحقائق التاريخية. ولماذا كل هذه المحاولات؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ لاسيما أن هذه الإشاعات الكاذبة التي تلصق ببعض المقاومين تمس بسمعتهم وتجرح مشاعر أبنائهم وبناتهم وأحفادهم، والوطن اليوم في حاجة إلى وحدة وتكتل وراء جلالة الملك لمواجهة مؤامرات الخصوم، والمتربصين الساعين إلى النيل من وحدتنا الترابية.
ففي الملف الذي أعدته جريدتكم الغراء، جريدة "المساء"، بتاريخ 29 و 30 مارس 2014 حول اغتيال الشهيد عباس المساعدي تمت إثارة اسم الدكتور عبد الكريم الخطيب كمشتبه فيه عبر تهمتين مجانيتين تحاولان أن تلصقا به تهمة التآمر على الاغتيال، وتهمة العمالة لفرنسا، وهي مزاعم صادرة عن غير أهل الانتماء والاختصاص بالمقاومة وتاريخها. فقد كان الدكتور الخطيب وعباس المساعدي أصدقاء، ومن قادة المقاومة وجيش التحرير. ولم تكن للخطيب علاقة بفرنسا، إذ كيف يلعب دورا رياديا في المقاومة وجيش التحرير ويكون عميلا لفرنسا؟ لقد قامت الدولة في بداية الاستقلال بضبط المعلومات حول العديد من الشخصيات وصدرت لائحة رسمية باسم الخونة والعملاء، وأسماؤهم منشورة، فمن أين استقى من يلصقون بالدكتور الخطيب اليوم هذه التهم المجانية معلوماتهم؟


لقد خدم الدكتور عبد الكريم الخطيب وطنه كما خدم القضايا العربية والإسلامية والإفريقية، مما أكسبه سمعة طيبة في كل هذه الأوساط. وهنا أقدم شهادة تتعلق بسفر وفد مغربي إلى الشرق الأوسط بتكليف من جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، ضم الدكتور عبد الكريم الخطيب والمقاومين عمر المسفيوي والفجيجي، وعضو الديوان الملكي عبد الله غرنيط. وبعد عودة الوفد إلى المغرب أنجز الأستاذ عبد الله غرنيط تقريرا عن المهمة سلمه للمغفور له الحسن الثاني، وقد أشار في هذا التقرير إلى أن الدكتور عبد الكريم الخطيب صاحب سمعة طيبة ومعروف في الشرق الأوسط أكثر مما هو معروف في المغرب.
وختاما أحيل القراء الكرام على شهادة تقدير للزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا في حق الدكتور عبد الكريم الخطيب تشيد بدعمه حركات التحرير ومنها نضال شعب جنوب إفريقيا ضد الأبارتايد، وهي منشورة في كتاب "مسار حياة". إنها شهادة حق، وشهادة معبرة جدا، من ضمير الكفاح العالمي، وأيقونة النضال الكوني ضد الاستعمار والعنصرية واضطهاد الشعوب.