بعد حادث مراكش.. ضرورة استكمال جدول الأعمال : بقلم د. عبد العلي حامي الدين

قراءة : (49)

سال مداد كثير حول جريمة "الأركانة"، وانخرط الجميع في تحليل هذا الحادث الإرهابي وأهدافه وأبعاده السياسية والاقتصادية، ومغزى التوقيت الذي اختاره الإرهابيون لتوجيه رسالة بلا معنى في زمن يقظة الشعوب وصحوتها، وانعكاسات هذا الفعل الإرهابي على السياحة الوطنية، وعلى صورة المغرب في الخارج المطبوعة بعامل الاستقرار بالمقارنة مع ما تموج به المنطقة العربية من توترات.

والأهم في معظم القراءات المقدمة هو التعبير بشكل واضح على عدم تأثر أجندة الإصلاحات الوطنية بهذا الحادث، وعدم تكرار الأخطاء المرتكبة بعد صدمة التفجيرات الإرهابية بالدار البيضاء ليلة 16 ماي 2003، والتي خلفت حصيلة ثقيلة من الانتهاكات محفوفة بالكثير من الألغاز لا تزال حقيقتها لم تكتشف بعد.

البعض حاول بناء فرضيات معينة حول الجهة التي تقف وراء هذا الفعل الإجرامي، وهو سؤال مشروع بالنظر للظرفية الاستثنائية التي يعيشها المغرب، فمن جهة هناك عرض إصلاحي تقدمت به أعلى سلطة في البلاد من أجل مراجعة الدستور، وهناك قرارات سياسية تحمل دلالات معبرة من قبيل الإفراج عن المعتقلين السياسيين الخمسة وبداية تململ ملف المعتقلين على خلفية قانون الإرهاب معظمهم من التيار السلفي. ومن جهة أخرى، هناك استمرار لدينامية الاحتجاجات الشعبية التي أطلقتها حركة 20 فبراير على أرضية مجموعة من المطالب التي لم يتم الاستجابة لها بعد بالكامل، وهو ما خلق تدافعا سياسيا غير مسبوق، يبدو في ظاهره حراكا سياسيا مدنيا هادئا، لكنه يخفي صراعا سياسيا قويا يهدد مراكز نفوذ قوية داخلية وخارجية لها مصالح سياسية واقتصادية كبيرة، ومن شأن التقدم في الإصلاحات الحقيقية أن يمس جملة من المصالح غير المشروعة لهذه المراكز.

وبالفعل، فقد نجحت دينامية 20 فبراير في إعطاء دفعة قوية لفتح العديد من الملفات الشائكة وتحريك أخرى: ملف الإصلاح الدستوري، وملف الاعتقال السياسي، وملف السلفية الجهادية، ومركز تمارة السري، ومتابعة تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2009، ومحاكمات بعض كبار المسؤولين في قطاعات مختلفة، والمطالبة بإبعاد كل من فؤاد عالي الهمة ومحمد منير الماجيدي عن المحيط الملكي، والمطالبة بمحاكمة رموز الفساد والمسؤولين عن ارتكاب جرائم الاختطاف والتعذيب في حق المواطنين، وخاصة من أصحاب الاتجاه السلفي، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وتوفير شروط العيش الكريم للمواطنين..

ولذلك، فقد توجهت أصابع الاتهام لدى البعض لتعزيز فرضية الإرهاب الداخلي الذي يستهدف وقف هذا المد المطلبي وتوجيه الرأي العام ووضعه أمام أولوية الاستقرار، ولو على حساب الديمقراطية.

ليس المهم، في نظري، من قام بهذه العملية الإجرامية، فخريطة المصالح المهددة بالديمقراطية في المغرب خريطة معقدة جدا يتقاطع فيها الداخلي بالخارجي.. المهم الآن هو أن الفعل الجرمي فعل قائم، ومن المؤكد أن من قام به في هذا التوقيت يهدف إلى التأثير على المزاج السياسي العام الذي تفاعل مع التحولات الجارية في العالم العربي بطريقة ذكية وإيجابية، فمن جهة هناك احتجاجات عقلانية ترفع شعارات محسوبة يستطيع النظام السياسي أن يستجيب لها، ومن جهة أخرى هناك بداية إنصات لهذه المطالب وتفاعل ملموس لتقديم أجوبة مغايرة لما هو مطروح في الساحة العربية.

نعم، كل شيء لا يزال في بدايته وهو مفتوح على جميع الاحتمالات، لكن احتمال أن تنتصر إرادة المطالبين بالإصلاح تبدو أقوى، خاصة مع الاستجابة الاستباقية لمطلب مراجعة الدستور بطريقة سريعة تعكس إمكانية انخراط المؤسسة الملكية في دينامية 20 فبراير والتفاعل الكامل مع مطالبها التي لم ترفع شعار إسقاط النظام، ولكنها متشبثة بإمكانية التغيير في ظل الاستمرارية.. استمرارية النظام الملكي بوظائفه الحيوية التي لا ينبغي أن تصطدم مع مقومات النظام الديمقراطي كما هو متعارف عليها دوليا، ولذلك يصر المحتجون على مطلب الملكية البرلمانية، ويواصلون ضغطهم بواسطة المسيرات والوقفات حتى بعض خطاب 9 مارس، حتى يكون مشروع الدستور المرتقب منسجما مع معايير النظام الديمقراطي البرلماني الذي يجعل السلطة بيد الإرادة الشعبية، ويقرن السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة والعقاب.

في هذا السياق، جاءت أحداث مراكش، وقد نجح الإرهابيون في ملأ الصورة لبضعة أيام ونجحوا في التشويش على جدول الأعمال، وذلك بإقحامهم لنقطة لم تكن مدرجة منذ البداية، ومن شأن الانجرار في مناقشة هذا الموضوع أن يؤثر بشكل أو بآخر على باقي النقاط.

أعتقد بأننا، كمواطنين يتطلعون إلى ديمقراطية حقيقية ويؤمنون بأننا بصدد مرحلة تاريخية.. مرحلة التغيير الديمقراطي العميق، لسنا معنيين الآن بمن يقف وراء هذه الأحداث، فالتاريخ كفيل بالإجابة عن هذا السؤال، والحقيقة ستظهر في المستقبل، طال الزمان أم قصر.. المهم الآن هو ألا تضيع البوصلة الحقيقية، وأن تظل صورتها واضحة كما انطلقت يوم 20 فبراير، بل المطلوب اليوم المزيد من توضيح وتدقيق المطالب، خاصة من طرف المكونات السياسية التي تدعم حركة 20 فبراير.

الآن لا ينبغي أن نكثر الحديث حول حادثة الأركانة، وعلينا أن نستكمل جدول الأعمال المتمثل في الاستمرار في الاحتجاج الشعبي السلمي المتحضر، والاستمرار في المطالبة بإسقاط رموز الفساد، والاستمرار في المطالبة بتنظيف المحيط الملكي من الشخصيات الفاسدة، والاستمرار في المطالبة بعدم جواز الجمع بين السلطة والثروة، والاستمرار في المطالبة بمعرفة حقيقة من كان وراء أحداث 16 ماي، والاستمرار في المطالبة بضرورة الإفراج عن المعتقلين بسبب الرأي والاعتقاد على خلفية قانون مكافحة الإرهاب، والمطالبة بجبر الضرر الذي لحق بهم من جراء سنوات من الاعتقال بعد مسلسل من الاختطاف والتعذيب، والاستمرار في المطالبة بإلغاء المعتقل السري السيء الذكر تمارة، والضغط على الفرق البرلمانية للاستجابة لمقترح تشكيل لجنة تقصي الحقائق الذي تقدم به فريق العدالة والتنمية قصد إكمال النصاب المطلوب...

هذا بعض من جدول الأعمال الذي رسمته دينامية 20 فبراير، وأي تشويش عليه هو انتصار لمنطق الإرهاب، ووقوع في فخ الإرهابي.

إن الإرهابي يقدم خدمة جليلة للاستبداد، وتحت شعار مكافحة الإرهاب يزداد الطلب على الاستبداد بدعوى الاستقرار، فكلاهما يغذي الآخر، وأحدهما يقتات على الآخر، فهما وجهان لعملة واحدة.

فبقدر ما ندين الإرهاب ونمقته، بقدر ما نكره الاستبداد ونرفضه.. وكما تحررنا يوم 20 فبراير من عقدة الخوف من الاستبداد ونزلنا إلى الشارع للمطالبة بالإصلاحات، علينا أن نتحرر من عقدة الخوف من الإرهاب ونستكمل جدول الأعمال.

 

*عضو الأمانة لحزب العدالة والتنمية