مشروع قانون مالية 2020 وكسب رهان توطيد الثقة

نوفل الناصري
الخميس, أكتوبر 24, 2019 - 13:15
مشروع قانون مالية 2020 وكسب رهان توطيد الثقة

يعتبر مشروع قانون مالية لسنة 2020، مشروعا مركزيا ومفصليا بالنسبة للحكومة الجديدة، خصوصا وأنها السنة الوحيدة المتبقية لها عمليا (باعتبار أن السنة المتبقية هي سنة انتخابية بامتياز) من أجل تنزيل أكبر عدد ممكن من الإجراءات الضرورية والإستعجالية القادرة على معالجة الإشكالات الاجتماعية والإكراهات المالية التي تعرفها بلادنا.

وهو مشروع ينتظره الآلاف من الشباب حاملي المشاريع، والآلاف من المقاولات الصغيرة جدا، والآلاف من المقاولين الذاتيين، الذين تم التطرق إلى معاناتهم مباشرة من طرف جلالة الملك في خطاب الدخول التشريعي، والذي دعا فيه الحكومة والبرلمان إلى ضرورة تجويد النصوص القانونية والإسراع في تنفيذ الإصلاحات وتنزيل المشاريع على أرض الواقع وتحسين وضعية هؤلاء ومَعَهم الفئات الفقيرة والهشة والطبقة المتوسطة.

 ولم يقف عند هذا الحد، بل توجّه جلالته بتعليمات واضحة ومباشرة للفاعلين الاقتصاديين والقطاع الخاص، خصوصا القطاع البنكي والمالي الوطني من أجل تعزيز انخراطه في عملية التنمية، والمساهمة في دعم صمود وتطوير الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

لقد أراد ملك البلاد، أن تكون هذه السنة، سنة لكسب رهان "إرجاع وتوطيد الثقة" في الأحزاب السياسية، وفي البرلمان، وفي الحكومة وفي الفاعلين الاقتصاديين والماليين والاجتماعين، لتكون هذه الكلمة – أي الثقة- هي الأرضية والقاعدة الصلبة التي سيشيد عليها النموذج التنموي الجديد.

فمن خلال مدارسة الأوراق المرفقة مع مشروع قانون المالية لسنة 2020، نجد أن هذا الأخير يرتكز على 3 محاور كبرى، حددتها التوجهات الملكية الواردة أساسا في خطابي عيد العرش وثورة الملك والشعب وخطاب الدخول البرلماني لهذه السنة، والتزامات الحكومة في برنامج عملها.

 وتتعلق الأولوية الأولى، بمواصلة دعم السياسات الاجتماعية (التعليم والصحة والتشغيل والسكن)، وذلك باعتماد رزمانة من الإجراءات النوعية، تبتدئ  بتسريع تفعيل إصلاح منظومة التربية والتكوين عبر تنزيل القانون الإطار رقم 51-17 والحرص على احترام بنوده، مع مواصلة التعميم التدريجي للتعليم الأولي مع تعزيز الدعم الاجتماعي للتمدرس.

 وفي هذا الصدد، تم تخصيص ما مجموعه 72,4 مليار درهم لتفعيل القانون الإطار، مع إحداث 16069 منصب مالي منها 15000 منصب لفائدة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، مع العمل على تجويد ملائمة التكوين والتشغيل بغية تحسين نسبة التشغيل في صفوف الشباب، وذلك تعميم إحداث المسارات المهنية وتقوية المكتسبات اللغوية وتحقيق التكامل بين المستويات التعليمية والتكوين المهني.

فضلا عن ذلك، ستشرع الحكومة، في  تفعيل خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني حسب ما جاء في التوجهات الملكية في 4 أبريل 2019 وذلك من قبيل إنشاء مدن الكفاءات والمدن، وتحديث الطرق التربوية وتحسين المهارات المهنية واللغوية.

 كما سيتم التركيز على تحسين وتعميم الخدمات الصحية وضمان ولوج المواطنين لخدمات صحية جيدة تحافظ على كرامتهم مع مواصلة تنفيذ مخطط الصحة 2025، حيث تم تخصيص ما مجموعه 18,6 مليار درهم لهذا الأمر، مع إحداث 4000 منصب مالي، بالإضافة إلى دعم ولوج الطبقات الفقيرة والمتوسطة للسكن اللائق عن طريق تعزيز العرض السكني وتحسين الولوج إليه ومحاربة مدن الصفيح.

وتتعلق الأولوية الثانية، بتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وإرساء آليات الحماية الاجتماعية، حيث ستتخذ الحكومة مجموعة من التدابير الاستعجالية، والمتمثلة، في مواصلة تفعيل البرنامج الملكي للحد من الفوارق المجالية والاجتماعية في العالم القروي حيث سيتم تخصيص 7,4 مليار درهم كاعتمادات التزام برسم سنة 2020.

 كما ستعمل الحكومة، على تنفيذ التزامات اتفاق الحوار الاجتماعي وذلك بتخصيص 6,079 مليار درهم لسنة 2020، تضاف إلى 5,3 ملايير درهم برسم 2019، فضلا عن توسيع التغطية الصحية الأساسية وتصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج المساعدة الطبية "راميد"،  وتطبيق القانون 98.15 بشأن نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لفائدة المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء، بالموازاة مع توسيع التغطية لفائدة الطلبة.

وستواصل الحكومة، إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية وذلك بتفعيل آليات استهداف الفئات في وضعية فقر وهشاشة، وذلك عن طريق التعميم التدريجي للسجل الاجتماعي الموحد، إضافة إلى مواصلة دعم المواد الأساسية عن طريق توفير الموارد المالية، لأداء تحملات صندوق المقاصة وبرمجة ما مقداره 14,64 مليار درهم لهذا الأمر، فضلا عن تخصيص 2,2 مليار درهم للمبادرة الوطنية للملكية البشرية.

وتهم الأولوية الثالثة، إعطاء دينامية جديدة للاستثمار ودعم المقاولة، والهدف من هذه الأولوية هو الرفع من وتيرة النمو الوطني وإحداث مناصب الشغل وتحفيز التصدير.

 وسيتم ذلك عن طريق: (1) دعم الاستثمار العمومي وتعزيز فعاليته وإطلاق جيل جديد من المشاريع الكبرى واعتماد طرق بديلة ومبتكرة لتمويلها، حيث  تم تخصيص ما مقداره 198 مليار درهم للاستثمار العمومي،  (2) تحفيز الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي وذلك بتحسين مناخ الأعمال واعتماد الميثاق الجديد للاستثمار، وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار.

كما سيتم ذلك، عن طريق (3) دعم المقاولة وذلك بالحرص على تقليص آجال الأداءات وتسريع الإرجاعات ومواصلة تصفية دين الضريبة على القيمة المضافة المتراكم وقد خصصت لهذه السنة 10 ملايير درهم  (4)ودعم التصدير والشركات المصدرة وتعزيز تنافسيتها واستفادتها من مختلف اتفاقيات الشراكة واتفاقيات التبادل الحر التي أبرمها المغرب مع مجموعة من الدول، (5) تحفيز القطاع غير المهيكل ومساعدته على الاندماج التدريجي في الدورة الاقتصادية الوطنية.

بالإضافة إلى هذه الأولويات الثلاث، ستواصل الحكومة الإصلاحات الكبرى المهيكلة من قبيل إصلاح منظومة العدالة، ومكافحة الفساد، وتنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وإصلاح الإدارة العمومية، وتنزيل الإصلاح الجبائي، ومواصلة إصلاح نظام التقاعد.

وكما أكد عليه وزير الاقتصاد والمالية، أثناء عرضه لمشروع القانون أمام أعضاء لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، فإن الالتزامات المالية الإضافية المرتبطة بإعداد مشروع قانون مالية 2020، ستكون في حدود 16 مليار درهم، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع عجز الميزانية إلى 4,8 في المائة.

لهذا اتخذت الحكومة، بعض التدابير من أجل الحفاظ على التوازنات المالية والمتمثلة في ترشيد النفقات المرتبطة بتسيير الإدارة، حيث سيتم تقليص هذه النفقات ب 1 مليار درهم؛ كما سيتم اللجوء إلى آليات التمويل المبتكرة في إطار الشراكة المؤسساتية مع التدبير النشيط لأملاك الدولة والمؤسسات العمومية، مما سيمكن من توفير 12 مليار درهم،  بالإضافة إلى مواصلة عمليات الخوصصة لاستخلاص 3 ملايير درهم.

وبفضل هذه الإجراءات الثلاث، ستتمكن الحكومة من توفير هذه 16 مليار درهم والتحكم في عجز الميزانية في نسبة 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

هذا وقد اعتمدت الحكومة في إعداد مشروع قانون المالية لسنة ،2020 على 6 فرضيات هي كالتالي:  توقع نمو الناتج الداخلي الخام ب 3,7 في المائة، تحقيق محصول زراعي متوسط في حدود 70 مليون قنطار، اعتبار متوسط سعر البترول في حدود 67 دولار للبرميل، وسعر البوتان 350 دولار للطن، مع اعتماد 9,5 كسعر صرف الدولار  مقابل الدرهم، وقد حُدد الطلب الدولي الموجه للمغرب في 3,5 في المائة دون احتساب منتوجات الفوسفاط ومشتقاته.

وفي انتظار المناقشة التفصيلية لإجراءات مشروع قانون مالية ،2020 فيمكن إجمال أبرز هذه التدابير الجديدة في دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة، عبر إحداث صندوق ترصد له 6 ملايير درهم على مدى 3 سنوات يوجه للعمليات المرتبطة بدعم الخريجين الشباب وتمكينهم من الحصول على قروض بنكية لتمويل مشاريعهم، وكذا دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في مجال التصدير وخاصة نحو افريقيا.

ونص المشروع أيضا، على تخفيض السعر الهامشي للضريبة على الشركات من 31 في المائة إلى 28 في المائة، بالنسبة للشركات الصناعية فيما يخص رقم معاملاتها المحلي باستثناء الشركات التي يساوي أو يفوق مبلغ ربحها الصافي 100 مليون درهم.

كما تقترح الحكومة تخفيض السعر الحالي للحد الأدنى للضريبة من 0,75 في المائة إلى 0,50 في المائة، مع تطبيق سعر 0,75في المائة بالنسبة للمقاولات التي تصرح بعجز بصفة دائمة، عندما تكون الحصيلة الجارية، دون احتساب الاستهلاك، المصرح بها، من لدن المنشأة سلبية برسم سنتين محاسبيتين متتاليتين، بعد انصرام مدة الإعفاء المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب.

وقد جاء مشروع مالية 2020، بإجراءات لمواكبة تحويل الجمعيات الرياضية إلى شركات، وذلك من خلال الإعفاء الكلي من الضريبة على الشركات طوال الخمس سنوات المحاسبية الأولى للاستغلال، وتطبيق سعر الجدول المحدد سقفه في 20 في المائة بعد انصرام هذه المدة، وكذا وضع نظام يضمن الحياد الضريبي لعمليات مساهمة الجمعيات الرياضية بجزء أو بكل أصولها وخصومها في الشركات الرياضية و إعفائها من واجبات التسجيل.

وبهدف ملائمة المنظومة التشريعية الوطنية للمعايير الدولية، تم اقتراح التوجه نحو توحيد الأسعار المنخفضة للضريبة على الشركات، المطبقة على بعض القطاعات في أفق تطبيق سعر موحد ب20 في المائة ، مع مراجعة النظام التفضيلي المطبق على الشركات المكتسبة لصفة "القطب المالي للدار البيضاء" وعلى الشركات التي تمارس نشاطها بالمناطق الحرة للتصدير، عبر اعتماد سعر موحد للضريبة على الشركات ب 15 في المائة.

وفي إطار تقوية وتحسين علاقة الثقة مع الملزمين، اقترح مشروع قانون مالية 2020 في هذا الصدد، تمكين الأشخاص الذاتيين، بصفة استثنائية، من التسوية الطوعية لوضعيتهم الضريبية، عبر إبرائهم من الفحص الجبائي المتعلق بتقييم مجموع الدخل بناء على نفقاتهم، وذلك مقابل اقتطاع 5 في المائة من مبلغ الموجودات المودع لدى مؤسسات الائتمان المعتمدة، ولن يتم اعتماد النفقات المنجزة لاحقا في حدود مبلغ الموجودات الذي سيتم التصريح به، في إطار مسطرة الفحص.

وإضافة إلى اقتراح الترخيص للملزمين، الذين لم يقوموا بالإدلاء بالإقرار السنوي برسم الدخول العقارية المكتسبة، خلال  السنوات المنصرمة التي لم يطلها التقادم، بتسوية وضعيتهم الجبائية بصورة تلقائية، وذلك من خلال أدائهم لمساهمة إبرائية تساوي 10 في المائة من المبلغ الإجمالي للدخول العقارية المكتسبة برسم سنة 2018 .

 مقابل ذلك، ينص مشروع مالية 2020، على  إعفائهم من أداء الضريبة على الدخل برسم الدخول العقارية وكذا من إلغاء الزيادات والغرامات والذعائر المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب برسم السنوات المنصرمة غير المتقادمة.

كما يقترح مشروع قانون المالية، منح الملزمين بصفة انتقالية إمكانية تسوية وضعيتهم الجبائية، من خلال الإدلاء  بقرار تصحيحي تلقائي بالنسبة للضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة، وذلك برسم السنوات المحاسبية 2016 و2017 و2018.

فضلا عن ذلك، ينص المشروع، على إطلاق عملية "التسوية التلقائية" للممتلكات والموجودات النقدية المنشأة بالخارج مقابل أداء مساهمة إبرائية يتم بموجبها إعفاء الأشخاص المعنيين، من دفع الغرامات المتعلقة بمخالفات قانون الصرف وأداء الضريبة على الدخل أو الضريبة على الشركات وكذا الغرامات الجزاءات والرسوم الإضافية المفروضة على المخالفات المنصوص عليها بالمدونة العامة للضرائب.

وعلى هذا الأساس واعتبارا لما سبق، فإن مشروع قانون مالية 2020، هو مشروع اجتماعي مؤسس، وجب على جميع الفاعلين من أحزاب وحكومة وبرلمان وفاعلين اقتصاديين وماليين العمل يدا بيد من أجل تجويده، وإقرار تدابير جريئة تكون قادرة على كسب رهان توطيد الثقة والمكتسبات، ومواصل البناء الديمقراطي، وتعزيز نجاعة المؤسسات، وتدعيم التنمية الاقتصادية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. 

التعليقات

أضف تعليقك