أي دور للتكنولوجيا الحديثة في صنع "التفاهة" و"الرداءة"؟

أي دور للتكنولوجيا الحديثة في صنع "التفاهة" و"الرداءة"؟
الثلاثاء, 11. فبراير 2020 - 23:10

أفادت الباحثة في ميدان النانوتيكنولوجيا في العالم كوثر بوبكار، أن تنامي وتعمیم التكنولوجیا أفرز سیادة تصور جدید للمساواة، یقوم على تحولها من مساواة في البدایات، أي تكافؤ الفرص والحق في الوصول للمعلومة وأدوات المعرفة، إلى مساواة في النتائج والمآلات، دون مراعاة لطبیعة المنتوج ومستواه.

إثر ذلك، تضيف الباحثة ذاتها، طغى الاستسهال الذي أدى إلى وفرة في إنتاج سمته الرداءة والضحالة المعرفیة، وتبسیط مواضیع مركبة ومعقدة حد السذاجة أثناء تناولها دون الإحاطة بمفاهیمها ومصطلحاتها،  "حتى أصبحنا نرى عددا كبیرا ممن ینصبون أنفسهم خبراء في التاریخ، والسیاسة والفلسفة وغیرها من مجالات العلوم الإنسانیة، بإعتبارها علوما غیر دقیقة، لا تستلزم الدراسة المعمقة حسبهم، فیتطاولون علیها دون إلمام بها".

وأوضحت بوبكار، في مقال لها نُشر على موقع "ماريانا"، أن هناك من نصب نفسه صحفیا، دون أن یدرس المهنة یوما، أو حتى أن یكلف نفسه عناء تكوین ذاتي حقیقي، یمكنه من التعرف على أبجدیاتها وأدواتها، وضبط تقنیات التحري عن المصادر والتأكد من المعلومات، حتى أصبحت الصحافة تساوي عند البعض، نشر الفضائح واللهث وراء أسرار الحیاة الخاصة.

وتابعت انه لم تسلم حتى الفنون والآداب من انتشار الهراء، حیث اكتسحها من لا موهبة ولا تكوین لهم، فأصبح المسرح عند البعض یعني القفز فوق الخشبة، والكومیدیا تعویق الفم، والموسیقى إصدارا لأصوات ورنات دون تناسق أو تناغم، والآداب إصدارات ملیئة بحشو لغوي مطرز بإیحاءات جنسیة، ونط في الأفكار دون رابط ولا نسق.

وأكدت "أننا هنا لا ننفي أن تبسیط العلوم والمفاهیم، وكسر البیروقراطیة الأكادیمیة أمر إیجابي، عندما یكون وسیلة تخلق الرغبة في المعرفة والفضول والتساؤل اللازمین لاكتسابها، لكنها تتحول للنقیض، حین تصبح غایتها تقدیم “معرفة جاهزة”، فهي بذلك تؤدي إلى ثلوث فكري، یسمم المجتمع ویرسخ الجهل المركب، خاصة في محیط یفتقد العقل النقدي التمییزي".

تغييب البعد الجماعي لصالح الفردانیة

وأشارت بوبكار، أن شبكات التواصل الرقمیة، تغیب البعد الجماعي لصالح الفردانیة، ففیسبوك على سبیل المثال لا الحصر، یُستعمل لإرضاء الاعتزاز بالنفس، وممارسة النرجسیة عبر الشاشة، من خلال خلق شخصیات افتراضیة تستعرض ممارساتها في حیاتها الاجتماعیة والیومیة بمختلف أشكالها، والهدف الوحید، هو الحصول على المباركة الدائمة والفوریة من الآخرین، عن طریق نقرات الإعجاب، وممارسة التقلید في تواصل محركه إدمان، یولده التطبیق عبر إفراز هرمون الدوبامین.

إن ما یجب الوعي به في هذا الصدد، تفيد الباحثة والمتخصصة في التكنلوجيات الحديثة، أن وسائل التواصل الاجتماعي صممت من أجل تحقیق أهداف تجاریة، تتعارض وبناء كتلة مجتمعیة موحدة، بل إنها تساهم في تشتت المجتمع، وتزید من تمزیقه واغترابه، لأنها تفتح مجالا لإنشاء تبریرات ذاتیة للأنا، ولأحقیته، وأسبقیته على نحن، وهي بذلك تجزئ المجتمع لأنها تركز أكثر على تناقضاته واختلاف تركیباته وتنوعها عما قد یوحده.

وبالتالي، تضيف الباحثة، فطبیعة وسائل التواصل الاجتماعي، المتسمة بتركیزها على الفردانیة والتكتلات مع المتشابه، واستبعاد المختلف، تزید من عمق الهوة بین النخب وباقي الشرائح المجتمعیة، وتعمق أزمة الوعي.

تأثیر وسائل التواصل على السلوك

تحث وسائل التواصل الاجتماعي، حسب الباحثة ميدان النانوتيكنولوجيا، على التغییر المستمر للمحتوى المعروض، بإرسالها لمقاطع إشهاریة مستمرة، قد تترافق بقطع المحتوى الذي نستهلكه، أو تكون على هامشه، مما ینقص من القدرة على التركیز، وتفضیلنا للمحتویات القصیرة كتابة كانت أم سمعیة مرئیة، فنجد مثلًا تویتر یحدد المحتوى في عدد من الحروف لا یمكن تجاوزه.

 یسمح هذا، حسب الباحثة، بانتشار أفكار مركزة بعیدا عن تحلیلها، وإن كان هذا الأمر محبذا في نقل الأخبار، فهو لیس كافیًا لمن یرید طرح فكرة محدِّدا المسلمات والمفاهیم والمنهجیة المتبناة للوصول الیها.
 

التعليقات

أضف تعليقك