صفقة القرن .. الصفقة التي لن تمر

قراءة في ديباجة " الصفقة " .. في الشكل والمنطوق ما اصطلح عليه بصفقة القرن يحتاج من الشعوب العربية والإسلامية ومن الشعوب المتحيزة  لقيم الحرية  والعدالة وقوفا متأملا وقراءة  متمعنة في منطوقها ومضمونها، ذلك أنها  وسواء تعلق الأمر بالمنطوق أو المفهوم فإن نصها  ينضح بالتحيز وقلب المواقع والحقائق كما يتضح من خلال الملاحظات الأولية التالية: 

أولا: من الملفت في نص الاتفاقية أن  كلمة "الإسرائيلين " تتقدم على الفلسطينين، كما أنها تساوي  بين الطرفين في المعاناة حيث تقول الديباجة: "لقد عانى كل من الإسرائليين والفلسطينين إلى حد كبير من نزاعهم الطويل الأمد الذي لا ينتهي على ما يبدو " وتبين هذه الفقرة أن  المنظور الذي ينطلق منه أصحاب " الصفقة "الذين سهروا على تحضيرها وتحضير شروطها ومحاولة فرضها على الفلسطينيين، وهو منظور مختل وفاسد ومتحيز، إذ أنه يساوي بين الجلاد والضحية، ويكفي بهذا المنطق دليلا على تحيز " الوسيط " الذي يفترض فيه الحياد، ومن ثم دليلا على أنها وضعت على مقاس الكيان الصهيوني ولإضفاء الشرعية النهائية على تاريخه وحاضره الإجرامي في حق الشعب الفلسطيني .

ثانيا : تقدم الديباجة الكيان الصهيوني في صورة صانع السلام وفي صورة من قدم " تضحيات " من أجل ذلك، وهكذا فإنه لم يعترف للأطراف العربية التي قدمت تنازلات من أجل توقيع اتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني ب" فضلها " حتى في هذا التنازل حيث تقول الفقرة الثالثة من الديباجة " لقد صنعت دولة إسرائيل السلام مع اثنين من جيرانها. لقد صنعت السلام مع جمهورية مصر العربية في عام1979 وصنعت السلام مع المملكة الأردنية الهاشمية في عام 1994 وهما دولتان خاضتا مع دولة إسرائيل حروبا متعددة ومناوشات عديدة " ( لا حظ كلمة ...لقد صنعت ... وكلمة .. وصنعت ) .

ثالثا : تسعى الديباجة إلى إبراز حسن نية الكيان الصهيوني في إقامة "السلام " والدليل على ذلك حسب محرري الصفقة انسحابها من" شبه جزيرة سيناء مقابل السلام مع جمهورية مصر العربية " 

رابعا : تعتبر الديباجة أن عدم التطبيع بين الدول العربية والإسلامية أدى " إلى تفاقم الصراع بين الإسرائيلين والفلسطينيين " وأنه :" إذا قام عدد أكبر من الدول الإسلامية والعربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل فسوف يساعد ذلك على دفع حل عادل ومنصف للصراع لزعزعة استقرار المنطقة " وتفسر الوثيقة هذا الوضع أي غياب التطبيع بين الدول العربية والإسلامية والكيان الصهيوني ب:" الخلط بين نزاعين: النزاع الإقليمي والأمني ونزاع اللاجئين بين إسرائيل والفلسطينيين ، والنزاع الديني بين إسرائيل بشأن السيطرة على الأماكن ذات الأهمية الدينية " وفي هذه الفقرة إصرار على تحييد العالم الإسلامي والسعي إلى إبراز القضية وكأنها صراع حدود وليس صراع وجود وطمس للهوية الدينية التي يقوم عليها الكيان الصهيوني والأساطير التي تقوم عليها، وما يقوم به الكيان الصهيوني من طمس للمعالم الدينية الإسلامية والمسيحية 

خامسا : تزعم الخطة أنها تأتي بمجموعة من الحلول الوسط التي على الطرفين دراستها، والحقيقة أن الطرف الآخر أي الكيان الصهيوني ليس في حاجة إلى دراستها لأنها مصممة على هواه ولذلك سارع إلى الترحيب بها وحضور حفل الإعلان عنها إلى جنب الرئيس ترامب، وتؤكد أن الوصول إلى اتفاق سلام يتطلب من " الطرفين " تنازلات صعبة منها ما تسميه الصفقة ب "انسحاب إسرائيل"  من 88% من الأراضي التي استولت عليها عام 1967 اذ تنازلت تنازلا هاما عما سمته ب " جزء من موطن الأجداد للشعب اليهودي. 

سادسا : التشكيك في جدوى القرارات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة وفي المرجعيات الأمنية لحل النزاع، حيث تشير الوثيقة إلى أن صدور ما يقارب 700 قرار من قرارات الأمم المتحدة وأكثر من 100 قرار من مجلس فيما يتعلق بالنزاع لم تحقق السلام بحكم عدم اتساقها وعدم التحديد الزمني لها اضافة  الى اختلاف تفسير الأطراف لها بما في ذلك القرا 242 والأكثر من ذلك تأكيد اختلاف علماء القانون في معناها وأثرها القانوني ؛ وتعتبر صفقة القرن بعد التعبير الشكلي عن احترامها "الدور التاريخي للأمم المتحدة " بما يفيد انتهاء هذا الدور واستنفاذ أغراضه أن قراراتها لم تحل ولن تحل المشكل، في الوقت التي تزعم فيه أنها أي الصفقة جاءت كي تقدم الخلاص من خلال ما تسميه مجموعة من " الحلول الوسط " التي ستتطلب " تنازلات صعبة " من الفلسطينين ومن " الإسرائيلين " وأن " السلام " الذي تقترحه الصفقة سيؤدي تحسينات اجتماعية واقتصادية كبيرة  وأمن للإسرائليين والفلسطينيين على حد سواء.

محمد يتيم